كانت المماطلة في الاختيار هي النمط السائد المبتذل في أزمة اليورو البطيئة التي ظلَّت تخنق الاقتصاد اليوناني بانتظام، ولكن كان لا بد أن تنفد الخيارات أمام أوروبا في لحظةٍ ما. حدث ذلك مساء الأحد عندما بدا أنَّ الشعب اليوناني قد قال لا للاستمرار في التعامل مع دائنيه بنفس الشروط الخانقة.

منذ أسبوع واحد فقط، خاطر أليكسيس تسيبراس بمستقبله بفرضه تلك الحبكة، فقد شهدت الأيام الثمانية التي تلت إعلانه عن الاستفتاء العام على قبول شروط الدائنين الأخيرة لإقراض اليونان أو رفضها العديد من الأمور الاستثنائية. أجاز البرلمان اليوناني استفتاءً مُتعجِّلًا على سؤال كانت قد تجاوزته الأحداث بالفعل، وكُتِبَت ورقة الاقتراع بلغةٍ تعبيرية تطرح سؤالًا فنيًّا سخيفًا يفتح المجال أمام العاطفة للتدخُّل في الإجابة، إذ تمزج بين الحديث عن «الرعب» من شركائهم وبين ضبابية ما قد يحدث بعد اختيار «لا»، فكان السيد تسيبراس ووزير ماليته يانيس فاروفاكيس يستهدفان القلب وليس العقل.

وفي هذه الأثناء كان اليونانيون يواجهون أشرس قيود مالية شهدتها أوروبا في العصر الحديث؛ إذ أغلقت البنوك أبوابها، وتعطَّلَت الإمدادات، واصطف المواطنون أمام كل آلةٍ لصرف النقود للحصول على حصصهم منها. ربما كان ذلك المشهد يبدو مثل حالة نموذجية لما لا ينبغي أن تكون عليه الديمقراطية.

ولكن كانت استجابة الدائنين ساكنة على نحو أكثر استثنائيةً، بدت الضوضاء الأولية التي أصدرها مجلس وزراء المالية والبنك المركزي الأوروبي «صقريةً» للغاية لدرجة أنَّهم ربما كانوا سيحاولون إلغاء التصويت، ولكنَّهم أعادوا التفكير بعد ذلك، فقد اتَّضح أنَّ البنك المركزي الأوروبي يُغطِّي توفير السيولة النقدية ولا يمنعها، ووجد القادة؛ بمن فيهم أنجيلا ميركل، فرصةً لتخليص أنفسهم من مُحاوِرٍ لعوب، فتصوَّروا أنَّ الناخبين الخائفين سيحتشدون للتصويت بنعم ليُحطِّموا سُلطة السيد تسيبراس الشخصية وربما ليحلُّوا تحالف سيريزا.

لقد خرقوا كل البروتوكولات المعتادة بالاعتماد على النزاع الديمقراطي الخاص بطرفٍ آخر، وأشاروا إلى أنَّ التصويت بلا سيُخرِج اليونان من منطقة اليورو، وكان هذا الطريق الذي سلكوه طريقًا متعجرفًا بصورة مروعة. والآن بعد أن قالت اليونان لا، لم يعُد مستقبل تسيبراس على المحك، بل أصبح مصير اليورو نفسه هو الذي يتعلق بقشَّة.

لكلٍّ من قادة منطقة اليورو تكليفاته وضغوطه الداخلية الخاصة، ولكن كان على مَن في الشمال المزدهر أن يدركوا مدى قلة المساحة المتاحة للمناورة أمام حكومة يونانية ترأس مجتمعًا دفعه المأزق إلى حافة الدمار. كان لا بد أن تجعل عودةُ ظهور فكرة الاستفتاء بطريقةٍ أقل قبولًا قادةَ الشمال الذين رفضوا من قبل خطة الاستفتاء التي طرحتها حكومة جورج باباندريو يُفكِّرون قليلًا فيما إذا كانت أوروبا ستتحمَّل السماح لنفسها بأن توضَع في موضع التنافس مع الشعب في أي دولة. وفوق كل ذلك كان على الدائنين إظهار بعض التواضع فيما يتعلَّق بفشل التقشُّف الذي فُرِض لخمس سنوات، والذي لم ينجح حتى من حيث جَعْل سداد أثينا لديونها قابلًا للتنفيذ.

لا بد من إدارة نتيجة الاستفتاء الفوضوية ببراعةٍ أكبر كثيرًا من إدارة الحملة، وأثينا بحاجةٍ إلى تهدئة خطابها والتفاوض بهدوءٍ صلب. ربما تكون أثينا ضعيفة اقتصاديًّا ولكن يمكن أن يكون منطق المفاوضات في صالحها، إذا أُجبِرَت اليونان على الخروج من اليورو، ستتعطَّل العقود وقد تتوقَّف الإمدادات لفترةٍ، ولكن قد يُمهِّد تخفيض قيمة العُملة إذا أُدير بعنايةٍ طريقًا بعيدًا عن الفقر.

أمَّا فيما يتعلَّق بمنطقة اليورو الأوسع فلن ينتُج عن إخراج اليونان أي ناتج إيجابي، وقد يخسر الدائنون الرسميون كل شيءٍ بدلًا من التوصُّل إلى تسوية مُتَّفَق عليها للديون. سيزداد التشجيع لمشروع العملة المُوحَّدة مع ترقُّب الأسواق لمَن سيتتبَّع خُطى اليونان، والآن بعد فشل مسار إدارة الأموال المُتشدِّد المدعوم من الاتحاد الأوروبي أمام صندوق الاقتراع، أصبح هناك خطر العدوى السياسية أيضًا، مع وجود عواقب مجهولة على مشروع التقارب الأثمن والأكثر جوهريةً بين القارة بأكملها.

لا يمكن أن يفترض القادة الأوروبيون الذين اعتادوا على تحقيق رغباتهم في الماضي أنَّهم سيفعلون ذلك في المستقبل، عليهم إظهار بعض التواضع والاستماع إلى الشعب اليوناني الذي دُفِع إلى اتخاذ هذه الخطوة مجهولة العواقب، وعليهم التوصُّل إلى إصلاحات لترميم العملة الموحدة المتداعية من أساسها. سوف يعني ذلك مع الوقت تدعيم الدمج النقدي مع المشاركة الأكبر في السيادة. يعني ذلك على الفور التحلِّي بالأمانة للاعتراف بأنَّ الديون اليونانية لن تُسدَّد بأكملها، والاستعداد للتفاوض من أجل الوصول لشيءٍ أكثر واقعيةً.

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد