كتبت ميج سيليج، المؤلّفة والمختصة الاستشارية، تدوينةً لموقع «سايكولوجي توداي» تُبيّن فيها منافع التفكير السلبي وضرورة وجوده في حياتك الشخصية، وهي بذلك تأخذ اتجاهًا مختلفًا عن أغلب المقالات النفسية المشجّعة على التفكير الإيجابي حصريًّا.

في مديح التفكير السلبي

قد تفاجئ فكرة وجود فوائد للتفكير السلبي البعض، أليس كل ما كنا نسمعه طوال حياتنا هو التوجيه للتركيز على الإيجابيات؟ بالتأكيد، وهو الأمر اللازم ما أمكن فعله. تتنوع المشاعر الإيجابية من الامتنان والطيبة إلى الحب والرضى، وتخلّف وراءها منافع كثيرة بما في ذلك تحسّن في الصحة الجسدية والعقلية والنفسية، وعلاقات أمتن وتعمير وإبداع أفضل، بل وحتى جهاز مناعةٍ أقوى. كل هذا ليس إلا غيض من فيض المنافع والنتائج الجيدة التي تتبع العواطف والمواقف الإيجابية مما دُرِس وبُرهن عنه خلال عقودٍ من البحوث.

من الجميل امتلاء القلب بالفرح والسعادة ولا بدّ، لكنّ –تقول الكاتبة- يبدو أن البعض فقدوا غريزتهم المتوجهة للحفاظ على النفس والحرص على البقاء على قيد الحياة. تذكر الكاتبة هنا أمثلةً منها الرجل الذي يدخل شارعًا جديدًا وهو منهمك بالمراسلة على هاتفه، أو المرأة التي تُرسل مدّخراتها المالية إلى رجلٍ محتال يدّعي حبّها، أو الزوجان الشابان اللذان يمارسان الجنس دون اتخاذ إجراءات الوقاية. تتساءل الكاتبة: أين «التحيز السلبي» الشهير إذن في مثل هذه المواقف؟

Embed from Getty Images

قد لا تكون الإيجابية والتفاؤل والثقة التامة بالحياة الموقف المثالي دائمًا، ولذا تشرح الكاتبة في هذه المادة الفوائد الرئيسية للتفكير السلبي وهدف امتلاكنا لهذا التفكير المتمثل بالتعامل مع الحياة بصورةٍ أكثر إيجابية بالنتيجة –رغم المفارقة الواضحة-

لا تقصد الكاتبة بالتفكير السلبي «السلبية»، إذ تنطوي الأخيرة على اتّخاذ موقفٍ اعتيادي متركز على مشاعر الغضب أو السخرية أو العجز أو الحزن، ويكون ذلك سلوكًا مكررًا في العادة. تتحدث الكاتبة عن شيءٍ نقيض لذلك، فهي تقصد بـ«التفكير السلبي» في هذه المدوّنة القدرة على رؤية الجانب المظلم الممكن في الأشخاص أو الأفكار أو الأماكن أو الأشياء، قدرة تفيد في توقع هذا الجانب والاستجابة له على نحوٍ واقعيّ وكافٍ لتوفير الحماية الذاتية.

الإيجابيات التسعة للتفكير السلبي

ستغدو الحياة موضوعًا حزينًا إذا تصدّينا لها طوال الوقت بملاحظة العيوب والسلّبيات وترصدهم، لكن بعض التفكير السلبي أيضًا أداة لا تقدّر بثمن في سبيل المحافظة على الذات والازدهار في الحياة. أدناه قائمة ببعضٍ من أهم فضائل وفوائد التفكير السلبي في بعض الأحيان:

1- قد ينقذ التفكير السلبي الحياة

تذكّر الكاتبة بأمثلةٍ مألوفة منها مثلًا المرأة التي تترك سيارتها أبوابها مقفولة والمحرّك يعمل لأنها ستأخذ شيئًا سريعًا من المتجر «سيستغرق الأمر مني دقيقة لا أكثر»، وطفلها في مقعد السيارة الخلفي جالس هناك، أو الرجل الذي يغادر منزله من غير أن يقفله لأنه سيشتري شيئًا عاجلًا من الصيدلية قائلًا في نفسه: «لا حاجة للإقفال، أنا أعيش في حيّ آمن ومشواري سريع».

ليست مجتمعاتنا مثالية مع الأسف، وحاجتنا الدائمة للتفكير في سلامتنا الشخصية أمرٌ معيب ومخجل. لكن هذا الواقع، كلنا قد نتخلّى عن توخّي الحذر في نقطةٍ ما من حياتنا وليس من السهل البقاء متحفّزًا طوال الوقت. تذكّر الكاتبة: إذا كان التفكير السلبي ضمن أدواتك بدلًا من التهاون والتمنّي فحسب، يرجّح أن تبقى متيقظًّا للمخاطر المحتملة. بالنهاية: لن تستمتع بثمار الحياة الإيجابية إذا لم تكن موجودًا عل قيد الحياة.

2- يساعدك التفكير السلبي على تصور الأسوأ ومنعه إن إمكن

تعرّج الكاتبة على أمثلةٍ من القصص الإخبارية الأخيرة المنشورة في وسائل الإعلام: سياحٌ يتجولون في جزيرةٍ رغم أصوات دويّ البركان النشط. قارب يخرج للبحيرة رغم التحذيرات بعاصفةٍ مقبلة، والركاب لا يرتدون أيّ سترات نجاة. طيّارون يقودون نوعًا جديدًا من الطائرات رغم عدم تلقيهم لتدريبات السلامة المناسبة.

كل تلك العناوين أمور حقيقية حصلت مؤخرًا وانتهت بحوادث مروّعة، ليس توقّع الحوادث أمرًا واضحًا بهذه الصورة دائمًا ولكن التفكير السلبي يمنع من العواقب الوخيمة، أو يخفّف آثارها على الأقل في الحالات المماثلة للقصص المذكورة أعلاه. باختصار: تدّرب على التفكير في أسوأ سيناريو لتجنّبه.

Embed from Getty Images

3- وضع الحدود

يساعدك التفكير السلبي على فرض الحدود اللازمة، فكر بشخصٍ تعرّفت عليه حديثًا يقول لك: «أملت لقاء شخص مثلك الليلة! ما رأيك بأن نعود سوية إلى منزلي؟».. أترى؟ هذا عرضٌ محفوف بالمخاطر، فكّر مستخدمًا حذرك الداخليّ قبل اتخاذ أيّ قرار. ربما يكون هذا الصديق الجديد قاتلًا متسلسلًا، ربما لا.. ولكن من يدري؟ تذكر رقم 1: «التفكير السلبي قد ينقذ حياتك».

إذا واجهتَ موقفًا لم يبد لك ملائمًا أو طلبًا غير معقول أو خطير أو به نوع من انتهاك الخصوصية، اعتمد الردود الحاسمة الراسخة، ومن ذلك تذكر الكاتبة عبارتيّ: «لا، لستُ مرتاحًا للأمر» أو «سأفكر بالأمر»، وبالطبع في حال تعرضت لموقفٍ خطر اتصل بالشرطة أو رقم الطوارئ في بلدك فورًا.

تدّرب على التفكير في أسوأ سيناريو لتجنّبه.

4- يوفّر مالك ووقتك

يعتني التفكير السلبي بك في المواقف التي تنطوي على خداعٍ أو مضيعة للوقت، ومن ذلك جائزة اليانصيب مثلًا والتي يصعب جدًا أن تكون من نصيبك. لا يشتري المتشائمون أوراق اليانصيب، وهم يوفّرون على أنفسهم الوقت والترقب وضياع المال.

قد تكون بعض الأنشطة ترفيهية وممتعة للبعض، ولا ضرر ببعض المسابقات وألعاب الحظ ضمن نطاق الهواية المحدودة، لكن على معظمنا توخّي الحذر تجاه مختلف أنواع الأنشطة ذات العائد المنخفض (أيّ نشاط لا يضيف معنى لحياتنا).

5- يساعد على تجنّب المحتالين والمجرمين

قد يرقى بعض المجرمين والمحتالين إلى مرتبة «السايكوباث» ممن يفتقرون إلى الرحمة والأخلاق، وينصبّ هدفهم في خداع الآخرين وربما إيذائهم. يتّصف هؤلاء عادة بالذكاء الفائق في مهارة التلاعب بالناس للحصول على ما يريدونه، وهو أمر نطوّر مناعة تجاهه مع الزمن. لا أحد عصيّ على الخداع تمامًا، ولكن التفكير السلبي والتحلّي بالشك هما أوّل أدواتك نحو اكتشاف أمرهم.

هل أتتك رسالة بريد إلكتروني مشبوهة بعبارات غريبة وأسلوب لغوي ركيك ومليء بالأخطاء الإملائية؟ احذفها. مكالمة هاتفية دون اسم معرّف؟ لا تجب. اتّبع حدسك السلبي في هذه المواقف.

Embed from Getty Images

6- يُبطّئ من اتخاذ القرارات

يدفعك التفكير السلبي للتمهل في اتخاذ قراراتك وحسم أمرك تجاه الأمر، وهو ما يوصل للخيارات المدروسة بصورةٍ أفضل. رُوج للسجائر الإلكترونية مثلا بأنها الحلّ الأفضل لتقليل الأضرار الصحية على البالغين ممن يريدون الإقلاع عن التدخين، أو هكذا كانت الدعاية لها في البداية. أدمن عددٌ كبير من الأشخاص السجائر الإلكترونية الآن، وبدأت تظهر حالات وفيات وإصابات بأمراض الرئة في الولايات المتحدة الأمريكية بسبب تدخين هذا النوع من السجائر. وفضلًا عن ذلك، يحتمل أن يتسبب النيكوتين في السجائر الإلكترونية بضررٍ طويل الأمد على أدمغة المراهقين التي ما تزال في طور النموّ. لهذه الحالات ومثلها، استخدم تفكير السلبي دائمًا واعتمد شعار: «حين تشعر بالارتياب، انتظر!».

Embed from Getty Images

7- يُضفي نظرة واقعية لنفسك وللآخرين

تؤكد الكاتبة أن التفكير السلبي يساعدك على النظر بصورةٍ أكثر واقعية إلى نفسك والآخرين على حدّ سواء، فالإصرار على المهنة المحببة أو المسارات الحياتية التي تفضّلها هو أمر جيد طالما ضمن نطاق التحقيق. في بعض الأحيان، من المنطقي التخلّي عن الطموحات أو الآمال غير الواقعية لتضع طاقتك في مسعى أنفع وأنسب.

ضمن هذا السياق، تذكر الكاتبة نصيحة المدوّن والطبيب النفسي المشهور غاي ونش –وهو مؤلف كتاب: كيف تُعالج قلبًا مكسورًا- وهي نصيحة موجهة خصيصًا لمن يعانون من فقدانِ حبيبٍ سابق ولا يقدرون على التوقّف عن الهوسِ به: اكتب قائمةً بصفات ذلك الشخص السلبية. أبقها في هاتفك وطالعها بصورة دورية، سيبدأ قلبك بالشفاء.

8- يمنحك شكًّا صحيًّا تجاه رموز السلطة

يترافق التفكير السلبي جنبًا إلى جنب مع التفكير النقدي أحيانًا، وهي ميزة مهمة للغاية في مواجهة الشخصيات الممثلة للسلطة والتعامل معها. التفكير النقدي يقلّل من احتمالية تقبل الادّعاءات الكاذبة أو المزيفة، أو من قبول الأعذار، أو تصديق الخرافات. وتقتبس الكاتبة قول ألبرت آينشتاين: «الإيمان الأعمى بالسلطة أكبر عدوّ للحقيقة».

9- يساعدك على ملاحظة الخطأ والظلم

يفيد التفكير السلبي في مجال ملاحظة الظلم والتحفيز على إجراء التغيير بشأنه، إذا لم تتمكن من رؤية الخطأ فلن تقدر على تصحيحه. الغضب والانزعاج والحزن كلها مؤشرات مفيدة على أن شيئًا ما يحتاج للتغير في حياتك أو في العالم.

«الإيمان الأعمى بالسلطة أكبر عدوّ للحقيقة».

تحقيق التوازن

تختم الكاتبة ملخّصة كل ما سبق: فكر في استخدام قوة التفكير السلبي في حياتك، فهذا النوع من التفكير يساعدك على حماية حياتك وصحتك من خلال توفير الوقت والمتاعب والمال عبر فرز الأشخاص الجيدين في حياتك من الآخرين المؤذيين أو من يحاولون الاستفادة من تعاملك الطيب. تلوّن العواطف الإيجابية حيواتنا مثل الامتنان والسعادة والحب وتجعل أوقاتنا تستحق العيش، لكن رشّة تفكير سلبي في أدواتك العقلية قد تساعد في إتمام أسلوب حياتك المتوازن. أبرز التفكير الإيجابي، ولا تقصي السلبي.

منوعات

منذ 6 شهور
وحش التفكير الزائد يطاردك؟ 8 خطوات بسيطة قد تساعدك في الهروب منه

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد