كتب بروس ليدل، الباحث البارز في الشؤون الخارجية في مركز القرن الحادي والعشرين للأمن والمخابرات، ومدير مشروع المخابرات بمركز سياسات الشرق الأوسط، مقالًا على موقع مركز «بروكنجز» حول العلاقات السعودية الأمريكية التي مرت بفترات شد وجذب غير مسبوقة منذ هجمات 11 سبتمبر (أيلول)، ثم الاتفاق النووي الإيراني في عام 2015.

ويرى الكاتب أن الظروف تغيرت عما كان عليه الوضع عند تدشين العلاقة بين واشنطن والرياض، عقب الاجتماع التاريخي الذي جمع بين الرئيس فرانكلين روزفلت والملك عبد العزيز بن سعود على متن الطراد الأمريكي كوينسي في قناة السويس عام 1945؛ وهو ما يستوجب إجراء تعديلات على هذه العلاقة في ضوء المستجدات، وفي إطار التغييرات التي طرأت على مجمل السياسة الأمريكية في المنطقة.

حقوق إنسان

منذ شهر
«ناشيونال إنترست»: مقتل خاشقجي لا يزال أسوأ كوابيس ابن سلمان

يستهل ريدل مقاله بالقول: في يوم عيد الحب من عام 1945، التقى الرئيس فرانكلين روزفلت بالعاهل السعودي الملك عبد العزيز بن سعود على متن الطراد الأمريكي «يو إس إس كوينسي»، في قناة السويس. كان ذلك هو بداية ما أصبح الآن أطول علاقة تربط بين الولايات المتحدة ودولة عربية. لكن هذه العلاقة تشهد تراجعًا اليوم، وربما يستمر هذا التدهور بلا توقف، ولذلك فإنها بحاجة إلى إعادة صياغة.

أهمية السعودية لأمريكا بعد الحرب العالمية الثانية

يلفت الكاتب إلى التباين الشديد بين روزفلت وابن سعود آنذاك:

كان روزفلت في فترة ولايته الرابعة رئيسًا منتخبًا لأقوى دولة في العالم، وخرج لتوه منتصرًا من الحرب العالمية الثانية. كما سافر إلى كل أنحاء العالم، وكان عائدًا آنذاك من قمة يالطا مع وينستون تشرشل وجوزيف ستالين. وكان مريضًا للغاية، ولم يكن أمامه في الحياة سوى بضعة أسابيع. إذ كان ضغط دمه 260 على 150. لكنه كان مقتنعًا بأن السعودية ستكون دولة شديدة الأهمية لأمريكا في عالم ما بعد الحرب؛ وذلك بفضل نفطها.

لقاء الملك السعودي عبد العزيز آل سعود مع الرئيس الأمريكي فرانكلين روزفلت.

في المقابل لم يسبق لابن سعود أن ركب البحر من قبل، أو خرج من جزيرة العرب، باستثناء قيامه برحلة قصيرة إلى البصرة في العراق. وكان مقاتلًا أنشأ المملكة السعودية الحديثة من خلال معارك لا حصر لها. لكنه لم يكن يمتلك خبرة في الدبلوماسية الدولية. وكان ملكًا مطلقًا (مستبدًا، لا تقيده قواعد)، ويحظى بدعم رجال الدين الوهابيين المتعصبين – على حد وصف الباحث – لكنه أرسل اثنين من أبنائه، هما فيصل وخالد، إلى أمريكا في عام 1943 للقاء روزفلت، والتجول في أنحاء البلاد، والعودة للوطن، ليبلغانه بعدها بأن أمريكا هي الدولة الأقوى والأكثر تقدما في العالم.

لا يوجد رئيس أمريكي أكثر تملقًا للسعوديين من ترامب 

هيمن على هذا الاجتماع الذي عقد على متن الطراد كوينسي خلاف حول مستقبل فلسطين: دافع روزفلت عن إقامة دولة يهودية، واحتج ابن سعود بأن اليهود يجب أن يحصلوا على دولتهم في بافاريا. لكن هذا الموضوع احتل مرتبة ثانوية بالنظر إلى المناخ المواتي الذي عقد فيه الاجتماع؛ إذ تخلى الرئيس عن سيجارته ومشروباته الكحولية المعتادة احترامًا لمشاعر الملك وتقاليده الإسلامية. وتبادلا الهدايا، وتركا بعضهما وكل منهما معجب بالآخر إلى حد كبير.

صاغ الزعيمان في ذلك اللقاء أساس علاقة طويلة، توفر الولايات المتحدة بموجبها ضمانات أمنية للمملكة في مقابل الحصول على إمدادات الطاقة بأسعار معقولة. وشهدت العلاقة صعودًا وهبوطًا، لكن كل رئيس أمريكي سعى إلى مغازلة السعوديين. غير أن أحدًا من الرؤساء لم يكن مجاملًا – بل حتى متملقًا – مثل دونالد ترامب، الذي امتدح السعوديين لشرائهم أسلحة أمريكية لم يشتروها بالفعل، وواصل دعمه للحرب التي تقودها السعودية في اليمن، والتي تسببت في أسوأ كارثة إنسانية في العالم، وتكلف المملكة ثروة لا تملكها، بالنظر إلى انخفاض أسعار النفط.

هكذا انكشف الضعف السعودي أمام الجميع 

يضيف ريدل: الأسوأ من ذلك، تجاهلت الإدارة (الأمريكية) القتل الوحشي لجمال خاشقجي، كاتب العمود في صحيفة «واشنطن بوست»، داخل القنصلية السعودية في إسطنبول بتركيا. وكانت الدولة السعودية متورطة في عملية القتل، وفقًا لتحقيق أجرته الأمم المتحدة، وكان العقل المدبر للعملية هو: ولي العهد محمد بن سلمان، لكن ترامب برأ الشخص المفضل لديه.

الصفقة التي جرى التوصل إليها على متن الطراد كوينسي عفا عليها الدهر.

غير أن جهود ترامب لم تنجح لأن ولي العهد شخصية سامة، وسمعته ملطخة على الدوام. والصفقة التي جرى التوصل إليها على متن الطراد كوينسي عفى عليها الدهر. فالولايات المتحدة لم تعد بحاجة إلى النفط السعودي، بل أصبحت شبه مستقلة فيما يتعلق بالطاقة. صحيح أن البيت الأبيض أعاد القوات الأمريكية المقاتلة إلى السعودية (غادروها في عام 2003)، لكن وجودهم لم يردع الإيرانيين عن ضرب المنشآت النفطية الأكثر أهمية في المملكة في سبتمبر الماضي. ولا غروَ أن يهتز شعور السعوديون بالرضا عن النفس حرفيًا، وينكشف ضعفهم الشديد أمام الجميع.

ماذا ينبغي على الرئيس الأمريكي المقبل فعله؟

يتابع المقال: ينبغي على الرئيس (الأمريكي) القادم إعادة القوات الأمريكية إلى الوطن فورًا من المملكة، وقطع كل صور الدعم العسكري للسعوديين، على الأقل إلى أن يتم التوصل إلى تسوية سياسية دائمة في اليمن. ويجب إغلاق المنشآت الدبلوماسية السعودية في الولايات المتحدة، أو تعريتها لأنها تستخدم للتجسس على المنشقين مثل خاشقجي. ويجب إعادة الجنود السعوديين الموجودين في الولايات المتحدة للتدريب أو لمهام أخرى إلى بلادهم. ويتعين أن يفهم السعوديون أن أي شخص متورط في مقتل خاشقجي لن يكون موضع ترحيب في الولايات المتحدة. وينبغي للمدعي العام مراجعة الإجراءات القضائية التي قد تنطبق على هذه القضية.

ويتابع ريدل: كل هذا يجب أن يكون جزءًا من مراجعة أوسع للسياسة (الأمريكية) تجاه المنطقة؛ لتقليص وجودنا العسكري واستخدام المزيد من الدبلوماسية. ويجب إشراك إيران، ويتعين إحياء الصفقة النووية وتعزيزها. ويجب بدء عملية سياسية جادة بين إسرائيل والفلسطينيين، وليست الصفقة الوهمية التي أعلنتها هذه الإدارة. وسيكون هذا بالتأكيد مثيرًا للتحدي، ولكن حان الوقت لإجراء تغييرات جوهرية.

تاريخ

منذ شهر
«الإندبندنت»: كان محبوبًا حتى تولى الرئاسة.. كيف أضر المنصب بمسيرة جورج واشنطن؟

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد