يعيش أطفال عائلة شانتا الثمانية في قرية تضم أكواخًا من العشب، ولم يسبق لهم أن أضاءوا مصباحًا كهربائيًّا أو ارتدوا ساعة يد، أو ركبوا سيارة أو دراجة، أو تحدثوا في الهاتف.

 

كان أول تفاعل لهم مع القرن الحادي والعشرين في إحدى ليالي شهر فبراير الماضي عندما هرعوا للاختباء بينما كانت الطائرات السودانية تقصف أكواخهم. وإذا كنت تود أن تعرف لماذا تسعى المحكمة الجنائية الدولية لمحاكمة الرئيس السوداني عمر البشير، فإن عائلة شانتا تقدم لك تذكيرًا بأن جرائم البشير ستتواصل طالما بقي في السلطة.

 

سقط الصاروخ بالقرب من أكواخ عائلة شانتا، فقتل على الفور أميوزا شانتا، وهي فتاة في الثامنة عشر من عمرها.

 

نجا الأطفال من الانفجار الأولي بلجوئهم إلى المخبأ، لكن الانفجار أشعل النيران في كوخ قريب، وسقط سقفه العشبي على مخبأهم وهو مشتعل. أماكن الاختباء تلك عبارة عن حفر عميقة تقع بجانب كل كوخ ومدرسة ومبنى تقريبًا هنا في جبال النوبة، وذلك حتى يلجأ إليها الناس عندما تقوم الحكومة بقصفهم.

 

«كانوا يصرخون» كما يتذكر عثمان شانتا، والد خمسة من الأطفال المختبئين في الحفرة، والذي ألقى بالماء على النيران. وأضاف: «لكن بعد ذلك توقفوا عن الصراخ».

 

لقي اثنان من أطفاله، ديانا وبشير، حتفهما حرقًا على الفور، لكن أطفاله الثلاثة الآخرين تمكنوا من النجاة، إلى جانب ثلاثة من أبناء عمومتهم. وقد هرعت سيارة بالأطفال الستة إلى المستشفى سالكة طريقًا طينية، وهو ما يمثل خطرًا شديدًا هو الآخر، وذلك لأن حكومة السودان تقصف أيضًا السيارات والمستشفيات في جبال النوبة.

 

فلماذا إذن يقوم السودان بقصف قرية ممتلئة بأكواخ من العشب؟

 

لم يكن هذا حادثًا حربيًّا، بل هو يعكس سياسة الأرض المحروقة، وإستراتيجية مكافحة التمرد السودانية المتبعة هنا في الطرف الجنوبي من السودان.

 

يسيطر جيش من المتمردين يضم آلافًا من الجنود، الذي يبدو أنه يحظى بدعم السكان المحليين بوصفه حاميًا لهم من الحكومة المركزية، على جبال النوبة. وتقوم الحكومة السودانية بقصف المتمردين ومهاجمتهم بين فينة وأخرى، ولكن معظم هجماتهم تبدو موجهة نحو المدنيين، وذلك على ما يبدو لجعل المنطقة غير مؤهلة للسكن حتى لا يبقى أحد لدعم المتمردين.

 

يقول الكاتب إن هذه رابع زيارة سرية له إلى جبال النوبة، وذلك لأن السودان يمنع دخول الصحفيين وعمال الإغاثة وتقريبًا كل شخص من دخول المنطقة. يقول إنه تسلل عبر جبهة المتمردين ملطخًا بالطين حتى يصعب على المهاجمين رؤيته.

 

تحدَّث إليَّ طاقم المستشفى عن الأطفال الستة المحترقين من عائلة شانتا: «”لقد كانوا محترقين بشكل كامل عندما وصلوا” يتذكر الدكتور توم كاتينا، وهو طبيب أمريكي والطبيب الوحيد في المستشفى. وقد توفيت طفلة في الثالثة من عمرها، تُدعى آيات، أصيبت بحروق شديدة، بعدها بأيام».

 

أما شقيقتها حسنة، في العاشرة من العمر، فقد بدت أنها ستنجو، لكن ما لبثت أن تلوثت جروحها بالكزاز وتوفيت هي الأخرى.

 

ركز الدكتور كاتينا على إنقاذ شقيقهم ابن الثمانية أعوام، شانتا، الذي قاوم لأسابيع. لكن جروحه تلوثت بسبب الذباب، وسريعًا نمت الديدان في منطقة جروحه. يقول الدكتور كاتينا إنه كان يزيل الديدان، لكنه كان يجد المزيد منها في اليوم التالي. أبدى الفتى شجاعة استثنائية، حسبما يذكر الطبيب، لكنه كان يصرخ من الألم كل يوم عند تغيير الضمادات.

 

أخيرًا، توفي هو الآخر.

 

ذهب إلى قرية عائلة شانتا بعد مروره على بيوت مهجورة جرى قصفها، وقد عثر على قرويين مصدومين بالقرب من الكهوف التي يتخذونها كملجأ من القصف. يعاني الأطفال الثلاثة الناجون من عائلة شانتا من حروق شديدة، رودا، فتاة تبلغ من العمر ست سنوات، تعجز عن مد ذراعيها بسبب الحروق.

 

وبينما يتملك الحزن كلًّا من عثمان شانتا وزوجته ساديا على أطفالهما الأربعة المغدورين وأبناء عمومتهم، فهم يهدئون ابنهم الناجي، عبد الله، عندما تأتيه الكوابيس.

 

حاولت عدة مجموعات، نوبا ريبورتس ومشروع إناف ومنظمة هيومان رايتس ووتش، لفت الانتباه إلى المعاناة هنا، لكن جبال النوبة ليس لها أية قيمة إستراتيجية لدى الولايات المتحدة، ولم تُثر غيرها من الحكومات مسألة القصف أو مشكلة نقص المساعدات الإنسانية. عندما كان سيناتورًا، انتقد الرئيس أوباما سلفه بوش الابن بسبب تقاعسه عن وقف الجرائم السودانية، لكن إدارة أوباما لم تفعل الكثير للضغط على السودان أكثر مما فعلته إدارة بوش.

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد