كتب هشام سلام، الأستاذ الجامعي في مركز الحفريات الفقارية بجامعة المنصورة، تدوينة يشرح فيها «الكواليس» وراء الاكتشاف العلمي الذي سجله وفريقه مؤخرًا، باكتشاف أول هيكل شبه مكتمل لديناصور في مصر والقارة الأفريقية في منطقة الواحات الداخلة بالصحراء الغربية في مصر، وأطلقوا على الهيكل اسم «منصوراصورس» في إشارة إلى جامعة المنصورة التابع لها فريق البحث.

قاد هذا الاكتشاف العلمي إلى سد فجوة زمنية طويلة تمتد ما بين 66-94 مليون سنة، هي نهاية العصر الطباشيري في القارة الأفريقية، إذ كانت هذه الفترة بمثابة حلقة مفقودة في تاريخ وجود وانقراض الديناصورات التي هي أضخم كائنات عاشت على كوكب الأرض؛ ما جعل اكتشاف الدكتور سلّام وفريقه أمرًا جديرًا بالاهتمام في الأوساط العلمية.

«المنصوراصورس».. قصة الديناصور المصري الذي غير وجه التاريخ الطبيعي

يقول سلام في تدوينته المنشورة عبر موقع مجلة «نيتشر إيكولوجي آند إيفولوشن» العلمية الشهيرة: «إن قصة هذا الاكتشاف بدأت في ديسمبر (كانون الأول) 2013»، عندما تلقى دعوة لإلقاء محاضرة عن «الحفريات الفقارية» في جامعة الوادي الجديد بالواحات الخارجة في جنوب مصر.

الدكتور هشام سلام يتوسط طالبتيه سناء السيد (يمين) وإيمان الداوودي (يسار)

ويضيف الدكتور: «حتى أصل لمكان المحاضرة قدت سيارتي لمدة 12 ساعة بصحبة اثنتين من طالباتي خريجات جامعة المنصورة، وهما سناء السيد وإيمان الداوودي، وكانتا خريجتين حديثًا، ولديهما رغبة قوية في التواصل مع طلاب مصريين آخرين حول الحفريات الفقارية. وفي طريقنا للوصول إلى هناك اصطحبنا طالبتي الثالثة سارة صابر من جامعة أسيوط».

بعد التشاور اتجهنا لنلقي نظرة سريعة عن قرب على مواقع صخور تعود إلى ديناصور متواجد في منطقة واحات الداخلة، وهو المكان الذي عمل فيه سلام منذ عام 2008 مع زملاء أمريكيين من جامعة أوهايو، وجامعة كاليفورنيا الجنوبية، ومتحف دنفر للطبيعة والعلوم. ويضيف سلام أن هدف مشروعهم كان سد فجوة زمنية تقدر بـ30 مليون سنة تقع في نهاية العصر الطباشيري، في السجلات الأحفورية لأفريقيا، والتي لا يعرف عنها سوى القليل جدًا من الأحافير الفقارية التي عاشت على الأرض.

احترس في المرة القادمة وأنت تشاهد فيلمًا عن فقدان الذاكرة.. حقائق مذهلة عن الوعي

بينما كانت الشمس تقترب من المغيب – يستطرد الدكتور هشام – فقد لاحظت طريقًا جديدة يمكن أن يمكننا من رؤية مواقع أخرى غير مستكشفة. لذلك، ففي اليوم التالي قدنا في الطريق حتى نهايته ووجدنا محجر حصى. وكان لدينا من الوقت نصف ساعة فقط لمعاينة الصخور قبل أن نقود الطريق الطويل عائدين إلى المنصورة.

يروي سلام تفاصيل ما حدث قائلًا: «مشينا، سارة وأنا، في الاتجاه ذاته، ومشى الآخرين كل واحد في وجهة مختلفة لاستكشاف أكبر قدر ممكن من مساحة الأرض. وبعد دقائق قليلة، نظرت خلفي لأرى سارة تزيل الرمال عن شيء، افترضت أنه صخر على الأغلب. واصلت المشي، وبعد دقائق قليلة أخرى رن هاتفي، كانت سارة، وسمعتها تخبرني بحماسة أن أعود؛ لأن هناك عظامًا أحفورية تملأ المكان».

يستطرد قائد فريق البحث قائلًا: «عدت بسرعة لأجد أن المنطقة بالفعل مليئة بالعظام.. كانت العظام هي بقايا تعود إلى أجزاء من هيكل عظمي لديناصور الصوروبودا. لاحظت آثار قدمي حول الموقع كله، ثم قلت ممازحًا سارة: بالمناسبة، لقد رأيتها أولًا، لكنني تركتها لكِ حتى أختبرك. وردت عليّ بسرعة: لا يا دكتور، أنت خطوت فوق العظام كلها! وحظينا بضحك طويل. إنها كانت واحدة من تلك اللحظات الرائعة في علم الحفريات عندما تعرف أن شيئًا مهمًا جدًا قد اكتشف للتو».

أثناء التنقيب، من اليمين: إيراهيم فرحات، سارة صابر، مي الأمير، إيمان الداوودي، وسناء السيد

يقول الدكتور إنه علم أنهم سيحتاجون أسبوعين على الأقل من العمل الميداني للتنقيب بشكل أفضل عن الهيكل العظمي، لذلك اتخذوا جميعهم القرار الصعب بالعودة مرة أخرى لاحقًا مجهزين بشكل أفضل. ويضيف سلّام: «ترك اكتشاف مهم مثل هذا خلفنا جعلنا قلقين بشدة، إذ إن الجرافات الكثيرة التي تتحرك في هذه المنطقة قد تدمر الأحافير في لحظة».

بعد شهرين طويلين من التحضير، عاد الفريق للموقع على رأسهم الدكتور هشام سلّام برفقة سناء وإيمان وسارة، واثنين آخرين من زملاء سلّام، هما: مي الأمير، وفرحات إبراهيم. يقول الدكتور هشام: «كان التنقيب صعبًا؛ إذ إن المكان حار جدًا وواجهنا عواصفَ رملية وأمطارًا غزيرة، لكن حماسنا دفعنا للاستمرار، ونحن نعلم أننا نكتب فصلًا جديدًا في تاريخ الحفريات الفقارية المصرية».

مترجم: رغم إنجازاته في «النسبية».. تعرف إلى أكبر 3 أخطاء علمية ارتكبها أينشتاين

يكمل الدكتور هشام روايته قائلًا: «كل مساء، كنا نذهب إلى أعلى نقطة في المنطقة؛ حتى نستطيع الدخول إلى الإنترنت لتعلم المزيد عن التركيب التشريحي للديناصور. في اليوم الثالث عثرنا على العظْمة الأكثر وضوحًا، المضرس اليسار، والذي وضح لنا أن الفك السفلي لهذا «الصوروبودا» كان لديه عظام ذقنٍ واضحة. كنا على تواصل دائم بأصدقائنا وزملائنا في مصر والولايات المتحدة، والذين كانوا يتابعون عملنا يومًا بيوم».

بمرور الوقت – يقول الدكتور هشام – أصبح واضحًا أن لدينا عظام جمجمة، والكثير من عظام حزام الكتف والطرف الأمامي، وفقرات وضلوعًا متعددة، وجزءً من القدم، وأجزاءً من صفائح جلدية متعددة، وهو أكثر مما تم التعرف عليه لأي ديناصور من ذلك العصر من قارة أفريقيا بأكملها. بينما كنت أدردش مع زميلي الأمريكي، جو سيرتيك، اقترح اسم «منصوراصورس»، وقد عَلِق الاسم.

19 لوح من الجص في شكل دائري. من اليمين: سناء السيد، سارة صابر، إيمان الداوودي، مي الأمير

استمر الدكتور سلام وفريق في العمل لمدة ثلاثة أسابيع، ويكمل قائد الفريق روايته: «بحلول وقت انتهائنا، كنا صنعنا 19 لوحًا من الجص، وجمعنا أكوام من فتات العظام المتفرقة. وبعد عودتنا إلى المنصورة، أحضرنا الألواح لنجري عليها فحصًا بالأشعة المقطعية في المستشفى الجامعي. وحيث إنه لم ير أحد ألواح من الجص داخل المستشفى الجامعي من قبل، فاستوقفنا بعض العاملين، وسألونا ما الذي نجره على نقالة المرضى، فأخبرتهم أنه ديناصور، كانوا مندهشين! سألني رجلًا إذا كان الديناصور مريضًا.. وهو ما أجبت عليه بأنه ميت بالفعل منذ 75 مليون سنة على الأقل!».

مترجم: في 2018.. أول صورة للثقب الأسود في التاريخ البشري

كان سلام وفريقه يتواصلون مع زملائهم الأمريكيين عن طريق برنامج «سكايب» بين فترة وأخرى، ويقول: «كنا نتواصل خصوصًا مع خبراء «الصربوديات» وهم إريك جورسكاك من جامعة أوهايو، الذي عمل فيما بعد في متحف (فيلد) للتاريخ الطبيعي بولاية شيكاجو، بالإضافة إلى مات لامنّا من متحف (كارنيجي)، وباتريك أوكونور من جامعة أوهايو. ببطء بدأت صورة الشيء الذي نتعامل معه تتكون».

يقول سلام إن معظمهم ظنوا في البداية أن «منصوراصورس» هو واحد من أقدم سلالة أفريقية، مع الأخذ في الاعتبار العزلة المفترضة للقارة الأفريقية خلال العصر الطباشيري؛ لكن تبين أنه أقرب شبهًا بالصربودات الأوروبية، مقدمًا بذلك أول دليل قاطع على حركة الديناصورات بين أفريقيا وأوروبا خلال الجزء الأخير من العصر الطباشيري.

ويعلق الدكتور هشام سلام في ختام تدوينته قائلًا: «إن اكتشاف مثل هذا يبين المعرفة القليلة التي لدينا فيما يخص أواخر العصر الطباشيري في قارة أفريقيا؛ ما يعطينا الدافع أكثر لمواصلة البحث عن أحافير جديدة في مصر».

هيكل منصوراصورس. العظام الملونة هي التي عثر عليها الفريق وتم حفظها، والباقي رسم بالاعتماد على الهياكل الشبيهة. أندرو مكافي – متحف كارنيجي للتاريخ الطبيعي

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد