ألقت أزمة «البريكست» بظلالها على جميع الأطراف في بريطانيا، ولم تستطع الملكة إليزابيث الثانية أن تنأى بنفسها عن التورط في هذا الجدل السياسي الدائر حول البريكست، حسبما أفاد المراسل الصحافي إميليو كازاليكيو في مقال نشرته صحيفة «بوليتيكو» الأمريكية، يتناول فيه آثار خطوة تعليق البرلمان التي أقرتها الملكة بطلب من رئيس الوزراء.

استهل إميليو مقاله بإلقاء الضوء على تصدُّر أزمة البريكست للجدل السياسي في بريطانيا، تلك الأزمة التي اخترقت أسوار قصر باكنجهام وهزت استقرار أهم مؤسسات الدولة، حيث أصابت مجلس العموم البريطاني بالشلل، وبثت الفرقة بين صفوف حزبَيْ المحافظين والعمال، وهددت سلامة الاتحاد، حتى أنها طالت الشهر الماضي الملكة إليزابيث الثانية، التي تعد الأقل ممارسةً للغطرسة السياسية مقارنة بالملوك الذين سبقوها، وقد كان ترتيبها في ولاية العرش الثالثة بعد عمها وأبيها، إلا أنها تولت العرش بعد وفاة والدها وتنازل عمها عن الحكم، وقد قضت الملكة التي تبلغ من العمر 93 عامًا ما يزيد عن ستة عقود على العرش متعهدة بأداء دور مؤسسي محايد.

«الإندبندنت»: اقتصاد بريطانيا قد يعاني لعقود قادمة إذا تم «بريكست» دون اتفاق

دور الملكة في «المسرحية الهزلية»

واستشهد إميليو برأي روبرت لاسي – المؤرخ الملكي والمستشار التاريخي للمسلسل الدرامي «The Crown» الذي يعرض على شبكة «Netflix» – الذي يقول إن: «وجهة نظر الملكة الشخصية هي الابتعاد عن معترك السياسة»، مضيفًا أنها «شخصية خجولة ولا تميل للتدخل بطبعها، فضلًا عن أنها لا ترى أن دور الملك الدستوري هو ممارسة التدخلات لتغيير القوانين أو تغيير الأشياء».

ويلفت المقال النظر إلى أنه حين طالبها بوريس جونسون – رئيس الوزراء البريطاني الرابع عشر في عهدها – بإغلاق البرلمان لمدة أربعة أسابيع، فإنها لم تستطع تجنب الانجرار إلى هذا العراك السياسي.

أوضح المقال أن الملكة إليزابيث الثانية لم يكن أمامها العديد من الخيارات، فالأعراف تُملي عليها تلبية طلبات رئيس الوزراء، إلا أن تحرك جونسون كان يُنظر إليه بمثابة مسعى لمنع البرلمان من عرقلة خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي دون اتفاق، بينما انقسمت الآراء بشدة في البلاد بين البقاء والخروج، وبالتالي فإن أي رد من الملكة كان سيثير بالضرورة حنق أحد الطرفين، لكن بعض ردود الأفعال كانت في الواقع تستشيط غضبًا.

وأشار المقال إلى تغريدة كيت أوزامور – النائبة التابعة لحزب العمال بالبرلمان – التي قالت فيها: «لم تنقذنا الملكة». وسرعان ما أضافت: «ينبغي على الملكة أن تعتبر بما حدث لابن عمها قسطنطين الثاني، ملك اليونان السابق؛ فعندما تقوم بتمكين انقلابٍ يمينيّ يكون مصير الملكيّة إلى الزوال».

كما يشير الكاتب إلى نجاح حملة «الأفضل لبريطانيا» المناهضة للبريكست في جمع أكثر من 50 ألف توقيع على التماس تطالب فيه الملكة برفض طلب جونسون، مما جعل الملكة تسارع إلى الاستجابة لطلبي زعيم حزب العمال جيريمي كوربين وزعيمة الحزب الليبرالي الديمقراطي جو سوينسون بمقابلتها واستماعها إلى الشكاوى التي لديهما بخصوص ذلك القرار.

يستشهد إميليو كذلك بقول آدم واجنر المحامي المدافع عن حقوق الإنسان والخبير في القانون الدستوري الذي يقول: «راود الكثيرين أمل غير أكيد بأن الملكة ستطل عليهم معتليةً ظهر أحد جيادها أو بصحبة أحد كلابها الصغيرة من سلالة الكورجي من أجل إنقاذ الموقف»، «ولكن فكرة أن تلعب الملكة دورًا أساسيًا في هذه المسرحية الهزلية، ما هي إلا محض هراء».

مراسم وبهرجة فقط.. الملكة إليزابيث بدون سلطة حقيقية

أشار المقال إلى أنه في سياق سياسي آخر، كان سيمر موقف الملكة إليزابيث الثانية باتخاذ قرار يتماشى مع الأعراف ويلبي طلب جونسون مرور الكرام، إلا أنه بالرغم من احتفاظ النظام الملكي بالكثير من بهارج العصور الوسطى، فقد تقلصت سلطاته إلى حد كبير منذ توقيع الملك جون على الميثاق الأعظم «ماجنا كارتا» في عام 1215.

Embed from Getty Images

فوفقًا للبرتوكول، تعين الملكة رئيس الوزراء وتقبل استقالته، كما أنها تفتتح جلسات البرلمان كل عام تقريبًا بما يعرف بـ«خطاب الملكة» الذي يلخص برنامج الحكومة، حيث إن الأعراف الملكية الغامضة تملي عليها مغادرة قصر باكنجهام في عربة تجرها الخيول وصولًا إلى مجلسي البرلمان بصحبة أفراد من سلاح الفرسان الملكي المنوط بحراستها، حسبما جاء في المقال.

وتابع إميليو موضحًا أنه بمجرد وصول الملكة، فإنها تتقدم «الموكب الملكي» دخولًا إلى مجلس اللوردات مرتديةً التاج الملكي ورداء البرلمان الملكي، بينما يتوجه الموظف صاحب منصب البلاك رود في مجلس اللوردات إلى مجلس العموم لاستدعاء أعضاء المجلس واصطحابهم إلى مجلس اللوردات، وحين يصل إلى باب مجلس العموم يُغلق في وجهه ويتعين عليه أن يدق عليه ثلاث مرات حتى يُسمح له بالدخول في مشهد يرمز إلى سلطة مجلس العموم التي تفوق سلطة مجلس اللوردات، ثم يتوجه بعد ذلك أعضاء البرلمان في موكب إلى الغرفة العليا للاستماع إلى خطاب الملكة الذي تقرأ فيه برنامج الحكومة في تلك الجلسة البرلمانية معتليةً كرسي العرش.

وأضاف الكاتب أن النظام الملكي البريطاني خسر تقريبًا كل سلطاته الحقيقية بغض النظر عن تلك الشكليات، حتى أن الملكة أصبحت لا تتدخل في كتابة الخطاب الذي ستلقيه ولا توافق بالضرورة على محتواه، ويعتبر وليام الرابع الذي عزل رئيس الوزراء وليام لامب من منصبه في عام 1834 هو آخر ملك كان يحق له إقالة رئيس وزراء بريطاني، إلا أن الأمور لم تسر معه على ما يرام، فلم يفلح بديله روبرت بييل في كسب ثقة نواب مجلس العموم؛ مما أدى إلى الدعوة إلى التصويت الذي فاز بموجبه لامب.

بينما كانت آخر مرة رفض فيها أحد الملوك البريطانيين اتباع نصيحة حكومته في عام 1936، حين أراد الملك إدوارد الثامن الزواج من سيدة أمريكية من الأعيان تُدعى واليس سيمبسون، فاضطر وقتها للتنازل عن عرشه مُرغمًا بعد 12 شهرًا فحسب من اعتلائه، وفقًا لرواية روبرت هازل الأستاذ الجامعي في علم الإدارة والدستور بجامعة لندن.

كما أن السلطات القليلة التي لا يزال يتمتع بها النظام الملكي باتت تشمل «الحق في ادعاء ملكية أي بجعة غير محددة تسبح في المياه المفتوحة، والملكية الرمزية لأية حيتان أو خنازير بحر تحيا في المياه الإقليمية البريطانية، بالإضافة إلى حق القيادة بدون رخصة قيادة، مشيرًا إلى أنه لم يعد من المقبول أن يكون للنظام الملكي الحديث أي سلطة سياسية في النظم الديمقراطية البرلمانية، بموازاة تراجع مماثل للملكيات الدستورية في دول أوروبية أخرى.

هل تحتاج بريطانيا دستورًا جديدًا؟

لا تمتلك بريطانيا دستورًا مكتوبًا، وهو السبب الذي يعزو إليه المقال صعوبة تحديد دور الملكة إليزابيث الثانية في الحياة العامة وما تعنيه سلطاتها الاحتفالية الرسمية، ويضعها في منطقة رمادية غير واضحة المعالم، ويعتقد عدد قليل من المواطنين أنه كان بإمكان الملكة – أو ربما كان يتعين عليها – رفض طلب جونسون بتعليق البرلمان، ولكنها في حقيقة الأمر إذا كانت قد أقدمت على ذلك، لكان ذلك قد أشعل ذلك أزمة دستورية في البلاد.

Embed from Getty Images

وأوضح الكاتب أن الخبراء الدستوريين قد وقعوا في مأزق لا يحسدوا عليه في الأسابيع الأخيرة يدور حول مدى أحقية الملكة في التدخل وإقالة رئيس الوزراء إذا فشل في كسب الثقة في تصويت البرلمان وامتنع عن الاستقالة، وكان يتعين على نواب مجلس العموم إصدار إشارة واضحة إلى وجود مرشح آخر بإمكانه الفوز بأغلبية الأصوات في البرلمان حتى تتمكن الملكة من الإقدام على ذلك.

كما اقترح بعض مؤيدي البريكست أن تعمل الحكومة على إحباط جهود الأعضاء المعارضين بالبرلمان التي تهدف لتأخير البريكست من خلال رفضهم لإرسال تشريعهم للحصول على «الموافقة الملكية»، ذلك الإجراء الذي تصدق فيه الملكة على تحويل مشروع القانون إلى قانون، وكان هذا الإجراء يتطلب توقيع الملكة، إلا أنه أصبح الآن بمثابة أحد الشكليات السريعة التي لا تتطلب تدخلها مباشرة.

وتابع المقال مستشهدًا بتصريح أحد الخبراء القانونيين بأنه إذا أقدمت الحكومة على تلك الخطوة فسوف تزج بالدستور في «منطقة جنونية»، وربما لم يعد الأمر مفاجئًا بأن تلك الأزمة التي شهدت مناورة سياسية من جونسون – وتدخلًا من الملكة – قد فجرت دعاوى تطالب بضرورة كتابة الدستور وصياغته، حيث قال روري ستيوارت أحد أعضاء حزب المحافظين بالبرلمان: «لا يمكن إدارة البلاد على هذا النحو، فنحن نحتاج إلى نص دستوري مكتوب».

بينما ذهب كليف لويس عضو حزب العمال بالبرلمان ووزير الخزانة في حكومة الظل إلى ما هو أبعد من ذلك حين دعا إلى تشكيل جمعية دستورية قائلًا: «نحن لدينا دستور سياسي بالكاد يصلح للقرن التاسع عشر، ناهيكم عن القرن العشرين أو الحادي والعشرين، وآن الأوان – بمجرد انفراج أزمة البريكست – لهذه البلد أن تبدأ في إدراك مدى ضرورة تشكيل جمعية دستورية من أجل وضع هيكل لتنظيم الدولة في المملكة المتحدة»، كما اعتبر لويس أن أحد أهم المسائل في هذه المجازفة السياسية هو تحديد دور الملكة، مشيرًا إلى أنه غير متأكد مما إذا كانت هناك رغبة في إقامة جمهورية من عدمها، إلا أنه يرى وجوب أخذ هذا الاحتمال بعين الاعتبار ووضعه على أجندة النقاش، وبينما تطالب أقلية بإلغاء النظام الملكي، فإن وضع دستور مكتوب سيعمل على تقييد سلطات النظام الملكي بما يحافظ على الصالح العام، حسبما أوضح كاتب المقال.

واستشهد الكاتب برأي واجنر – المحامي المدافع عن حقوق الإنسان والخبير في القانون الدستوري – الذي يرى أنه من ناحية يمكن صياغة دستور يضع الملكة على رأس الدولة في منصب رمزي تمامًا، ويجعلها لا تمتلك حتى السلطة الشكلية التي تتمتع بها الآن، أو من ناحية أخرى يمكن النص في الدستور على السلطات التي ستتمتع بها الملكة بالضبط، فضلًا عن أنه يمكن تعيين رئيس للدولة بحيث يصبح منصب الملكة شكليًا، وليس دورًا سياسيًا على الإطلاق.

يخلص المقال إلى أن الضوابط والتوازنات غير الرسمية التي اعتادت أن تفلح في السابق مع مؤسسات رئاسة الوزراء والحكومة والخدمة المدنية في ظل عدم وجود نص دستوري مكتوب لم تعد ناجعة الآن بعد توالي عدد من رؤساء الوزراء الذين حاولوا «تطويع القوانين لتصب في مصلحتهم» كما فعل جونسون مؤخرًا في تلك الأزمة بمحاولته إغلاق البرلمان وتوريط الملكة، مشيرًا إلى وجوب كتابة دستور المملكة المتحدة من أجل الحفاظ على الدور الشكلي الذي تلعبه العائلة الملكية مع حماية الشعب من غطرسة رؤساء الوزراء الذين قد يطمعون في ممارسة استبداد الملوك والملكات كما أفاد المؤلف أنتوني بارنيت – أحد مؤسسي موقع أوبن ديموكراسي – الذي استشهد برأيه كاتب المقال لتفسير موقف جونسون تجاه البرلمان وتوريطه للملكة في أزمة سياسية عكرت صفو البلاد.

الجيش البريطاني بعد «البريكست».. كيف ستغيب الشمس عن الإمبراطورية العظمى؟

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد