نشرت صحيفة ميدل إيست بريفنج الأمريكية الأسبوعية تقريرا عن مشروع مارشال لإعادة إعمار سوريا، وهو ما يعتبر استنساخا لمشروع مارشال التاريخي الذي وضعه جورج مارشال رئيسة هيئة أركان الجيش الأمريكي لإعادة إعمار الكثير من المدن بعد الحرب العالمية الثانية وقد نجح المشروع بشكل باهر في تحسين أوضاع البلاد بعد الحرب وإحيائها من جديد، مما يجعل الحديث عن تطبيقه في سوريا أمرا واردا للغاية، بل وضرورة حتمية بالنسبة لبعض الخبراء والمتابعين.

حرب مشتعلة

ترى ميدل إيست بريفنج أن الخلافات والفجوة بين الاتحاد الأوروبي وبين تركيا قد بلغت أقصى درجاتها مؤخرا، بل وصل الأمر إلى قيام شخصيات بارزة في بروكسل بإطلاق حرب تسريبات ضد الرئيس التركي رجب طيب أردوغان. في 8 فبراير 2016، سربت المفوضية الأوروبية دقائق من اجتماع سري في أكتوبر الماضي جمع أردوعان، ورئيس الاتحاد الأوروبي دونالد توسك، بالإضافة إلى رئيس المفوضية الأوروبية جان كلود يونكر، حيث طلب أردوغان خلال اللقاء من الاتحاد الأوروبي دفع 3 مليارات يورو كمساعدة في تمويل مخيمات اللاجئين الفارين من الحرب المشتعلة في سوريا. ووفقا للتقارير الواردة عن هذا تفاصيل اللقاء، فقد طلب أردوغان تقديم هذا المبلغ لتركيا سنويا، في الوقت الذي قال فيه المسئولون الأوروبيون أنهم ينوون دفع هذا المبلغ لمرة واحدة فقط، مقسما على سنتين، فأخبرهم أردوغان أن يحتفظوا بأموالهم، ثم قال “يمكننا أن نفتتح الأبواب للاجئين في أي وقت للذهاب إلى اليونان وبلغاريا.. يمكننا أن نوفر لهم حافلات للذهاب إلى هناك”.

كان ذلك التسريب بمثابة شرارة انطلاق لمعركة جديدة بين الاتحاد الأوروبي وبين أنقرة، وهو ما أدى إلى إعلان توسك في 19 من فبراير أنه ربما يتم انعقاد قمة أوروبية تركيا بشأن اللاجئين في بروكسل في 5 مارس القادم.

رعب أوروبي من تدفق اللاجئين

في مؤتمر دافوس الاقتصادي الأخير ومؤتمر الأمن في ميونخ، أبدى المسئولون الأوروبيون قلقهم البالغ ومخاوفهم من خطر تدفق اللاجئين وأثره على الاستقرار والأمن في أوروبا، حيث إن أعداد اللاجئين المتوافدين قد تضاعفت عشرات المرات في العامين الأخيرين مع توافد اللاجئين بلا انقطاع من سوريا والعراق وأفغانستان ومن دول شمال أفريقيا، وفق ما رصد التقرير.

كلاوس شواب، رئيس ومؤسس المنتدى الاقتصادي العالمي كان صريحا في مؤتمر يناير الماضي عندما أخبر الحضور أن بلادهم ستواجه تدفق للاجئين في السنوات القادمة ربما يبلغ عدده مليار شخص، وهو ما قد يعني سحق القارة بالكامل، وتغيير الثقافة والحضارة الأوروبية وسيتسبب في إحداث فوضى حضارية غير مسبوقة وفقا لشواب.

يرى تقرير الصحيفة أن تلك المخاوف هي أيضا ما قاد وزير الخارجية الألماني ولفجانج شويبله في مؤتمر دافوس الماضي إلى دعوة أوروبا إلى جمع 50 مليار يورو لصالح صندوق مارشال لإعادة إعمار سوريا. في الوقت الذي يتبني فيه شويبله سياسات تقشفية وهو أحد أكبر الرافضين لإعفاء اليونان من الديون، كانت كلماته صادمة بالنسبة للحضور، بعدما أكد أن المساعدات الإنسانية لسوريا فيما بعد الحرب هي الحل الوحيد لإنقاذ أوروبا من تدفق اللاجئين. وزير التنمية الألماني، غيرد مولر، أكد دعوة شويبله مرة ثانية، في الوقت الذي قام فيه الكثير من المسئولين الأوروبين بالالتحاق بركب المؤمنين بمشروع مارشال. ومع اختلاف الدوافع بالنسبة لهم، إلا أنهم جميعا رأوا أن الطريقة الوحيد لإنقاذ الهوية الأوروبية هو خلق حافز حقيقي للسوريين للعودة إلى بلادهم وإعادة بنائها والتي دمرتها الحرب المستمرة منذ خمس سنوات وحتى الآن.

يرى التقرير أن ردة الفعل الأوروبية تلك على الأزمة المتفجرة تطرح عدة أسئلة جديدة، أولها، هل الوقت مبكر أم متأخر حاليا لبدأ تنفيذ مشروع مارشال؟ وثانيا، مع تلك الأوضاع المتراجعة للاقتصاد الأوروبي، هل من الممكن فعلا أن تتحمل أوروبا تكلفة تلك الخطة الطموحة لإعادة إعمار سوريا؟ وثالثا، هل تستطيع أوروبا تحمل عواقب عدم تنفيذ مشروع مارشال؟

الإجابة هي أن أية عملية لإعادة إعمار سوريا والدول المجاورة بعد تلك الحرب الطاحنة يجب ألا تبدأ سوى بعض ضمان وقف حقيقي للقتال ووجود حكومة انتقالية، وفي الوقت الذي وضع فيه هذا الأمر كخطة في القرار الأخير لمجلس الأمن يتم تنفيذها على مدار 18 شهرا، فيجب أن تبدأ التجهيزات حاليا، حتى مع وقف إطلاق النار الهش الذي أعلن عنه وزير الخارجية الأمريكي جون كيري ووزير الخارجية الروسي سيرجي لافروف في 22 فبراير الماضي، وسط شكوك كبرى حول إمكانية تطبيقه.

حلول مبتكرة

كانت المستشارة الألمانية قد أطلقت برنامجا لتدريب اللاجئين في ألمانيا، والذين يزيد عددهم حاليا عن 100 ألف لاجئ، حيث يتم التدريب على مهارات البناء والتشييد والمهارات الرئيسية التي ستحتاجها بلادهم في عملية إعادة الإعمار، حيث تدرك ميركل أنه في حال فشل مفاوضات السلام في سوريا واستمرار الحرب لفترة طويلة، فإن تلك المهارات التي سيكتسبها هؤلاء ستمكنهم من الإندماج في الاقتصاد الألماني، وأنه بدونها لن يصل الأمر سوى للفوضى وردود الفعل الاجتماعية غير المرغوبة.

بعد جولة الرئيس الصيني شي جين بينغ الأخيرة والتي شملت السعودية وإيران ومصر، أعلنت الصين أنها على استعداد تام لإدماج دول منطقة الشرق الأوسط في مشروعي طريق الحرير الجديد وطريق الحرير البحري، وهي مشاريع تهدف بالأساس لربط العالم تجاريا ويربط بين قارات آسيا وإفريقيا وأوروبا، كما أعلنت الصين التي تملك احتياطي يبلغ 5 تريليون دولار أنها على استعداد للاستثمار بقوة في منطقة الشرق الأوسط بشرط تحقيق الاستقرار والأمن في المنطقة، وفق ما رصده تقرير ميدل إيست بريفتج.

الموقف الحالي، وحتى مع المعطيات الصينية الجديدة، يبدو غير واضح على الإطلاق، إلا أن المؤكد أن أي استقرار في تلك المنطقة، لن يكون من الممكن بناؤه سوى على أسس اقتصادية قوية، في حين تبدو خطط التكامل من أوروبا وآسيا بالإضافة إلى صندوق مارشال هي الأقرب للواقع حاليا.

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات