نقل تقرير نشرته صحيفة «واشنطن بوست» الأمريكية عن ناجين ومنشقين عن الجيش في مقابلات عبر لبنان وتركيا وأوروبا أهوال المستشفيات العسكرية السورية في جميع أنحاء البلاد.

المستشفى المعروفة باسم «601»، ليست هي الموقع الوحيد للتعذيب في سوريا. ولكن بعد رؤية الصور التي تظهر آلاف الهياكل البشرية، أصبح الموقع أحد أكثر الأماكن سيئة السمعة.

ويقول التقرير إنه داخل المرفق، الذي يبعد حوالي نصف ميل عن قصر الرئيس السوري «بشار الأسد»، يتعرض الأسرى المرضى للتعذيب، وفقًا لشهادات 12 من الناجين، من بينهم «محسن المصري»، ومعتقلين سابقين وعسكريين يعملون هناك. وقد تراكمت الجثث في الحمامات والبيوت، وفي أي مكان آخر يصلح لاستيعاب الجثث التي يجري نقلها عبر شاحنات إلى مدافن جماعية.

المعتقلون السابقون ينتمون إلى طبقات اجتماعية وسياسية مختلفة، وفقًا لتقرير الصحيفة الأمريكية. النخبة، الطبقة العاملة، اليساريون والإسلاميون، والصلة الوحيدة التي تربط بعضهم البعض هي المشاركة في الثورة السورية عام 2011. البعض منهم كان من الداعين لها. وقال آخرون إنهم ببساطة علقوا على منشورات أصدقائهم على موقع فيسبوك بشأن الأوضاع بالبلاد، والذين دعموا الاحتجاجات.

بحسب التقرير، يقول الباحثون إن الشهادات والوثائق التي تم جمعها من المستشفيات العسكرية السورية تقدم بعض الأدلة الحسية لجرائم ارتكبت ضد الإنسانية، والتي يمكن أن تقود أحد كبار الشخصيات في الحكومة السورية إلى المسائلة القضائية.

إن الشهادات والوثائق التي تم جمعها من المستشفيات العسكرية السورية تقدم بعض الأدلة الحسية لجرائم ارتكبت ضد الإنسانية.

نقل التقرير عن «المصري»، صاحب إحدى فرق الفنون المسرحية التي كانت تقدم عروضًا احتجاجية في بدايات الثورة السورية، والذي كان قد تم احتجازه على مدار عامين في أحد مقرات الاحتجاز حيث تعرض للتعذيب، قوله الشهر الماضي: «تم اجتياحنا من قبل نظام كان مستعدًا لنا. حتى أن المستشفيات كانت مجازر».

وقد تم استخدام الدواء كسلاح في الحرب منذ الأيام الأولى للثورة، إذ كان الأطباء الموالون للحكومة يقومون ببتر أطراف المتظاهرين الذين كانوا يعانون حتى من إصابات طفيفة.

اقرأ أيضًا: جحيم صيدنايا.. يرحب بكم!

100 ألف معتقل

أشار التقرير إلى أنه تم تجهيز المستشفيات العسكرية في جميع أنحاء سوريا منذ فترة طويلة لتكون عنابر مخصصة للسجناء. ولكن منذ عام 2011، فقد اكتظت هذه المسشفيات بالرجال الذين تُركوا يتضورون جوعًا، ويعانون آثارًا نفسية سيئة بسبب الظروف التي تعرضوا لها بالفعل.

وفقًا لأرقام نقلها التقرير عن «الشبكة السورية لحقوق الإنسان»، فقد تعرض أكثر من 100 ألف شخص للاعتقال أو الاختفاء القسري في سوريا منذ بدء الثورة في البلاد. خلال ذلك الوقت، حصلت منظمات الإغاثة الدولية على إمكانية الوصول إلى عدد قليل من السجون بإذن من الحكومة، والتي لم يعتقل بها أي من المحتجزين الذين قابلتهم صحيفة «واشنطن بوست».

بدأت محنة «المصري» في ربيع عام 2012، عندما أُلقي القبض عليه وهو في طريقه لحضور مؤتمر في تركيا. تعرض «المصري» للتعذيب مرارًا وتكرارًا وهو يتحول من سجن إلى سجن حتى وصل سجن صيدنايا، أحد أكثر السجون رعبًا.

وقالت منظمة العفو الدولية في تقرير نشر في فبراير (شباط) الماضي، إن التعذيب والتجويع القسري يجري بصورة منهجية في السجن. لكن «المصري» قال إن السجناء تعلموا أن يلتزموا الصمت عندما كان يسأل أفراد الحرس عمن هم في حاجة للذهاب إلى المستشفى.

بعد أشهر من الموت جوعًا، أضيف اسم «المصري» على لائحة النقل الأسبوعية. وفي مساء أحد الأيام في مايو (أيار) 2012، تم تقييده بالسلاسل مع رجل آخر، واقتيد إلى شاحنة خارج السجن. وأرفق الحارس رقمًا بجسد المصري، وأخبره أن ينسى اسمه قبل أن يتم وضع عصابة على عينيه.

وقال «المصري» إن كل شخص كان يحصل على حفلة «ترحيب»، ضرب وحشي يقوم به حراس وعاملون من الطاقم الطبي يرتدون معاطف بيضاء فوق الزي العسكري. في مستشفى «601»، دُفع أضعف رجل على الأرض وتم الاعتداء عليه بطريقة وحشية أولًا. وفي مستشفى تشرين العسكري القريب، قال «محمد الحامود» وهو فني سابق في المنشأة، إنه رأى السجناء وهم يسحبون على السلالم من شعورهم.

فيما قال «سوما مصطفى»، وهو طالب فيزياء من دمشق تم إرساله إلى مستشفى «601» في نهاية عام 2012: «كل شيء كان يتعلق بالسيطرة». وقال إنه رأى المعتقلين وهم مقيدون في أسرتهم بإحكام بالسلاسل.

تعرض أكثر من 100 ألف شخص للاعتقال أو الاختفاء القسري في سوريا منذ بدء الثورة في البلاد، وتعرض المعتقلون بمن فيهم الأطفال، للضرب والحرق بالسجائر، وأشكال من التعذيب استغلت إصاباتهم الموجودة مسبقًا.

وفقًا لشهادات نقلها التقرير عن معتقلين، لم تكن الفترات المخصصة لدخول الحمام كبيرة، حتى أن السجناء كانوا يضطرون لقضاء حاجتهم وهم جالسون، والبقاء في نفس المكان لعدة أيام. «مصطفى» أضاف بقوله: «كنا معصوبي الأعين مع تلك الرائحة في كل مكان حولنا. لا يمكن أن تسقط ذكرى هذه الأيام من مخيلتك، حتى عندما تغادر المكان».

تم تشغيل ما لا يقل عن خمسة فروع لقوات الأمن السورية داخل عنابر مستشفى «601» منذ عام 2011، وفقًا للجنة التحقيق التابعة للأمم المتحدة، وهي لجنة تم تشكيلها لمراقبة الصراع.

ونقل التقرير عن بيان للجنة التحقيق صدر في عام 2013، قالت فيه: «إن المعتقلين، بمن فيهم الأطفال، تعرضوا للضرب والحرق بالسجائر، وتعرضوا لأشكال من التعذيب استغلت إصاباتهم الموجودة مسبقًا». اللجنة خلصت إلى أن العديد من المرضى تعرضوا للتعذيب حتى الموت داخل المنشأة.

وقال أحد المنشقين إن مستشفى هرستا العسكري، أيضًا في دمشق، نقل عنبر المعتقلين من الطابق الأول إلى الطابق السابع لمنع المعتقلين من الهرب، إذ كان الطابق السابع هو الطابق الوحيد من دون مصاعد، ولم يكن بإمكان المعتقلين القفز من النافذة.

ويقول المحققون إن الانتهاكات يمكن أن تصبح ركائز مركزية في أي حالة في نهاية المطاف لمحاكمة الأطباء والمستشفيات، فضلًا عن شخصيات بارزة في الحكومة السورية.

في مستشفى «601»، قال «المصري» و«مصطفى»، إنهما شاهدا ضباطًا رفيعي المستوى من الفروع الأمنية المصاحبة للأطباء في جولاتهم. أحيانًا كان يتوقف الفريق لمناقشة طريقة علاج أحد المسجونين. وفي أحيان أخرى يعتدي الرجال على المسجون بالضرب.

اقرأ أيضًا:  4 مليارات دولار وأشياء أخرى: الدور السعودي الكبير في إجهاض الثورة السورية

ملك الموت

قال التقرير إن الأطباء كان يتم مساعدتهم من قبل موظفين يرتدون الزي الأزرق، وكثير منهم من أنصار الثورة السابقين، الذين تم احتواؤهم من سجانيهم.

ونقل التقرير عن «المصري» قوله: «كُسر أفضل رجالنا عن طريق التعذيب. إن لم يضربوننا، فإنها يخاطرون بمصير أسوأ لأنفسهم».

من جانبهم، استخدم الحراس أسماءً مستعارة لتجنب التعرف على هوياتهم. وقال أربعة من الناجين إن أشهرهم كان يعرف باسم «عزرائيل»، ملك الموت. وصفوه بأنه أضخم رجل في معتقل الأسد الساحلي باللاذقية، الذي يحمل عصا بها شفرات حلاقة. وقالوا إنه كان يختار السجناء، ومعظمهم ممن ساءت حالتهم بشكل مميت، لمصير وصفه بـ«العدالة»، فيما يطلق عليه المعتقلون «حكم بالإعدام».

بينما تحولت الثورة إلى حرب بالخارج، قال سجناء سابقون، إن المحققين أصبحوا مهووسين بفكرة شركاء الجريمة، بل وقاموا بتعذيب السجناء للإبلاغ عن أسماء متهمين جدد للاعتقال.

وبينما تحولت الثورة إلى حرب بالخارج، قال سجناء سابقون، إن المحققين أصبحوا مهووسين بفكرة شركاء الجريمة، بل وقاموا بتعذيب السجناء للإبلاغ عن أسماء متهمين جدد للاعتقال.

أشار التقرير إلى أن الوثائق التي وقعها كبار المسؤولين الحكوميين والأمنيين تظهر زيادة حالات الوفاة بشكل مفاجئ، وفي بعض الأحيان كانت هناك شكاوى من تراكم الجثث.

نقل التقرير عن «سكوت جيلمور»، وهو محام في مركز العدالة والمساءلة، قوله: «من المستحيل استجواب وتعذيب وقتل عشرات الآلاف من المعتقلين بدون وجود نظام ممنهج في المكان. قبل الثورة، لم يكن النظام يخرج الآلاف من الجثث. وفجأة بات هناك الآلاف من الجثث. ماذا كنت تفعل بهم إذن؟».

تعذيب منهجي

في ديسمبر (كانون الأول) 2012، تم توقيع أمر من قبل رئيس قسم الاستخبارات العسكرية السورية يلزم كل فرع من فروع الأمن بإرسال موتاهم إلى مشرحة المستشفى العسكري. وذكرت الوثيقة، التي تم الحصول عليها من قبل اللجنة الدولية للعدالة والمساءلة، أن كل جثة يتم فحصها وتسجيلها.

وقال التقرير إن مجموعة من هذه الصور نشرت علنيًّا في جميع أنحاء العالم عام 2014، بعد أن هربت من سوريا على يد منشق عن الشرطة العسكرية عرف باسم «قيصر». وقد التقطت معظم هذه الصور داخل مستشفى «601» لأطفال لا تتجاوز أعمارهم 11 عامًا تحمل جثثهم علامات التعذيب.

ووصف «الأسد» مؤخرًا الصور بأنها «أخبار زائفة»، مشيرًا إلى أنه قد تم التلاعب بها لتتوافق مع أهداف جماعات حقوق الإنسان.

لكن المنشقين تحدثوا عن جثث مرقمة تم نقلها في أكياس بلاستيكية من مستشفى «601» إلى المستشفيات العسكرية القريبة في تشرين وحرستا. محققون من الأمم المتحدة وشركات محاماة خاصة جمعوا شهادات خاصة مماثلة من مدن حمص، وحلب، ودرعا.

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد