كانت هناك العديد من التقلبات القاسية للحرب الأهلية في سوريا. ومع ذلك، وبينما مرت الحرب في سوريا بمراحل تحولت فيها من ثورة سلمية إلى ثورة مسلحة يائسة، ومن ثم إلى حمام دم طائفي وأكثر، وفي الآونة الأخيرة، غدت مرتعًا للجهاديين والجهات الفاعلة، لم تكن هناك لحظات حاسمة.

 

لسنوات تم تأمين الصراع في لعبة شطرنج مروعة من الحصار والجمود، مما اضطر مزيدًا من اللاجئين للخروج أكثر من أي وقت مضى، في وقت تدمر فيه الأطراف المقاتلة، والتي لم يهزم أيٌّ منها منافسيه، الأرض السورية.

 

والآن، يدلي الرئيس الروسي فلاديمير بوتين بدلوه في الحرب. فروسيا قامت بنشر قوة ضاربة تصل إلى 2000 من المقاتلين المدعومين بالطائرات، والمدرعات، والاستخبارات. تأتي هذه الخطوة المفاجئة لتعزز بقوة حليف بوتين، النظام السوري الوحشي والمحاصر في سوريا على نحو متزايد.

 

ولكن لا تزال الآلية التي تعتزم روسيا استخدامها بشأن قواتها في سوريا غير واضحة. يمكن للقوة الروسية أن تزيد بل وتعقد من سير العمليات القتالية. أو أنها يمكن أن تمنح الميل الحاسم، عسكريًّا وربما دبلوماسيًّا. ذلك يعتمد على كيف سيلعب بوتين لعبته.

 

تمثل حكومة الرئيس بشار الأسد جانبًا واحدًا فقط في حرب متعددة الأوجه، مع البلاد المقسمة إلى قطاعات يسيطر عليها “تنظيم الدولة الإسلامية” (داعش)، والأكراد السوريون، ومجموعة متنوعة من الميليشيات الإسلامية المناهضة للنظام.

 

ومع ذلك، على الرغم من أن الأسد يسيطر على أقل من ربع الأراضي السورية، والتي لا تزال تحتضن الجزء الأكبر من أعداد السوريين الذين لم يغادروا البلاد بعد، وعلى الرغم من المساعدات السخية من إيران وروسيا، إلا أن النظام السوري يتراجع في الآونة الأخيرة. الجيش السوري، الذي تجاوزت أعداده يومًا ما 250 ألف جندي، تقلصت قواته إلى ما دون 125 ألف جندي مدعومين بالميليشيات المحلية والشيعية “المتطوعين”، بما في ذلك جنود من حزب الله.

 

لم تمنع قوة نيران النظام السوري المتفوقة بالضربات الجوية التي يحتكرها، باستثناء الغارات الجوية التي يشنها التحالف الدولي الذي تقوده الولايات المتحدة، لم تمنع ولكنها أجلت تقدم المتمردين، الذين قد يكونون ضعفاء، ولكنهم يتزايدون بفعل البئر العميق من الكراهية التي يشعر بها كثير من السوريين، وخصوصًا ممن هم من المسلمين السنة، تجاه النظام السوري الذي يهيمن عليه طائفة الأسد من العلويين.

 

تأتي مساعدة روسيا في الوقت المناسب تمامًا. سلاح الجو التابع للسيد الأسد يقصف المناطق التي يسيطر عليها المتمردون بفعالية، وهكذا تضاعفت أعداد اللاجئين. ولكن طائراته ذات الطراز القديم، والتي تقلصت أعدادها، غير قادرة على تقديم الدعم الوثيق في القتال التكتيكي. تتضمن القوات الروسية المنتشرة الآن في القاعدة الجوية الساحلية في معقل العلويين في سوريا 24 طائرة من طائرات الهجوم الأرضي وكذلك طائرات الهليكوبتر، وربما كذلك مروحية كاموف كا-50 المقاتلة الروسية الحديثة.

 

وكانت روسيا قد زودت أيضًا النظام السوري بطائرات استخبارات بدون طيار وأجهزة إشارات. وتشير التقارير إلى احتمالية نشر المزيد من القوات قريبًا، مع صور الأقمار الصناعية التي تظهر توسع العمل في عدة قواعد سورية على طول الساحل، وكذلك في ميناء طرطوس، حيث تحتفظ روسيا بمستودع إمدادات البحرية.

 

على الرغم من أن الطيارين الروس لم يشاركوا في أية مهمات قتالية جوية حتى الآن، إلا أن الطريقة التي تم نشر الدعم العسكري الروسي بها تشير إلى احتمالية حدوث ذلك في وقت قريب. يمنح هذا الدعم المضاف الرئيس الأسد ميزة كبيرة على عدة جبهات للقتال. في سهل الغاب في الغرب، تقدمت قوات المتمردين في الآونة الأخيرة نحو الجنوب، بما يهدد بقطع الساحل السوري من الداخل.

 

في الصحراء إلى الشرق، هذا الربيع، سيطر “تنظيم الدولة” على حقول النفط والغاز التي تسيطر عليها الحكومة، فضلًا عن مدينة تدمر الأثرية، ويحاصر التنظيم كذلك قاعدة جوية تابعة للنظام خارج مدينة دير الزور. ولكن خطوط الإمداد للجهاديين هي عرضة للهجوم من الجو. القوة الجوية المضافة أيضًا يمكن أن تكون مفيدة لتعزيز الممر الضيق الذي يربط بين الأجزاء التي تسيطر عليها الحكومة في حلب، ثاني أكبر مدينة في سوريا، مع الجنوب.

 

يقول إميل حكيم، من المعهد الدولي للدراسات الإستراتيجية: “إن دخول روسيا يمكن أن يغير قواعد اللعبة عسكريًّا على بعض الجبهات”.

 

وتابع: “لكن هل يسمح للأسد باستعادة السيطرة الكاملة؟ لا”.

 

بدلًا من محاولة وضع حد للحرب لصالح الرئيس السوري، قد يكون الهدف من التحرك الروسي هو منع انهيار النظام. في الوقت نفسه، يقول دبلوماسيون ومحللون، إن السيد بوتين يريد إصلاح العلاقات مع الغرب، وبناء القدرة على التأثير في قضايا شائكة مثل أوكرانيا، من خلال طرح نفسه كشريك محتمل في المعركة ضد “تنظيم الدولة”.

 

للرأي العام الداخلي الروسي، أظهر السيد بوتين نشر القوات الروسية في روسيا كمساهمة في الحرب على الإرهاب الإسلامي، وذلك كتعزيز للحكومة السورية المشروعة، ودعم المسيحيين الأرثوذكس في سوريا وكوسيلة لتصحيح السياسات الأمريكية “الصبيانية” التي صورتها وسائل الإعلام الروسية على أنها شجعت الإرهاب وفشلت في محاربته. روسيا لديها اهتمام خاص أيضًا، خاصة مع ما أعلنته أجهزتها الاستخباراتية من وجود 1700 من الجهاديين السوريين، معظمهم من المسلمين من القوقاز، انضموا للفصائل المتمردة السورية. ويقول آخرون إن الرقم هو تقريبًا ضعف ذلك.

 

التحرك الروسي وجرأة بوتين تتناقضان تناقضًا حادًا مع الجهود الغربية الخجولة في سوريا، والتي تترنح بين دعم فاتر للمقاتلين المناهضين للأسد، والتعاون الضمني مع نظامه في مواجهة “تنظيم الدولة”.

سلسلة أخيرة من المواقف المحرجة لإدارة أوباما، بما في ذلك سيطرة أو فرار المقاتلين السوريين المدربين في برنامج البنتاجون المكلف، وكذلك التعليقات الشائكة من البيت الأبيض التي تحاول أن تتبرأ من سياسته الخاصة، لم تعزز المعنويات الغربية. وعلى أي حال، فإن أعضاء التحالف الذي تقوده الولايات المتحدة، الذي قضى سنة كاملة وهو يوجه غارات جوية في سوريا من دون تأثير كبير، لا يزالون منقسمين على أهداف وأولويات متباينة.

 

أنتج الإحباط، من المعارضة السورية المنقسمة بشكل مزمن ومع سوريا بشكل عام، وكذلك التحذير في أوروبا من زيادة أعداد اللاجئين، رغبةً متزايدة بين الدبلوماسيين الغربيين في تخفيف عدائهم لنظام الأسد. وقال جون كيري، وزير الخارجية الأمريكي، أخيرًا، إنه في حل تفاوضي، فإن رحيل الرئيس السوري لا يلزم بالضرورة أن يتم “في يوم واحد أو شهر واحد أو أيًّا كان”. كانت أمريكا تدعم سابقًا بقوة طلب حلفاء لها مثل تركيا والمملكة العربية السعودية بأن يكون خروج الأسد شرطًا مسبقًا للتوصل إلى اتفاق.

 

احتضان روسيا للزعيم السوري عجل بهذا التحول. دبلوماسيون أوروبيون كبار من بينهم وزير الخارجية الألماني، فرانك فالتر شتاينماير، رحب بالتدخل الروسي. إسرائيل، التي كانت تنظر بعين الحذر إلى سوريا المجاورة، وعلى وجه الخصوص إلى تنامي النفوذ الإيراني، باتت أكثر حرصًا على التعاون مع بوتين من معارضته. رئيس وزرائها، بنيامين نتنياهو، قام بزيارة ودية إلى موسكو، يرافقه عدد من كبار القادة العسكريين، لضمان ألا تكون هناك أية مواجهات غير مقصودة بين القوات الإسرائيلية والروسية.

 

حتى الرئيس التركي، رجب طيب أردوغان، لم يتوانَ في الذهاب إلى موسكو يوم 23 سبتمبر لافتتاح مسجد جديد، يقال بأنه الأكبر في أوروبا. وزارة الدفاع الأمريكية، من جانبها، تخطط لإفساح الطريق للدخلاء الجدد في المجال الجوي السوري المزدحم.

 

ولكن دعم موسكو الواضح ترك العديد من فصائل المتمردين في سوريا تغلي. باعتبارهم تهديدًا أكبر للسيد الأسد من “تنظيم الدولة”، هم أكثر عرضة مما تسمى “الخلافة” لتحمل وطأة هجمات جيش السوري. وفي الوقت نفسه، ومع ذلك، هناك دلائل على وجود تحول إلى سياسة أكثر واقعية بين الجماعات المتمردة.

بعد أشهر من المفاوضات المعقدة التي تشمل إيران وتحالف واحد للمتمردين، تم التوصل إلى اتفاق لوقف إطلاق النار ومبادلة السكان في منطقتين محاصرتين. في مقابل سحب المقاتلين المتمردين من بلدة الزبداني قرب الحدود اللبنانية، ووقف محدود للهجمات الجوية الحكومية، سيسمح المتمردون لما يقرب من 10 آلاف قروي لمغادرة الجيب الشيعي في الشمال.

وقع أيضًا نحو 29 من فصائل المتمردين اتفاقًا في إسطنبول في وقت سابق هذا الشهر يقضي بموافقتهم على خطة الأمم المتحدة لإنشاء أربع مجموعات عمل موازية لإيجاد حلول عملية للمشاكل السورية التي لا تعد ولا تحصى.

 

يمكن لبوتين أن يلعب دورًا إيجابيًّا في هذا، إذا اختار أن يستخدم نفوذه لدفع الأسد تجاه المحادثات بدلًا من استدراجه في المعركة. دبلوماسيون غربيون قد يساعدون أيضًا. بدلًا من إفساح الطريق جانبًا لروسيا، يمكن استخدام بوتين بطريقة أعمق وأكثر خطورة لانتزاع تنازلات، مثل وضع حد لإلقاء قوات الأسد البراميل المتفجرة التي تقصف للمدنيين. ولكن إذا قررت روسيا أنها يمكن أن تفرض حلًّا عسكريًّا، فربما تكون في مأزق. “هذا النزاع قد يتم تغذيته ليستمر لبضع سنوات أخرى” كما يحذر السيد حكيم.

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد