قالت كاثي أوتن في مقال لها في مجلة «فورين بوليسي»: إن النساء العراقيات اليزيديات اللاتي تعرضن للاغتصاب من قبل مقاتلي «تنظيم الدولة الإسلامية (داعش)» يعانين الأمرين هنَّ وأطفال هؤلاء المقاتلين.

وأوضحت أوتن أن هزيمة (داعش) في العراق سببت حالة من الانقسام بين أبناء الطائفة اليزيدية. إذ أعلن المجلس الروحي للجماعة، أعلى سلطة دينية لليزيدين، يوم السبت أن الأطفال المولودين لنساء وفتيات تعرضن للاغتصاب من قبل (داعش) لن يتم قبولهم في المجتمع؛ مما يترك العشرات من النساء اليزيديات وأطفالهن عالقين في شرق سوريا.

في 24 أبريل (نيسان)، أصدر المجلس الروحاني اليزيدي مرسومًا تم تفسيره على نطاق واسع على أنه دعوة للترحيب بالنساء اليزيدات والأطفال الذين أنجبتهم بعد اختطافهن واغتصابهن من قبل (داعش). ولكن بعد ثلاثة أيام، وبعد رد فعل غاضب من بعض اليزيديين، تراجع المجلس، قائلًا: «لم نكن نعني الأطفال المولودين نتيجة للاغتصاب على الإطلاق، بل أولئك الذين وُلدوا من أبوين يزيديين وخطفوا خلال غزو سنجار في 3 أغسطس (آب) 2014». وقد أثار القرار سؤالًا محيرًا: من هو اليزيدي؟ تتساءل أوتن.

«واشنطن بوست»: ترامب رفض قرارًا بتجريم العنف الجنسي في الحروب! ما القصة؟

جذور الانقسام

تقول أوتن: إن الفجوة بين اليزيديين المحافظين والحداثيين قد كبرت منذ عدة سنوات، مدفوعة بأفراد من الشتات الذين يعارضون القيود المفروضة على الزواج من الطوائف الدينية اليزيدية الثلاث أو من ديانة أخرى. فهم يخشون أن يموت الدين إذا لم يتكيف. إذ يرغب الحداثيون في التخلص من المراسيم القديمة التي تقول: «إن اليزيدي يجب أن يكون لديه والدان يزيديان».

فقد ساعدت هذه القواعد في ضمان استمرار العقيدة التوحيدية القديمة، التي تضم أقل من مليون من الأتباع، على الرغم من الاعتداءات المنتظمة والضغط من قبل الحكام المسلمين على أراضي اليزيديين. فالنساء اللائي تزوجن أو مارسن الجنس مع الغرباء – حتى تحت الإكراه – طُردن من المجتمع.

واليوم، لا يزال نفوذ المجلس الأعلى قويًا، لكن بعض العائلات انتهكت القواعد ورحبت ببناتها المفقودات وأحفادها الجدد بعد تحريرهم من خاطفيهم. وقال جان كيزيلهان، أستاذ ورئيس قسم علم النفس في معهد العلاج النفسي والصدمات النفسية في جامعة دهوك في إقليم كردستان العراق: «علينا مواصلة هذا النضال من أجل النساء والأطفال، على الرغم من ما قرره المجلس؛ لأنه ليس من حق المجلس تقرير كرامة هؤلاء النساء والأطفال».

ما تزال هناك أكثر من 50 امرأة وطفل يزيدي في المخيمات في شرق سوريا – تكشف أوتن. وبعض هؤلاء الأطفال هم نتيجة للاغتصاب على أيدي مقاتلي داعش. وتبحث المنظمات الحقوقية عن حلول لإبقاء الأمهات والأطفال معًا، بما في ذلك إيجاد مساكن آمنة للنساء أو إرسالهن إلى الخارج.

أطفال يزيديين في مدرسة في مخيم بمحافظة دهوك

في عام 2014 استولى تنظيم داعش على مدينة سنجار وقتل الآلاف من الرجال اليزيديين الذين رفضوا اعتناق الإسلام. واختطف مقاتلوه أكثر من 6 آلاف سيدة وطفل من اليزيديين. وباعوهم في أسواق العبيد، واغتصبوا وعذبوا النساء بشكل منهجي أثناء احتجازهن في ظروف لا تليق إلا بالحيوانات في جميع أنحاء العراق وسوريا. بينما أرسل الصبية الصغار إلى معسكرات التدريب. وعلى الرغم من محاولات الإنقاذ التي قام بها مهربون من السوق السوداء، فلم تكن هناك محاولات رسمية لإعادة النساء إلى بيوتهن.

في أواخر صيف عام 2014، فرت بعض النساء اليزيديات من (داعش). فأصبح من الواضح ضرورة إدخال تغييرات على العقيدة اليزيدية ستكون ضرورية للسماح لهم بإعادة الاندماج. وفقًا للعقيدة اليزيدية – تنوه أوتن – إذا تزوج أي شخص أو مارس الجنس مع غير اليزيديين يجري طرده. أصدر بابا شيخ، وهو عضو بارز في المجلس الروحي، مرسومًا في ذلك الوقت قال فيه إنه ينبغي الترحيب بالناجيات من جديد؛ لأنهن تعرضن للاغتصاب بخلاف إرادتهن. خفف المرسوم من التحدي الهائل المتمثل في إعادة الإدماج، لكن وصمة العار ما زالت تطارد العائدات.

رفض مجتمعي لأبناء «داعش» اليزيديين

ويعتقد المحافظون اليزيديون أن قبول هؤلاء الأطفال سيلوث نقاء الدم اليزيدي. فهم ينظرون إليهم باعتبارهم تجسيدًا لجرائم آبائهم. كتب رجل يزيدي على «فيسبوك»: «دماء هؤلاء الأطفال ليست نقيًة ويجب عدم خلطهم بدم اليزيديين». بينما كتب آخر فقد 23 من أفراد عائلته في هجوم عام 2014، «نحن كعائلات الضحايا يحق لنا اتخاذ قرار بعدم الترحيب بهؤلاء الأطفال».

صرح أحمد برجوس، نائب المدير التنفيذي للمنظمة اليزيدية لحقوق الإنسان، لفورين بوليسي قائلًا: إن بعض اليزيديين لا يستطيعون نسيان حزنهم على أحبائهم القتلى ومنازلهم وأراضيهم المدمرة بقبول أطفال (داعش).

وقال: «إنهم لا يتقبلون ابن شخص قام بأذيتهم. فكيف يمكنهم رؤية هذا الطفل أمامهم وهم يعرفون أن والده قتل أبناءهم وأحباءهم؟»

ومع ذلك، قال بعض اليزيديين والناشطين الذين لم يرغبوا في ذكر أسمائهم ويعيشون في معسكرات في شمال العراق إن اختيار إعادة الأطفال إلى ديارهم يجب أن يكون للنساء وحدهن وأن هذا حق إنساني يجب على الجميع احترامه. وأضاف برجوس «من حقهن إعادة الأطفال إلى ديارهن، ولا ينبغي أن يكون لأي شخص في المجتمع اليزيدي أو خارجه الحق في أن يقرر نيابةً عنهن».

لكن أوتن تكشف أن ليس كل الناجين من الاختطاف يوافقون على ذلك. إذ قال أسير سابق لدى (داعش)، الذي تم بيعه مرتين أثناء وجوده في الأسر ولا يزال منفصلًا عن اثنين من أطفاله المراهقين، «لماذا نقبل الأطفال من أولئك الذين اختطفونا وآذونا؟ لقد اختطفوا النساء والفتيات اليزيديات، لذا يجب ألا نقبلهم».

نساء يزيدات يحملن صور أحبائهن الذين قتلهم داعش في الذكرى الرابعة للمذبحة

تحديات قانونية

يطرح القانون العراقي أيضًا تحديات لإعادة دمج الأطفال في المجتمع. فبموجب قانون بطاقة الهوية الوطنية لعام 2015، الذي يعارضه المسيحيون في البلاد وغيرهم من الأقليات، يُعتبر الطفل مسلمًا إذا كان أحد الوالدين كذلك. ولا توجد استثناءات للأطفال المولودين من الاغتصاب.

وقد عبر اليزيديون عن مخاوفهم من أن أطفال (داعش)، بوصفهم مسلمين بموجب القانون العراقي، قد يحاولون تحويل اليزيديين الآخرين إلى الإسلام عندما يكبرون. إن ما قد يبدو من الخارج مثل جنون العظمة يرتكز على قرون من الإكراه على التحول إلى الإسلام، والتهميش السياسي من قبل الدولة.

وتؤكد أوتن أنه من الصعب الحصول على أرقام دقيقة لهؤلاء الأطفال، لكن عدد الحالات كان ينمو باطراد مع ظهور المزيد من النساء بعد خمس سنوات من الأسر. لم تلد جميع النساء المختطفات: فقد تم إعطاء بعضهن موانع حمل أو إجهاضهن بعد هروبهن. في حين تركت بعضهن الأطفال مع عائلات في أراضي داعش أو سلموهم إلى دور الأيتام.

لا يزال أكثر من ألف طفل يزيدي مفقودين بعد هزيمة (داعش). تم انتزاع بعضهم عنوة من والديهم، وأُرسلوا إلى معسكرات التدريب، أو بيعوا، أو ربما حصلوا على هويات جديدة ونسوا أسرهم وأسماءهم.

من بين اليزيديين البالغ عددهم 3 آلاف تقريبًا الذين ما زالوا في عداد المفقودين بعد هجمات عام 2014، من المحتمل أن يكون بعضهم قد ماتوا، في حين أن البعض الآخر منتشر في جميع أنحاء العراق وسوريا وتركيا ودول أخرى. نقص التعليم يعني أن النساء والفتيات اليزيديات ربما يظلن محاصرين مع عائلات (داعش) وهن غير قادرات على استخدام الهواتف أو الإنترنت لإجراء اتصالات مع الأقارب والترتيب للعودة إلى الوطن.

وقال برجوس: «إن طريقة العثور عليهم هي الضغط على قادة (داعش) الذين أسرتهم قوات الأمن في سوريا لمعرفة أماكنهم. لقد تم بيع اليزيديين واستعبادهم بطريقة منهجية، وهذه الخطة موجودة في أجهزة الكمبيوتر في مناطق (داعش) السابقة. فهؤلاء القادة يعرفون أين هم».

تعتقد المنظمات غير الحكومية والخبراء الطبيون أن المكان الأكثر أمانًا للنساء الناجيات وأطفالهن قد يكون خارج البلاد – تشدد أوتن – على الأقل في المدى القصير. كما يواجه الناجون من اليزيديين العائدين إلى العراق كابوس النزوح المستمر وانعدام العدالة بعد انتهاء الصراع فيما يتعلق بجرائم (داعش) أو المصالحة مع المجتمعات الإسلامية السنية المجاورة.

لا تزال سنجار مدمرة؛ فقد دمر تنظيم (داعش) مواقعها المقدسة، ومقابرها الجماعية مملوءة بجثث اليزيدين، والعديد من مبانيها تعرضت لضربات جوية من قبل التحالف. بينما تعيث الميليشيات المتنافسة فسادًا في المدينة. تقول إحدى المنظمات إن أكثر من 100 ألف من اليزيديين قد فروا من العراق منذ عام 2014، وانضموا إلى 250 ألف آخرين كانوا قد فروا منذ الغزو الأمريكي عام 2003، ليتقلص حجم المجتمع اليزيدي بأكثر من نصف حجمه السابق.

قالت الناجية اليزيدية والحائزة على جائزة نوبل نادية مراد في فيديو نُشر على «فيسبوك»: «هذه مشكلة صعبة للغاية. ما حدث لهن من خطف واغتصاب كان ضد إرادتهن. وفي رأيي، القرار بيد أمهات هؤلاء الأطفال فقط».

الاغتصاب «كسلاح» في حروب العصر الحديث

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد