«وصلت العبارة إلى شواطئ أوسكودار، وهي منطقة في إسطنبول كانت تعرف فيما مضى باسم (مدينة الذهب)، حيث تقف المساجد العثمانية في صمت أمام السماء، ومع ذلك كنت هناك لزيارة (مسجد الشاكرين) الذي استحوذ على معظم خيالي، وأسلوبه الفريد الذي يجمع بين الجمال الأنيق لمتحف الفن الحديث، وروح الإمبراطورية العثمانية، وما بين القبة الألومنيوم المليئة بالستائر المعدنية والمنقوشة بزخارف عربية من خط من مذهب، بالإضافة إلى كونه أول مسجد صُمم من قبل امرأة: زينب فضلي أوغلو».

هكذا بدأت ستيفاني روزنبلوم قصة مسجد الشاكرين، وتفاصيل مدينة إسطنبول من كتابها: «وقت وحدي (Alone Time)» المنشور بعض مقتطفاته بمقال في موقع «بيزنس إنسايدر»، وتعتبر روزنبلوم كاتبة عمود في قسم السفر بصحيفة «نيويورك تايمز»؛ إذ كانت مراسلة لمكاتب مختلفة لأكثر من عقد من الزمان، وظهرت في برامج تلفزيونية عديدة.

كتب الصحافي أندرو فينكل في كتابه «زينب فضلي أوغلو: مضيق البوسفور وما بعده» الذي يستعرض فيه أعمال زينب المعمارية من النوادي الليلية المعروفة، مثل أولوس 29، إلى مسجد الشاكرين: «لم تصمم أي امرأة على الإطلاق مسجدًا داخليًا، لا في الإمبراطورية العثمانية، ولا في الجمهورية التركية، ولا في أي مكان في العالم على حد معرفة زينب»، ويقول الكتاب: «كان المهندس المعماري للمشروع رجلًا، على الرغم من أنه تعاون مع زينب على إجراء تغييرات معينة بناء على طلبها».
تروي روزنبلوم أن الوصول إلى مسجد الشاكرين يتطلب حوالي نصف ساعة سيرًا على الأقدام من ميناء أوسكودار، مرورًا بالأحجار المرصوفة والمرتبة في أنماط متقنة، وتحت الأشجار العالية، والقطط النائمة على النوافذ، والمرأة المنحنية من نافذة المنزل وهي تسحب الدلو بحبل لرفع الخبز إلى الأعلى، والغسيل المبلل المعلق من أعمدة الشرفات، ومرت روزنبلوم بمسجد صغير مصنوع من الخشب، مثل الذي مرت منه على طول مضيق البوسفور، كانت الشوارع السكنية المنحدرة حميمة وجذابة، محاطة بالأشجار المنظمة على الأرصفة والمناطق السياحية.
في ظل أشجار السرو المتصاعدة، استطاعت الكاتبة من خلالها رؤية مئذنة مع هلال في قمتها ولونها أبيض، وتميل في الضوء إلى الأزرق الطبشوري، كتبت حروف ذهبية اسم المسجد على جانب مبنى مجاور، حتى ذلك الحين كانت قد رأت هذا المنظر فقط في صفحات كتاب «جامع الشاكرين»، صعدت نحو الفناء، حيث كانت بضعة أزواج من الصنادل والأحذية الرياضية خارج المدخل، وخلعت حذاءها في قاعة مظلمة.
لم تكن على يقين من أين تذهب بعد ذلك، دخل بعض النساء قبلها، رغم أنه لم يكن هناك أي أثر لهن. لذا قامت بالتخمين، وبدأت في السير ببطء على الدرج نحو القبة ذات اللون الوردي بالقرب من القمة، إلى أن وجدت نفسها في شرفة صلاة النساء، أصغر من المنطقة في الطابق السفلي؛ حيث كان الرجال يصلون، ولكن مفتوحة ومتجدد الهواء مع وجهة رئيسة للقبة أعلاه، كانت الشرفة أيضًا أقرب إلى الثريات الثلاث الشاسعة مع قطرات الزجاج المتلألئة، والخط المتعرج لحزام القبة قزحي الألوان في ضوء الشمس.

تصف الكاتبة ما تراه بأن هناك امرأةً تصلي، وأطفالًا ينتقلون من مكان إلى آخر بسرعة حولها، وعددًا قليلًا من النساء يتحدثن بهدوء ويضحكن دون صوت، والتقط أحدهم الصور باستخدام هاتفه الذكي. وقفت الكاتبة في الجزء الخلفي من المعرض الفني للمسجد، متتبعة مسارات الخطوط الذهبية الرقيقة التي تتأرجح من مركز القبة الوردية العظيمة، بدا هذا مثل زهرة مفتوحة.

عادت لأسفل الدرج بعد فترة وجيزة، حيث كان هناك فتاة في الأسفل ترتدي بنطال الجينز وقميصًا ورديًا، حافية، وبدون حراك، تطل من خلف الستائر؛ حيث كان يصلي الرجال، وتستذكر الكاتبة أنها عندما كانت في نفس عمرها اعتادت التنصت على حفلات عشاء والدها من الشرفة، وتكمل: عندما وصلت إلى الدرجات الأخيرة، التفتت الفتاة ورأتها، وتوقفت الكاتبة وابتسمت لها.

تقول الكاتبة: «عند التحضير لرحلة نقرأ عن الهندسة المعمارية والمطاعم، لكن في نهاية المطاف الأشخاص الذين نلتقي بهم عندما نكون هناك هم نفس تلك الحياة بالفعل، بما في ذلك أولئك الذين نمر بهم في الشارع، أو في حالتها: فتاة الدرج». وفكرت أيضًا في الرجل الموجود على الرصيف الذي مد يد العون لها لتستطيع تثبيت نفسها عندما خرجت من العبّارة، والمرأة العجوز في الحمام العام التي طلبت مشاركتها المغسلة الصغيرة والوحيدة. عندما كانت الكاتبة تتوقع كيف ستسير أيامها في إسطنبول، تخيلت السفن، والمآذن، والبازار الكبير، وآيا صوفيا، ولكن ليس هذه الوجوه التي صادفتها، وليس هذه التفاعلات التي تنقل دفء المدينة بصمت.
تختتم الكاتبة قصتها وهي خارجة من المسجد، ربطت حذاءها وشقت طريقها عبر الفناء؛ حيث ألقت الستائر المزخرفة بظلال من الزخارف العربية على الأرض، وبعد الأمهات وأشجار السرو، عادت إلى الميناء. إلى عبَّارة مليئة بالناس في طريقها إلى شاطئ آخر.

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد