خصصت «الجارديان» تقريرًا مطولاً تناول مشكلة الأرق، في ضوء ظهور أسلوب علاجي جديد في المملكة المتحدة حاز نجاحًا وشكل بارقة أمل للكثير من المصابين بهذا الداء.

يقول التقرير إننا نعيش في عصر ذهبي للأرق. طنين عواميد الإضاءة الليلة، وثرثرة نشرات الأخبار المستمرة على مدار الساعة، وشلال مدخلات الشبكات الاجتماعية، كل ذلك قد بنى عالمًا معاديًا للنوم. لم يعد لليل حدود واضحة تفصله عن النهار. ولم تعد غرفة النوم ملاذًا من المكتب. لقد انهارت الجدران الفعلية والنفسية التي كانت في وقت مضى تصد مد العمل والتفاعلات الاجتماعية. والأمر، كما يصيغه الكاتب جوناثان كريري، أنَّ الأرق عرض حتمي لعصر نشَجّع فيه على أن نكون مستهلكين بلا توقف، ومنتجين بلا توقف.

النوم والصحة.. عادات النوم السيئة قد تسبب أمراضًا خطيرة

قد يشعر المصاب بالأرق أنه أكثر أهل الأرض وحدة، لكنَّ عددًا يقدر بثلث البالغين البريطانيين يعانون من الأرق المزمن، وهو ما يعرّف بوجود فرص ملائمة للنوم، مع غياب القدرة عليه، لفترة لا تقل عن ستة أشهر. وقد تكون آثار الأرق مدمرة. إذ زعم تقرير أصدره مركز السيطرة على الأمراض والوقاية منها عام 2016، أنَّ الأرق يزيد من مخاطر الإصابة بالأزمات القلبية، والسرطان، والسمنة المفرطة. كما أنَّ المصابين بالأرق أكثر عرضة بكثير ممن ينامون نومًا طبيعيًا للإصابة بالاكتئاب المزمن، فضلاً عن ارتباط الأرق بجميع الحالات النفسية الرئيسية.

يخشى بعض المصابين بالأرق أنَّ مشكلتهم لا علاج لها، أو أنَّ الأطباء لن يأخذوهم على محمل الجد، وبالتالي لا يطلبون المشورة الطبية قط. وفي بلد مثل بريطانيا حيث يتردد الأطباء في وصف العقاقير المنومة لفترة تزيد عن أسبوع، فمن يمكنه لوم المصابين بالأرق؟ ومع قلة الخيارات المتاحة أمام الأطباء، فإنهم يلجؤون للكليشيهات: (خذ حمامًا دافئًا قبل النوم. كل موزة. أغلق هاتفك. اقرأ كتابًا. مارس الاستمناء… إلخ). عادة ما يكون لهذه النصائح أصل في العلم أو المنطق، لكن عندما يكون المصاب بالأرق قد جربها جميعًا (أحيانًا في الوقت ذاته) فماذا يفعل أكثر من ذلك؟

لكنَّ ثمة عيادة في لندن قد حققت نتائج ملحوظة. إذ أحدثت عيادة الأرق في بلومزبيري، التي أنشأها الطبيب النفسي الجنوب أفريقي هوج سلسيك، ثورة في علاج الأرق في المملكة المتحدة، وهي أول منشأة مخصصة لعلاج الأرق فحسب، ومر عليها أكثر من ألف مريض بمعدل تزايد إلى أن وصل إلى 120 حالة جديدة شهريًا. وبحسب أرقام العيادة فإنَّ 80٪ من المرضى أظهروا تحسنًا كبيرًا، بينما زعم حوالي نصف المرضى أنهم شفوا شفاءً تامًا. وقد أكسب هذا النجاح العيادة سمعة تحسد عليها، وقائمة انتظار طويلة، إذ قد ينتظر المرضى لسنتين قبل الحصول على استشارة.

في القلب من منهج سلسيك يكمن تأكيد ثوري أدى إلى نهج جديد في العلاج، يختلف كل الاختلاف عن حكايات العجائز التي ألف سماعها كل مريض بالأرق، في غياب حل طبي متماسك. إذ كان الأرق يعالج، لو عولج من الأساس، بصفته عرضًا لمرض آخر. لكنَّ سلسيك يقول إنَّ الأرق ليس مجرد عرض، وإنما هو مرض منفصل. ما تزال هذه الرؤية غير شائعة. لكن بالنسبة لمرضى سلسيك فهذا النهج قد فعل أكثر من مجرد إصلاح خطأ في التصنيف. لقد أعطاهم فاعلية غيرت حياتهم، وطريقًا يخرجهم من العجز. أعطاهم طريقة للنوم.

معاناة لا سبيل لشرحها

حكى كاتب التقرير معاناته مع الأرق فقال: أصبحت أكره غرفة نومي. ما كان ينبغي أن يكون مكانًا للراحة أصبح ساحة معركة نفسية. منذ أن أصبحت في الـ18من عمري، وعملية الانجراف في النوم ما تنفك تزداد صعوبة. إنَّ أصوات القرقعة والصرير في المنزل تكفي لسحب عقلي المنهك من دخوله البطيء في النوم. ويكفي صوت شاحنة أو مواء ليجعلني أتقلب في سريري حتى الثالثة صباحًا. وتزداد كثافة المشاعر تحت الأضواء المزعجة للمنبه، فتكون أدنى حركة لشريك الفراش كافية لإيقاظ الغضب إذ تدفعني مرة أخرى لحالة من اليقظة المتذبذبة. تتمثل المفارقة المثيرة لغضب المؤرقين في التالي: كلما حاولت النوم، زاد فشلك في ذلك. وكذا فإنني أرقد في السرير، متقلبًا بين الغضب والفزع، متأملاً في الطرق العديدة التي سوف يفسد بها اليوم التالي.

Embed from Getty Images

من المحال شرح شعور عدم النوم لمن ينام نومًا طبيعيًا. كان على تشاك بولانيك، الذي ألهمه الأرق بكتابة روايته «نادي القتال» (Fight Club)، أن يتخيل الدخول في مشاجرات وخسارتها لكي ينجرف إلى النوم. على مر السنين، طورت شعائر وتعويذات: طرح هاتفي في غرفة منفصلة، والدش الساخن، وطاقية النوم موزية الشكل. ومع نمو الخوف من الأرق على مر الأسابيع والشهور، فإنَّ سلوكيات شبه خرافية تصبح راسخة. هذه السلوكيات الغريبة ربما كانت عاملاً جعل باقي البشر ينظرون إلى الأرق باستخفاف. وإلى جانب شعور المصاب بالأرق بالازدراء، فإنه يطور شعورًا بالعار. فالنوم أكثر الأشياء طبيعية في العالم، والفشل في نوم يجعل من يعاني منه غير طبيعي إلى حد ما. وكذا فقد ذهبت لرؤية عميد مصابي الأرق.

يقدر سلسيك، وإن لم يكن متأكدًا من ذلك، أنه قد رأى مصابين بالأرق أكثر من أي شخص آخر في بريطانيا. ومع ذلك، فعندما يدلف إلى غرفة الانتظار في عيادته لا يعرف أي وجه من وجوه المنتظرين وجه مريض. ذلك أنَّ معظم المصابين بالأرق لفترات طويلة لا يظهرون أيًا من العلامات البدنية الواضحة للإرهاق. فالأرق معاناة خاصة مخفية.

نهج جديد

يولي سلسيك أهمية قصوى لهذا اللقاء الأول مع المريض الجديد، إذ يعرف أنه ربما كان يعاني الأرق منذ عقود وهي فترة لا بد أنه رأى فيها أطباء العائلة، الذين نصحوه مرارًا وتكرارًا بنوع النصائح التي تعطى إلى طفل غاضب: خذ حمامًا دافئًا أو كوبًا من الحليب قبل النوم. وكذا فإنَّ الهدف الرئيسي لسلسيك، عندما يجلس مع المريض للمرة الأولى، أن يدعه يعرف أنَّ شخصًا ما سوف يتعامل معه بجدية، ربما للمرة الأولى في حياة المريض.

صمم سلسيك برنامجًا يمتد لخمسة أسابيع يجمع بين العلاج السلوكي المعرفي، المصمم لكسر الارتباطات السلبية للمريض مع غرفة نومه وسائر عملية الانجراف في النوم، وشيء يسميه سلسيك «تدريب على كفاءة النوم»، وهو تخفيض مقدر للوقت الذي يقضيه المريض في الفراش. يسافر المرضى من سائر أنحاء البلاد للزيارة، ويزور حوالي 80 مريضًا الفصول الجماعية الأسبوعية للعيادة.

لكن كيف يعالج مركز في وسط لندن، بنجاح، مرضًا، فشل الطب لعقود في علاجه بشكل ملائم؟ يبدو الجواب كامنًا في اعتقاد سلسيك أنَّ الأرق ليس مجرد عرض لمرض آخر أخطر شأنًا. كان الأطباء، لعقود، يعالجون المرض الأساسي – السكري، أو أمراض القلب، أو مشكلات التنفس – متوقعين أنَّ علاج هذا المرض الأساسي سوف يساعد المريض على النوم. وعادة ما يفشل هذا النهج، لأنَّ الأرق، بحسب إحدى الدراسات، يستمر بفضل «السلوكيات والمعتقدات والارتباطات التي يتبناها المرضى في محاولتهم التكيف مع نومهم السيء، لكن ينتهي بهم المطاف وقد حصلوا على نتائج عكسية».

لكنَّ سلسيك يعتقد أنَّ معاملة الأرق على أنه اضطراب نفسي، ذو درجات متفاوتة من الشدة تتراوح من المعتدل إلى المزمن، هو السبيل الوحيد لتبدأ الخدمة الصحية في التطور ووصف العلاجات الملائمة. هذا الموقف الرائد ليس مدفوعًا بالفضول العلمي فحسب، وإنما بالخبرة الشخصية أيضًا، ذلك أنَّ سلسيك يعرف حق المعرفة الآثار المدمرة للأرق.

معاناة شخصية

أصيب سلسيك بالأرق عام 1993، عندما كان بعمر التاسعة عشرة، حين كان يقيم في إحدى الكيبوتس في الصحراء في إسرائيل. لم تكن الحرارة وحدها هي ما سبب له الأرق، وإنما الروتين الدائر حول الحر. فبسبب درجات الحرارة التي تصل إلى 40 درجة، عادة ينام سكان الصحراء من 11 مساء إلى الثالثة صباحًا، وحينها يبدؤون العمل إذ يكون الجو باردًا بما يكفي. وفي وقت الغداء، عندما تكون الحرارة في أقصى درجاتها، يأخذون قيلولة. كانت هذه عادة قاومها عقل سلسيك. كان يستلقي مستيقظًا في أوقات الظهيرة شاعرًا بالإنهاك.

Embed from Getty Images

وعندما عاد سلسيك إلى جنوب أفريقيا لبدء عامه الجامعي، في دراسة الطب بجوهانسبرج، استمر معه الأرق وزاد حدة. قال سلسيك لي: «من شبه المحال وصف ما يعنيه الأمر لشخص لم يجربه». وفي إحدى الأيام رأى سلسيك إعلانًا على الجدار يطلب متطوعين لدراسة عن النوم، فسجل اسمه آملاً أن يكتشف ما الذي يحدث له.

كانت الدراسة تأمل معرفة أي تأثير لعدد السعرات الحرارية التي يأخذها شخص ما، على قدرة هذا الشخص على النوم، لو كان ثمة علاقة بين هذين الأمرين. لكن اتضح أنه لا علاقة. وبإلهام من الأساتذة الذين أجروا هذه التجربة، بدأ سلسيك دراساته العليا في علم وظائف الأعضاء، واستقر في عيادة للنوم، حيث أجرى بحثًا عن أثر التدفئة المركزية على أنماط النوم. (درجة الحرارة المثالية للنوم 18 درجة مئوية. وهذا أحد أسباب تأثير الأرق على عدد كبير من الناس في دور رعاية المسنين، حيث تصعب التدفئة الدائمة من مهمة الجسد في التبرد استعدادًا للنوم).

في ذلك الوقت كان استخدام العلاج النفسي لعلاج الأرق في مراحله المبكرة. وعندما ذهب سلسيك إلى لندن في أواخر التسعينيات ليعمل طبيبًا متدربًا بالكلية الملكية للأطباء النفسيين كان أرقه قد اختفى. لكنه كان مندهشًا من غياب الاهتمام في علم النفس بالأرق. قال سلسيك: «في ذلك الوقت لم يكن أحد يعالج الأرق. لم تكن وحدات الصحة العقلية تقبل مرضى الأرق، ولم تكن مراكز اضطرابات النوم تعالج الأرق، ويرجع ذلك لأنها كانت، جزئيًا، تدار من قبل أطباء الجهاز النفسي الذين كانوا يبحثون عن توقف التنفس أثناء النوم، ولم تكن لديهم المهارات ذات الصلة».

قبل سلسيك عرض مشرفته، تشارلوت فينمان، بإنشاء عيادة لعلاج الأرق بالمستشفى، في نوفمبر (تشرين الأول) 2009. في البداية لم تكن لديه أدنى فكرة عما كان يفعله، ولم يعرض أكثر من النصيحة الروتينية المتعلقة بالنوم، مثل تقليل استهلاك الكافايين، وبعض التعديل في جرعات الدواء التي كان المرضى يأخذونها بالفعل. ثم بعد ذلك بشهور قليلة تعرف سلسيك إلى العلاج السلوكي المعرفي. بالنسبة لمن يعانون من الأرق، فإنَّ غرفة النوم مرتبطة بقوة باليقظة إلى درجة أنَّ مجرد الذهاب إلى السرير يوقظ المريض، بالطريقة ذاتها التي تجعلك تشعر بالقلق فور دخولك إلى عيادة طبيب الأسنان. يعمل العلاج السلوكي المعرفي على تغيير هذا الارتباط الأوتوماتيكي، الذي عادة ما يكون لا واعيًا، بين غرفة النوم والأرق، إلى ارتباط بينها وبين النوم. قال سلسيك: «تحسنت النتائج بشكل ضخم فور استعمالنا للعلاج السلوكي المعرفي».

يقدم سلسيك تقييمًا أوليًا لمرضاه في محاولة لاكتشاف سبب الأرق، من بين عدد كبير من الاحتمالات المختلفة. فيبحث عن اضطرابات النوم مثل متلازمة تململ الساقين، التي تصيب 2٪ إلى 10٪ من الناس. ومثل العيادات الأخرى، يبحث سلسيك عن انقطاع النفس النومي والمشكلات التنفسية الأخرى، لكنَّ هذا لا يعدو كونه الخطوة الأولى في العملية. ما إن يتم استبعاد هذه الأسباب المحتملة، يسأل سلسيك قائمة طويلة من الأسئلة بعضها أسئلة عملية («متى تذهب إلى السرير؟» و«كم تستغرق من الوقت للنوم؟») وبعضها أسئلة تقصي («ما الذي كان يحدث في حياتك عندما بدأت معاناتك مع الأرق للمرة الأولى؟»).

من المفترض أن تحدد إجابات المريض نمطًا يمكن أن يؤدي إلى تشخيص. أحيانًا يكون المريض مصابًا بالنوم القهري أو الصرع الليلي أو المشي أثناء النوم، أو أيًا من عشرات الحالات الأخرى التي يمكن أن تؤدي إلى الأرق. وفي حالات أخرى يكون المريض مصابًا بالأرق النفسي.

العلاج السلوكي المعرفي

أصيبت زيهافا هاندلر بالأرق عندما كانت في الثالثة عشرة. والآن، في الأربعين من عمرها، ما تزال هاندلر تعاني من الأرق. تستيقظ في السابعة صباحًا لتوصل أولادها الأربعة إلى المدرسة، ثم تستلقي على السجادة في غرفة نومها، حيث تظل تحملق في السقف حتى منتصف النهار، بينما يخفق قلبها من الإرهاق، لتغادر لأخذ الأطفال من المدرسة. بعد إطعام الأطفال وتحميمهم، تذهب إلى غرفتها وتبقى في السرير 12 ساعة، لتنام حوالي ساعة فحسب قبل الفجر، لتبدأ روتين اليوم التالي من جديد.

Embed from Getty Images

لما بدأت هاندلر في التعرض لفقدان الذاكرة وحدة الطبع زارت طبيبها العام. ودخلت عيادة سلسيك بعد انتظار دام 18 شهرًا. وفي شهر مايو (أيار) 2016 انضمت هاندلر لبرنامج من خمسة أسابيع، مع مرضى قلقين آخرين. تذكر هاندلر أنَّه لا أحد من المرضى الآخرين تكلم، وأنَّ قليلين تواصلوا بالعين. قالت هاندلر: «كان الجميع واعين بأنفسهم. كنا نتساءل: كيف سوف يعمل ذلك البرنامج؟ إلى أي مدى سوف نضطر إلى كشف ذواتنا؟».

وأخبرني سلسيك: «إنَّ أول شيء أفعله في البرنامج هو تبديد الأسطورة القائلة بأنَّ ثمة عددًا محددًا من الساعات ينبغي الحصول عليه. هذه الأسطورة راسخة فينا وكأنها حقيقة دينية أنَّ علينا أن ننام ثماني ساعات ليلاً. وهذا ليس صحيحًا». تمامًا كما أنَّ الناس يختلفون في حجم الأحذية المناسبة لهم، فثمة اختلاف في كمية النوم التي يحتاجها كل فرد. «بعض الناس يحتاجون ست ساعات ونصف، والبعض يحتاجون تسع ساعات ونصف. لا يجعل هذا الاختلاف أيًا منهم غير طبيعي».

ولمعرفة عدد ساعات النوم التي يحتاجها كل فرد، يطلب من كل مريض أن يبدأ مذكرات نوم يسجل فيها وقت ذهابه إلى السرير، ووقف استيقاظه، والوقت الذي يستغرقه للنوم وعدد المرات التي يستيقظ فيها خلال الليل. بعد ذلك يهدم سلسيك فكرة أنَّ ثمة وقتًا ثابتًا للنوم. عادة يذهب المصابون بالأرق إلى السرير في وقت أبكر أو يبقون في السرير لوقت أطول لزيادة فرص نومهم. يبدو هذا المنطق سليمًا، لكنَّ القلق يفاقم من المشكلة. بدلاً من ذلك يُطلب من المرضى تحديد وقت حازم للاستيقاظ. قال سلسيك: «نطلب منهم أن يستيقظوا دومًا في الوقت ذاته كل يوم، بصرف النظر عن عدد الساعات التي قضوها نائمين، وأي وقت ذهبوا إلى السرير، أو ماذا ينبغي عليهم فعله ذلك اليوم».

وينبغي ألا يكون هناك أي قيلولة أبدًا (يقول سليك إنَّ مضغ اللبان يساعد على إبعاد القيلولة). تقضي النظرية بأنك لو استيقظت في الوقت ذاته كل صباح، فإنك سوف تبدأ بالشعور بالنعاس في الوقت ذاته كل ليلة، وبمرور الأسابيع سوف يصبح موعد ذهابك للنوم متسقًا. وقال سلسيك: «نضغط الوقت الذي يقضونه في السرير لكي يصير نومهم أكثر كثافة وإحكامًا» قد يبدأ المريض هدفًا بالنوم لست ساعات. لو كان بحاجة للاستيقاظ في الساعة للعمل، فهذا يعني أنه ممنوع عليه دخول غرفة النوم قبل الواحدة صباحًا.

ما إن يجد المريض أنه صار ينام 90٪ من الوقت الذي يقضيه في الفراش، فإنه يقلل ذلك الوقت بمقدار 15 دقيقة. تسمى هذه التقنية السلوكية بكفاءة النوم، وعلى الرغم من بساطتها، فإنَّ المرضى يبلغون عن نتائج هائلة بعد تطبيقها. ويعمل سلسيك على كسر الارتباطات السلبية لمرضاه مع غرفة النوم. عندما يذهب المريض إلى غرفة النوم فإنَّه يخاف من البقاء في السرير شاعرًا بالإحباط والغضب. وبعد فترة يكون مجرد دخول غرفة النوم كافيًا لإيقاظ المريض بالأرق. تصبح غرفة النوم محفزة لليقظة، وحتى الخوف. ولمواجهة ذلك، يحض سلسيك مرضاه على مغادرة الغرة بعد 15 دقيقة فحسب إذا لم يكونوا قد ناموا بحلول ذلك الوقت. ويمنع ممارسة أي نشاط في غرفة النوم باستثناء النوم وممارسة الجنس. بل يطلب حتى من المرضى تغيير ملابسهم في غرفة أخرى.

المنومات

تظهر الدراسات أنَّ العلاج السلوكي المعرفي هو أكثر العلاجات فعالية على المدى الطويل للأرق. لكن لكي يكون هذا العلاج فعالاً، فلا بد أن يكون للمريض روتين ثابت. أما المرضى الذين يسافرون بانتظام عبر المناطق الزمنية ويكونون غير قادرين على تكوين طقوس ليلية بسبب العمل، فإنَّ خطة سلسيك محالة التنفيذ بالنسبة لهم. لا يريد أولئك المرضى جدولاً زمنيًا وإنما حبوبًا يستطيعون ابتلاعها.

Embed from Getty Images

ويعتقد سلسيك أنَّ المنومات ينبغي أن يصفها الأطباء بشكل أكبر بكثير مما هو عليه الحال الآن. معظم هذا القلق من وصف المنومات مرتبط بالخواص الإدمانية للبينزوديازيبين. وبحسب عالم الأعصاب ماثيو وولكر فإنَّ الأقراص المنومة لا توفر «نومًا طبيعيًا» ويمكن أن «تدمر الصحة» و«تزيد من خطر الإصابة بأمراض تهدد الحياة».

لكنَّ سلسيك يقول إنَّ «العقاقير المنومة، مثلها مثل العقاقير الأخرى، لا تأتي دون مخاطر. لكنَّ الأرق غير المعالج يسبب مخاطر هو الآخر. كان لدي مرضى تدمرت زيجاتهم بسبب الأرق، وفقدوا التواصل مع أطفالهم لأنهم كانوا شديدي التعب إلى درجة عدم القدرة على الاعتناء بأطفالهم بشكل ملائم. ينبغي أن يكون العلاج السلوكي المعرفي أول ملاذ للمريض قبل الدواء. لكنَّ معظم الأماكن في البلاد لا تشتمل على هذا العلاج. وليس كل من يخضع للعلاج السلوكي المعرفي يتحسن».

وقال سلسيك إنَّ الاتساق هو مفتاح الشفاء وإنَّ «العلاج ليس أمرًا بالغ التعقيد. إطلاقًا. إنَّ مهمتنا، بالأساس، بصفتنا معالجين، ليست إخبار الناس بما ينبغي لهم فعله، لأنَّ بإمكاننا أن نخبرهم بذلك في ورقة مكتوبة فحسب. إنَّ وظيفتنا إقناعهم بفعل ذلك الأمر لوقت طويل بما يكفي لنجاح العلاج».

بالنسبة للمرضى الذين أكملوا برنامج سلسيك بنجاح، فإنَّ القدرة على النوم بشكل جيد غيرت حياتهم بدرجة كبيرة. أن ترجع إلى النوم مرة أخرى يشبه إعادة الاتصال بالكون وإيقاعاته. قالت هاندلر: «أنا الآن أسعد. تحسنت علاقاتي، وأصبحت أكثر صبرًا. لم أعد أعيش في حالة من الضبابية الدائمة. أصبحت متاحة».

قالت هاندلر إنَّ ثمة انتكاسات عرضية تحدث عادة بسبب تغيير الروتين، لكنَّ الاستيقاظ في وقت ثابت، وترك غرفة النوم بعد 15 دقيقة لو كانت ما تزال مستيقظة وإعادة تطبيق جميع الطقوس التي تعلمتها في عيادة الأرق يجعلها تعود إلى الروتين في ليالي قليلة فحسب.

كان هذا التأثير تحويليًا بالنسبة لها إلى درجة أنها قررت ترك عملها في مجال السياحة، بدعم من سلسيك، وإعادة التدريب على العمل مستشارة للنوم. لقد كان تعلمها طريقة النوم مرة أخرى مريحًا لها إلى درجة أنها قررت تكريس حياتها لمساعدة الآخرين على فعل الأمر ذاته. تخطط هاندلر لافتتاح عيادتها الخاصة لعلاج الأرق العام المقبل.

8 طرق مثبتة علميًا لتحقيق نوم أفضل 

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد