ينتشر الإجهاض الانتقائي للأجنة الإناث في بعض الدول الآسيوية، مثل الهند، وهي نسخة عصرية من ممارسة وأد البنات التي كانت منتشرة في البيئة الجاهلية قبل الإسلام، وأحد أشكال العنف الحديثة ضد المرأة، كما يظهر تحليل أعدته الكاتبة الهندية إيرا تريفيدي، ونشرته مجلة «فورين بوليسي».

استهلت الكاتبة بوصف الموقع الجميل لمنطقة أوتاركاشي التابعة لولاية أوتارخاند الهندية، التي تحيط بها قمم جبال الهيمالايا المهيبة، ذات المناظر الطبيعية الخلابة، والتي يتوقف فيها الحجاج الهندوس وهم في طريق رحلتهم إلى الحج المقدس الذي يعرف باسم «تشار دهام ياترا».

«غير مرغوب فيهن».. وأد البنات قبل الميلاد وبعده

ليست كل الأمور جيدة في منطقة الهيمالايا الهادئة، فما بين شهري فبراير (شباط) وأبريل (نيسان)، لم تولد فتاة واحدة من بين 216 حالة ولادة في 132 قرية، وهو ما دفع السلطات المحلية، التي تشتبه في حدوث عمليات الإجهاض الانتقائي للأجنة الإناث، لإطلاق تحقيق موسع، قاده قاضي المقاطعة آشيش تشوهان.

وتعود الكاتبة بذاكرتها إلى الأشهر التي أمضتها في أوتاركاشي، إذ كانت تعيش بالقرب من مدرسة رياض أطفال، وكانت كثيرًا ما ترى مجموعات من الفتيان الصغار يمشون إلى المدرسة، ولكن نادرًا ما كانت ترى فتيات، وكانت تعتقد آنذاك أنه ربما أقلهن الآباء على متن الدراجات النارية، أو في أسوأ السيناريوهات، لم يسجلن إلى المدرسة، لكن لم يخطر ببالها أبدًا أنهن غير موجودات أصلًا.

Embed from Getty Images

وأشارت الكاتبة إلى أن القاضي تشوهان، الذي يمثل أعلى سلطة حكومية في مدينة أوتاركاشي، وأثناء متابعة العاملات في المجال الصحي في المنطقة وقعت عيناه على تلك الأرقام، لافتة إلى أن هؤلاء العاملات يجري اختيارهن من المجتمع المحلي، ويكن بمثابة واجهة بين مجتمعهن وبين نظام الصحة العامة.

وقالت الكاتبة إن تشوهان أخبرها في مقابلة، بأنه يشك في وجود رابط بين العاملات الصحيات، ومالكي أجهزة الموجات فوق الصوتية (السونار)، التي يمكن أن تحدد جنس الجنين، وعلى الرغم من أن كشف الأطباء عن جنس الجنين غير قانوني في الهند منذ عام 1994، فإن سهولة طلب أجهزة الموجات فوق الصوتية الرخيصة والمحمولة، خاصة عبر الإنترنت، أبقت ممارسة عمليات الإجهاض الانتقائي للأجنة الإناث على قيد الحياة.

على الرغم من عدم توفر أعداد دقيقة لمثل هذه الممارسات، فقد قدرت الدراسة الوطنية الأولى حول الإجهاض بشكل عام، إجراء نحو 15.6 مليون حالة إجهاض في الهند في عام 2015.

ورغم أن هذه الممارسة قانونية حتى بلوغ الجنين 20 أسبوعًا، بموجب مجموعة واسعة من المعايير، فإن هناك ما يقدر بـ10 سيدات يلقين حتفهن كل يوم بسبب إجراءات غير آمنة، وتشير التقديرات إلى أن ما يصل إلى 56% من حالات الإجهاض في الهند غير آمنة، ونحو 8 إلى 9% من جميع وفيات الأمهات في الهند ترجع إلى عمليات الإجهاض غير الآمنة.

وترجح الكاتبة أن عددًا كبيرًا من عمليات الإجهاض التي تحدث في الهند تُجرى لأن الجنين أنثى، مستشهدة بتقرير للحكومة الهندية صدر العام الماضي، خلص إلى أن حوالي 63 مليون امرأة تقريبًا «مفقودة» من إحصاءات التعداد السكاني بسبب تفضيل الأبناء الذكور.

وهذه المشكلة لا تنبع فقط من الإجهاض الانتقائي للأجنة الإناث، بل أشار التقرير إلى أن 21 مليون فتاة أخرى كن «غير مرغوب فيهن» من قبل عائلاتهن، التي تستمر في الإنجاب إلى أن يولد طفل ذكر.

وبحسب دراسة أجريت عام 2018، فإن قرابة 239 ألف فتاة دون سن الخامسة في الهند لقين حتفهن كل عام بين عامي 2000 و2005 بسبب الإهمال القائم على النوع الاجتماعي.

في أعقاب اكتشافه لتلك الممارسة، شرع تشوهان في إجراء تحقيق واسع النطاق ومراقبة العاملات في المجال الصحي وإجراء المسوحات الشاملة، وتقييم البيانات بعناية من المستشفيات والعيادات.

مترجم: «ساعدوني قبل أن تقتلني عائلتي».. قصص الإجهاض «الآمن» في الشرق الأوسط

وعند سؤاله عن الخطوة التالية إذا ثبت أن هناك مشكلة، أجاب تشوهان بأنه سيتخذ إجراءات علاجية، بما في ذلك الملاحقات القضائية وربما حملات التوعية الاجتماعية، وإن كانت تلك الحملات مجرد إجراء شكلي.

مشيرًا إلى حملة «أنقذوا الفتيات، علموا الفتيات» التي أطلقتها حكومة نيودلهي، وعلى الرغم من الترويج لها على نطاق واسع، فإنها لم تكن فعالة إلى حد كبير؛ بسبب سوء التنفيذ، ونقص الرقابة، وسوء استخدام التمويل.

وهناك نقص في الجهود المبذولة لإنفاذ القانون، فعلى الرغم من الأدلة الواسعة على أن الإجهاض الانتقائي يحدث على نطاق واسع، فإنه ما يزال دون عقاب إلى حد كبير، ويرجع ذلك في الغالب إلى النظم القضائية غير الفعالة، ووفقًا لبيانات المكتب الوطني لسجلات الجريمة، بين عامي 2002 و 2012، كانت هناك 218 حالة فقط اتُهم فيها الممارسون الطبيون باستخدام الموجات فوق الصوتية بقصد تحديد جنس الجنين، وأدين 55 شخصًا فقط.

يعزز النظام الأبوي ويخل بالنظام الاجتماعي

إلى جانب الآثار الحقوقية المقلقة، تخلق مشكلة الإجهاض الانتقائي للأجنة الإناث دورة ذاتية التعزيز، من خلال فائض من الرجال يميل إلى تعزيز النظام الأبوي، فعندما يكون عدد الرجال أكبر من عدد النساء في مجتمع ما، وفقًا لعالم النفس روبرت إيبستين، تستبعد النساء من أماكن العمل، وتصبح القيم أكثر تحفظًا، مع احتمال أن تُجبر النساء على البقاء في المنزل، كما تشيع الجرائم العنيفة مثل الاغتصاب.

ويمكن لمجتمع من الرجال العازبين، الذين يتزايد عددهم باستمرار، مع تناقص التزاوج باطراد، أن يؤدي إلى ازدهار عمليات الاتجار بالبشر والدعارة، وبالمقابل، يبدو أن إنجاب طفل أنثى بات أقل جاذبية.

Embed from Getty Images

وتقول الكاتبة إن الهند تعاني بالفعل من كل هذه المشكلات، خاصة في الولايات الشمالية ذات معدلات الجنس المختلة، ووفقًا لتقرير صادر عن المراقب المالي والمراجع العام للحسابات في الهند، فقد انخفضت نسبة الإناث إلى 896 أنثى لكل ألف ذكر، في الفترة من عام 2015 إلى 2017، من 898 في الفترة من عام 2014 إلى عام 2016.

وذكرت صحيفة ذا واير أنه وفقًا لبيانات التعداد السكاني، فإن نسبة الجنسين بين الأطفال في الهند انخفضت من 945 فتاة مقابل كل ألف صبي في عام 1991، إلى 918 في عام 2011. وكانت ولايات هاريانا، والبنجاب، وجامو، وكشمير، وراجستان، وجوجارات، وأوتاراخاند، ومهاراشترا تضم جميعها أقل من 900 فتاة لكل ألف ولد.

وأشارت الكاتبة إلى أن إبستين، الذي جمع البيانات في أكثر من 100 دولة، بما في ذلك الولايات المتحدة، أخبرها في عام 2015 أن عدد الذكور الإضافي يؤثر في النظام الاجتماعي تأثيرًا كبيرًا، مضيفًا أنه وحتى الآن، هناك نساء يجري تخديرهن واختطافهن من بنجلادش والولايات الهندية الفقيرة؛ بسبب نقص الإناث الشابات، لافتًا إلى أن هذه التداعيات تتفاقم على مدى سنوات، وهو ما يخلق كارثة اجتماعية.

كيف أوقفت حيدر أباد الإجهاض الانتقائي؟

بالنظر إلى نطاق المشكلة، قد يبدو من المستحيل كسب المعركة ضد الإجهاض الانتقائي للأجنة الإناث، ولكن هناك بعض الحالات التي تدعو إلى الأمل، ففي عام 2004، قام آرفيند كومار، قاضي منطقة حيدر أباد، بالتحقيق في 389 عيادة تشخيصية في المدينة، ووجد أن 361 منها لا تمتثل لقانون الموجات فوق الصوتية، وألغى 91 ترخيصًا لتشغيل عيادات التشخيص، وصادر 83 جهازًا، ولاحق موردي أجهزة الموجات فوق الصوتية قضائيًّا.

Embed from Getty Images

وأشارت الكاتبة إلى أن نسبة معدلات الجنس في حيدر أباد تبلغ اليوم 945 أنثى لكل ألف ذكر، أي أكثر مساواة من المعدل الوطني البالغ 926 إلى ألف. وفي الوقت ذاته، تعكس إحصاءات الجريمة تحسن وضع المرأة.

ووفقًا للمسؤولين المحليين، في عام 2017، كان هناك انخفاض بنسبة 10% في الجرائم ضد النساء في مدينة حيدر أباد مقارنة بالعام السابق.

على المدى القصير، قد يكون المسؤولون الحكوميون، مثل تشوهان وكومار، قادرين على حل المشكلات في مناطقهم، أما على المدى الطويل، فيكمن أفضل حل على المستوى الوطني في تعليم الإناث، وتمكينهن، ومشاركتهن في القوى العاملة.

في ولايات مثل ولاية كيرالا والولايات الهندية الشمالية، حيث معدل تعليم المرأة ومشاركتها في القوى العاملة مرتفع، فإن نسب الجنس أكثر مساواة بكثير.

وتختتم الكاتبة تحليلها بقولها إن واقع الهند مزعج، وإذا لم تحل البلاد المشاكل المزمنة المتمثلة في الإجهاض الانتقائي للأجنة الإناث، فستواجه مشاكل أكبر بكثير، وبدلًا من النظر إلى النساء بوصفهن عبئًا، ينبغي النظر إليهن على أنهن من الأصول، وعندئذ، يمكنهن المساهمة في المجتمع بعدد من الطرق المختلفة، وقبل أن تحفر قبرها، يجب على الهند إعادة بناتها.

منها عزلهن في أكواخ خاصة.. أبرز المجتمعات التي تضطهد النساء أثناء الدورة الشهرية

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد