عبد المصريون القدماء ما لا يقل عن 1500 إلهًا وإلهة. بعض هذه الآلهة لا تزال شهرته تطبِق الآفاق حتى اليوم، مثل: أوزوريس، إله البعث والحساب المُحنَّط (حنَّطه الإله أنوبيس)، وإيزيس، إلهة السحر والحكمة والشفاء. لكن هناك آلهة أخرى، عبدها المصريون القدماء، لا يزال يلفها الغموض بعد كل هذه السنين التي بلغت الآلاف.

مجلة «هيستوري إكسترا» التاريخية التابعة لـ«هيئة الإذاعة البريطانية (بي بي سي)» تصحبنا في رحلةٍ إلى مصر القديمة، برفقة عالمة المصريات جويس تيلديسلي، للتعرُّف على ثمانية من آلهة مصر القديمة التي طواها النسيان، وباتت اليوم أقل شهرة من نظرائها التي يعرفها الجميع.

1- الإلهة «تاوِرت».. مخيفة الأرواح الشريرة

عند رؤيتها للوهلة الأولى، يبدو جسد الإلهة «تاوِرت» (تلقب أيضًا بالأنثى العظيمة) مُكوَّنًا من أجزاء حيوانية مختارة عشوائيًا؛ فلديها جسم ورأس فرس نهرٍ حامِلٍ تقف على ساقيها الخلفيتين، وذيل تمساح، وأطراف لبؤة، يعلوها أحيانًا وجه امرأة، وينفرج فمها ليكشف عن صفوف أسنانٍ تنذر بالخطر، وغالبًا ما ترتدي شعرًا مستعارًا طويلًا.

فنون

منذ سنتين
«إخناتون كان أشبه بالفضائيين!».. هل كان الفراعنة بنفس جمال تماثيلهم حقًا؟

قد نجد هذا المزيج من الحيوانات الشرسة والشعر المستعار مخيفًا، لكن نساء مصر القديمة اعتبرن الإلهة «تاوِرت» منبع ارتياحٍ كبيرٍ؛ لأنها كانت قادرة على حمايتهن أثناء الولادة عن طريق تخويف الأرواح الشريرة ودحر شرورها عن الأم والطفل.

هذه الحماية أكسبتها شعبية كبيرة قديمًا، لدرجة أنها – على الرغم من عدم تشييد معبد كبير خاص بها لتخليد مآثرها – كانت حاضرة بصورتها على الجدران والأسرَّة ومساند الرأس وعلب التجميل في العديد من منازل العامة، وحتى على جدران القصر الملكي.

هذا المزيج بين الأعضاء الحيوانية ليس حصريًا فقط لتجسيد مظهر تاروت، فنرى في التراث المصري القديم الملامح نفسها – رأس تمساح ومقدمة جسد أسد أو نمر وخلفية جسد فرس نهر – في إلهة أخرى هي «آمِّت» (تنطق عميت) المشهورة بـ «آكلة الموتى الملعونين».

لكن على عكس «تاوِرت»، كانت «عميت» تبث الذعر في القلوب. ولا عجب في هذا، فهي تعيش في مملكة الموتى، حيث تربض محدقة بالموازين التي تزِن قلوب الموتى، في مراسم خاصة تُعقَد لمحاكمة القادمين إلى العالم السفلي، بوزن قلوبهم مقابل ريشة العدل والنظام (ماعت)؛ فمن كان قلبه نقيًا يملؤه النور (أخف من الريشة) سُمِح له بالمرور بسلام إلى حديقة الآخرة، أما من كان قلبه مثقلًا بالذنوب (أثقل من الريشة) فيُلقى إلى عميت لتلتهمه.

2- الإله «بِس».. القزم الحامي 

كان «بس» إلهًا آخر يجلب الارتياح ويوفر الحماية للأمهات والأطفال. وهو يُصور غالبًا في شكل قِزم يجمع بين الكوميديا والشرّ، جسده ممتلئ، وثدياه بارزان، تحيط بوجهه لحية، وأنفه أفطس ولسانه بارز، وقد يكون بشريًا بالكامل أو نصف إنسان ونصف حيوان (أسد عادة). وقد يكون لديه لبدة، أو ذيل أسد، أو جناحين. وغالبًا ما يرتدي غطاء رأس مكسو بالريش، ويحمل إما طبلة أو دُفًا أو سكينًا.

Embed from Getty Images

كما اشتهر الإله «بس»بحماية المصريين من الثعابين، ولكن دوره الأساسي كان يتركز حول الرقص والموسيقى، مستخدمًا فَنه لتخويف الأرواح الشريرة في أوقات يكون فيها الإنسان في حالات ضعف، مثل: وقت الولادة وفترة الطفولة وأثناء ممارسة الجنس والاستغراق في النوم. ولا غروَ أن تزين صورته غرف نوم جميع فئات المجتمع، ويمكننا أيضًا رؤيته إما موشومًا أو مرسومًا على أجساد الفتيات الراقصات.

3- الإلهة «نيث».. إلهة الخلق التي ولدت رع

هي محاربة أو صيادة، يتخذ جسدها هيئةً بشرية، وترتدي تاجًا، وتحمل القوس والسهام. كانت تلقب بـ«أم الآلهة»، وفي ذلك دلالة على القوة الإبداعية التي كانت حاضرة في بداية العالم، فبحسب المعتقدات المصرية القديمة، كانت هي الأم الكبرى التي ولدت «رع» وكانت أول من ولدت كل شيء، بل قد يُنسَب إليها الفضل في اختراع الولادة باعتبارها إلهة الخلق.

وعلى حائط معبد خنوم في إسنا، بجنوب مصر، نرى «نيث» تخرج من المياه الأزلية – الذي انبثق منه كل شيء، وفق المعتقدات المصرية القديمة – إلهة على شكل بقرة تَخلق الأرض بمجرد أن تنطق بالكلمات التالية: «فليكن هذا المكان أرضًا لي».

كانت «نيث» تُعبَد في جميع أنحاء مصر، لكنها ارتبطت على نحوٍ خاص ببلدة سايس الواقعة غرب الدلتا – تعرف اليوم باسم قرية صا الحجر – وفيها اشتهر معبدها باسم «بيت النحلة». وفي عهد الأسرة السادسة والعشرين (664 – 525 قبل الميلاد)، وهي الفترة التي كانت فيها سايس عاصمة مصر، كان «نيث» هي الإلهة المُهيمنة على الدولة بأكملها، ودُفن الملوك في أراضي معبدها. غير أن معبدها، والمقابر الملكية التي تحتويها، مفقودة الآن.

4- الإله «آتون».. قرص الشمس وواهب مفتاح الحياة

إذا كان جسد الإلهة «تاِورت» والكائن الخرافي المضاد له «عميت» يحتويان على عدد كبير جدًا من الأعضاء (البشرية والحيوانية)، فإن جسد الإله المعروف باسم «آتون» أو «قرص الشمس»، لا يباريهما في عدد الأعضاء، بل يتكون جسده ببساطة من قرص شمسٍ، بلا وجه ولا جسد، تنبعث منه أشعة طويلة تنتهي في أيادٍ بشرية.

بحسب الديانة المصرية القديمة فإن «آتون» يطل من سمائه على العائلة الملكية، ويقدم له «العنخ»، وتعني: مفتاح الحياة. وبما أنه لا توجد أساطير معروفة منسوجة حوله، تقول جويس تيلديسلي، التي تُدَرّس مجموعة من الدورات عبر الإنترنت في علم المصريات في جامعة مانشستر، إننا لا يمكننا أن نحكي سوى القليل عن الإله «آتون».

Embed from Getty Images

إلا أن هذا الإله الذي يبدو تراثه مملًا، كان مصدر إلهامٍ عميق للفرعون إخناتون (حكم ما بين 1352 – 1336 قبل الميلاد) لدرجة أنه تخلى عن كل الآلهة الأخرى التقليدية، وأغلق معابدها، وبنى عاصمة جديدة خصصها لعبادة آتون أطلق عليها اسم «أخيتاتون» (تعني: أفق آتون)، وهي التي سميت لاحقًا بـ«تل العمارنة».

وبصفته الفرعون، كان من المفترض أن يقدم القرابين لجميع آلهة مصر. لذلك كان يُنظر إلى قراره بالتخلي عن الطقوس التقليدية على أنها خطوة بالغة الخطورة، وستغضب الآلهة القديمة حتمًا. لكن لم يمضِ وقت طويل على وفاته، حتى أعاد توت عنخ آمون (حكم ما بين 1313 – 1327 قبل الميلاد) البانثيون (وتعني: معبد لكل الآلهة). ومع إعادة فتح المعابد القديمة مرة أخرى، أصبحت سيرة الإله «آتون» خاملة الذكر بعدما كان ملء السمع والبصر.

5- الإلهة «سخمت».. الوجه الآخر 

كثيرون منا يعرفون الإلهة «حتحور»، إلهة السماء التي لها رأس بقرة، ويرتبط اسمها بالأمومة والخصوبة والثمالة. لكن قليلين منا يدركون أن «حتحور» لها وجه آخر وكيان مُتغير. فحينما تغضب، تتحوَّل إلى «سخمت» – وتعني القوية – وتتخذ شكل لبؤة لا تعرف اللين، تنفث نارًا، ومسلحة بترسانة من الأوبئة، ولديها القدرة على حرق أعداء مصر بحرارة الشمس الملتهبة.

كانت «سخمت» مدافعة عنيدة عن والدها الفرعون، وهذا، إلى جانب مهارتها في استخدام القوس والسهم، جعلها مرتبطة ارتباطًا وثيقًا بالجيش. وعندما نما إلى علم إله الشمس، «رع»، أن شعب مصر يتآمر ضده، أرسل «سخمت» لقتلهم جميعًا. لكنه عندما غير رأيه، وقرر أن ينقذ الشعب، اصطدم بالكثير من المتاعب لوقف المقتلة العظيمة.

ولكن «سخمت» لم تكن ممتلئة بالشر المحض، بل بصفتها «سيدة الحياة»، كان بمقدورها أيضًا علاج جميع الأمراض التي أصابت الناس بها، وحظي كهنتها بسمعةٍ طيبة باعتبارهم معالجين بسحر قوي.

6- الإله «خِبري».. الجعران السماوي

الإله «خبري»، المستمد اسمه من الفعل «خبر» في اللغة المصرية القديمة ويعني «القادم إلى حيز الوجود»، هو شمس الصباح. عادة ما يتجسد في هيئة خنفساء، وقد يتجسد أيضًا على شكل رجلٍ برأس خنفساء، أو في شكل صقرٍ برأس خنفساء.

وهو النسخة الإلهية من خنفساء الجعران، ولأنها معتادة على وضع بيضها في كرة كبيرة من الروث، كان القدماء يتخيلونها كخنفساء سماوية ضخمة تدير كرة الشمس عبر السماء. ومن داخل كرة الروث هذه كان بيض خنفساء الجعران يفقس في النهاية، ويزحف خارجها محلقًا بعيدًا إلى الآفاق. أما وقد لاحظ المصريون القدماء ذلك، فقد قفزوا إلى استنتاجٍ مفاده أن الخنافس كائنات ذكورية لديها قدرة على الخلق الذاتي.

وهذه القدرة المثيرة للإعجاب على التجدُّد جعلت الجعران واحدًا من أكثر التمائم شعبية في مصر، لا يقتصر استخدامه على الموتى، بل يتبرَّك به الأحياء أيضًا. وعلى الرغم من أن الإله «خِبري» لم يكن له معبد خاص به، فإن صورته كانت حاضرة إلى جانب الآلهة المصرية الأخرى داخل المقابر الملكية في وادي الملوك.

7- الإلهة «رينينوتت» الحارسة الملكية

كانت «رينينوتت» إلهة تتخذ شكل أفعى الكوبرا. ويمكن أن تنمو الكوبرا المصرية حتى يطل طولها إلى تسعة أقدام، ويمكنها، عندما تغضب أو تشعر بالتهديد، أن ترفع ثلث جسمها عن الأرض، وتوسع أضلع رقبتها فتبدو مسطحة. هذا جعل أنثى الكوبرا يُنظَر إليها باعتبارها حارسًا ملكيًا مفيدًا.

Embed from Getty Images

فكانت الكوبرا المقدسة تمثل القوة السحرية للتاج الملكيّ، ووضعت تمائم على شكل كوبرا في طيات كفن المومياوات لحماية الموتى، وكان معروفًا أن الكوبرا الفخارية الملونة، حين توضع في زاوية الغرفة، فإنها تعتبر وسيلة فعالة لدرء الأشباح والأرواح الشريرة. كل عام كان نهر النيل يفيض في أواخر الصيف. ويتسبب ارتفاع المياه في زيادة عدد الثعابين التي تنجذب إلى حشود الهوام الخارجة من الأرض المنخفضة. وبذلك ارتبطت الكوبرا بخصوبة النيل.

عاشت «رينينوتت» – واسمها أيضًا مانحة الغذاء – في الحقول الخصبة، لتضمن – باعتبارها إلهة الحصاد وصوامع الحبوب – ألا يقرُص الجوع بطون أهل مصر أبدًا. ولطالما اعتُبِرَت أفعى الكوبرا أُمًا جيدة بدرجة استئنائية، ولم تكن الإلهة «رينينوتيت» استثناءً. فهي التي أرضعت الملك باعتبارها حاضنة إلهية، وهي التي تحميه في الموت بالنيران التي تنفثها.

8- الإله «جِب» الأرض وباطنها

تُصَنَّف الأرض الخصبة في معظم الأساطير على أنها أنثى، غير أن الأرض في مصر القديمة كانت ذكرًا. وكان «جِب» إلهًا يحظى بأهمية بالغة في تلك الآونة السحيقة، ويمثل الأرض الخصبة والمقابر المحفورة في باطنها. وبفضل هذا المزيج من الصفات، ولبراعته كمعالج، كان يحظى بالاحترام، كما كان مرهوب الجانب. وهو يظهر عادة كرجل مستلقٍ تحت السماء الأنثى.

وغالبًا ما يُظهِر جسده الأخضر العاري علامات على خصوبته المثيرة للإعجاب، وقد تنمو الحبوب من ظهره. وفي صورةٍ بديلةٍ، قد يظهر كملك يرتدي تاجًا. أما في شكله الحيوانيّ، فقد يتجسد جِب كـأوزة (أو كرجلٍ يحمل أوزة على رأسه) أو كأرنب، أو قد يكون جزءًا من طاقم قارب الشمس الذي يمخُر عُباب السماء كل يوم.

تختم جويس تيلديسلي، مؤلفة كتاب «خرافات وأساطير مصر القديمة» الصادر عام 2010، جولتها قائلة: «حكم «جِب» مصر خلال الفترة التي عاش فيها الناس والآلهة جنبًا إلى جنب. وفي وقت لاحق، كان التقليد اليوناني يساوي بين الإله «جِب» وكرونوس قائد التيتانيين، الذي أطاح بوالده أورانوس بتشجيعٍ من والدته غايا».

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد