تمهيد: حول تساؤل «ما هي الهوية؟»، كتبت «سوزان فالودي» كتابًا هو الأكثر تعقيدًا وسحرًا بعنوان «In The Darkroom»، كتابًا حاولت فيه فك طلاسم أب عاصر المحرقة النازية وترك اليهودية، هجر عائلته وفر إلى بلاد عدة، ثم قرر على شيب التحول جنسيًّا، لكنه ربما لم يتخل عن هويته الجنسانية، إذ لم تكن عملية تحوله لملائمة باطنه وظاهره معًا، بل اتخذت المظهر الجنسي للمرأة بنفس الطبيعة العنيفة الذكورية له. تناول التقرير الذي نشرته «هآرتس» عرضًا سريعًا لملابسات حياة الابنة الصحافية الناجحة، والأب المتحول.

تجلي الكاتبة النسوية «سوزان فالودي» القشور عن الحقيقة بشأن أوهام المتحولين جنسيًّا متجسدة في والدها، الذي عاود التواصل معها بعد قطيعة دامت 40 عامًا، مصحوبًا بأخبار مفاجئة.

 خضع «إستيفان، أو ستيفن فريدمان، أو فالودي» في عمر 76 لعملية تغيير الجنس، وصار «ستيفاني» أو «ستيفي» كما عرفتها ابنتها المفكرة الأمريكية النسوية المعروفة «سوزان فالودي». أُبعد «ستيف فالودي» عن ابنته لسنوات طويلة، بينما وصلت الابنة إشاعات عن طريق أقاربها أن والدها قد تحول لامرأة، وذلك قبل وصول بريد من والدها يبين فيه الأمر في عام 2014. كتب والدها «لدي بعض الأخبار المشوقة، لقد قررت أنني اكتفيت من انتحال شخصية رجل عدواني قوي مفتول العضلات على عكس ما بداخلي». إلا أن تلك الكلمات خرجت من نفس الرجل الذي حاول قبل سنوات ضرب حبيب زوجته بهراوة مضرب بيسبول، وطعنه بسكين، فضلًا عن تهديد ابنته سوزان نفسها بالقتل ذات مرة.

لم يتحول الأب ببساطة إلى امرأة تدعى «ستيفي»، بل تحول إلى سيدة مجرية أو ربما نمساوية مجرية. في بداية القرن الـ21، أي بعد 90 عامًا من انهيار الإمبراطورية، تعيش «ستيفي» الآن في فيلا صغيرة فوق تلال بودابست محصنة ومعزولة عن العالم، مرتدية التنانير المجرية التقليدية المطرزة، أثاثها مغطى بقطع الدانتيل، تحتسي الشاي من أكوابها الخزفية الرقيقة. ترفض دخول المدينة أو حتى الذهاب للمباني السكنية التي تمتلكها عائلتها من قبل الحرب العالمية الثانية، بل في الحقيقة هي ترفض التفاعل مع العالم باستثناء بعض المقابلات القصيرة مع صديقة كاثوليكية، أو التجمعات الكئيبة لمجموعة مجتمع المتحولين الصغير في بودابست.

تعشق «ستيفاني» الإمبراطورة النمساوية الجميلة الأسطورية «إليزابيث»، والتي هز اغتيالها الإمبراطورية عام 1898، وكذلك تعشق كاتب الخيال الدنماركي «هانز كريستيان أندرسن»، أبرز الكتّاب في مجال كتابة الحكاية الخرافية.

أُبعد «ستيف فالودي» عن ابنته لسنوات طويلة، بينما وصلت الابنة إشاعات عن طريق أقاربها أن والدها قد تحول لامرأة، وذلك قبل وصول بريد من والدها يبين فيه الأمر في عام 2014. كتب والدها «لدي بعض الأخبار المشوقة، لقد قررت أنني اكتفيت من انتحال شخصية رجل عدواني قوي مفتول العضلات على عكس ما بداخلي».

كان «ستيفن» مصورًا محترًفا، واحترف صناعة الطباعة الفوتوغرافية أيضًا، تخصص في مجال الصور المركبة والتلاعب في الصور الفوتوغرافية، وهكذا تقوم «ستيفاني» بقص صور الفتيات الصغار من المجلات، وباستخدام برنامج فوتوشوب تستبدل صورة رأسها برؤوسهن، أي أنها تركب صورة رأسها على صور أجساد الفتيات في تلك الصور. إلا أنها، بعد أن استأنف الأب وابنته اتصالات واجتماعات منتظمة، انفتحت «ستيفي» لابنتها وبكل اعتزاز أمومي، محدثة إياها عن «ستيفاني» في عمر التاسعة مرتدية تنورة وردية وحذاء الباليه، بينما تؤدي رقصة، وفي مشهد آخر تصفعها مدرسة متجهمة عابسة على أسفل ظهرها، ثم في لقطة أخرى ترتدي ستيفاني ملابس خادمة شابة.

ففي أستوديو الصور الخاص بها، خلقت «ستيفاني» طفولة الفتاة التي لم تنعم بها إطلاقًا. عندما زارتها «سوزان» في شقتها بدار الرعاية في بودابست، طلبت أن يُترك باب غرفت ابنتها مفتوحًا ليلًا معللة ذلك «أنني أرغب أن أُعامل كامرأة»، تقول «ستيفاني»: «أُريد أن أكون قادرة على التجول دون ملابس، وأريدك أن تتعاملي مع ذلك بشكل طبيعي».

تحاول سوزان فهم والدها، وسد الفجوة الهائلة بين «ستيفاني» الرقيقة الآن، وبين الأب العنيف الذي تحملت أذاه في طفولتها حتى غادر؛ الأب الذي رفض دفع مصروفات إعالتها وهي طفلة، وعاد من الولايات المتحدة الأمريكية ليعيش في موطنه الأصلي المجر. الأب الذي اختفى تمامًا من حياتها طوال 40 عامًا. الأب الذي أمطرها في طفولتها قصصًا رائعة ممتعة عن نفسه وعن بطولاته في سنوات الحرب، ومشاركته في أعمال الإنقاذ الجريئة، وبعثات البحث العلمي في الأمازون، ورحلاته بالطائرة خلال الوديان في المناطق الغريبة.

إن كتاب «فالودي» الصادر عام 2016 هو كتابٌ حساسٌ ومعقدٌ، تارة تجد فيه حكاية خرافية تراجدي- قومية، وتارة أُخرى قصة صادمة عن المحرقة، كتاب يؤرخ ويسلط الضوء على العِقد الذي تحاولان فيه «سوزان» و«ستيفاني» كلتاهما فهم من هي «ستيفاني». بإظهار «سوزان» سخاءً عاطفيًّا وتجسيده في أفعالها، لم تنجح في مسامحة والدها فحسب، بل نجحت أيضًا في إضفاء طابع إنساني عليها.

ولد «إستيفان فريدمان» في عائلة ثرية يهودية علمانية في بودابست، لوالدين لم يكونا على وفاق حتى في فترة شهر العسل – المفترض أنها أفضل فترات الوفاق بين الزوجين-، والدين استخدماه كورقة مساومة وكرهينة في خضم صراعهم الشخصي على السلطة. فقد خبأه والده ذات مرة في غرفة نوم والدته حتى يتمكن من إبلاغه لاحقًا بعلاقة والدته الغرامية، بينما شحنته والدته إلى أقاربها، ولم يلقِ أي منهما بالًا بحضور حفلة بلوغه (بار ميتزفه، حفلة بلوغ الصبي في اليهودية).

كان «ستيفن» مصورًا محترًفا واحترف صناعة الطباعة الفوتوغرافية أيضًا، تخصص في مجال الصور المركبة والتلاعب في الصور الفوتوغرافية، وهكذا تقوم «ستيفاني» بقص صور الفتيات الصغار من المجلات، وباستخدام برنامج فوتوشوب تستبدل صورة رأسها برؤوسهن، أي أنها تركب صورة رأسها على صور أجساد الفتيات في تلك الصور.

على الرغم من كل ذلك كان «إستيفان» سببًا في إنقاذهم من ترحيل النازيين إياهم إلى «أوشفيتز»، ولكونه عضوًا في جماعة بيتار الصهيونية، نجح في تخبأتهم خلال فترة تصفية يهود المجر، بينما كان متطوعًا في حزب «أرو كروس»، وهو الحزب النازي الفاشي المجري، ذو الدور الفعال في إبادة اليهود في بودابست.

وبعد فترة قصيرة، غادر إلى الدنمارك، متنكرًا هذه المرة في دور ناشط في الحزب الشيوعي المجري، ثم سافر إلى البرازيل متنكرًا في شخصية منتج أفلام دنماركي، وأخيرًا شق طريقه إلى الولايات المتحدة الأمريكية حيث غير اسمه إلى «فالودي»: اسم مجري معناه «القروي» أو من القرية.

في عام 2014، كانت «ستيفاني» ما تزال تُبجِّل «إستيفان» أول ملك للمجر وقديس المجر الكاثوليكي القومي، وكانت ما تزال تستمتع بالترددات الجماعية إلى الكاتدرائية لرؤية تماثيله، ولكي يعيشوا تجربة الاعتزاز الوطني، كما أنها تمقت اليهود؛ فهم أناس بذيئون صاخبون بدائيون «محدودو العقل والتفكير»، بينما هي نفسها ليست مجرد امرأة فلاحة مجرية أصلية، بل أيضًا شيكسا – المرأة غير اليهودية وتعني أيضًا الرجس والنجاسة- ترتدي الملابس متوهجة الألوان، تُصوت لصالح المحافظين، وحزب الفلاحين المحافظين القوميين.

اقرأ أيضًا: «فورين آفيرز»: اضطهاد المجتمع والسلطة.. معاناة المتحولين جنسيًّا في مصر

إن محبة «ستيفاني» ليست سهلة، فهي عنيدة ومستبدة برأيها، أثناء زيارة ابنتها الأولى منعتها من الخروج وأجبرتها على إلقاء نظرة على الملابس التحتية الحريرية التي اشترتها وإبداء إعجابها بها، وكذلك تنانير البولكا – المنقطة- المطرزة خاصتها، والإعجاب بقوامها المشَذَّب وكامل أنوثتها، لا سيما أنها تصر على أنها «جميلة وماهرة في الخبز، فالمرأة حسب قولها يجب ألا تثبت استقلاليتها خارج المطبخ».

قرط من اللؤلؤ وكعب عالٍ

تعد قصة «ستيفاني» رائعة بذاتها، لا سيما بسبب ابنتها «سوزان» ذات الـ 58 عامًا، والتي حازت جائزة «بوليتزر» للصحافة التفسيرية عام 1991، وذلك عن مقالتها لمجلة وول ستريت حول آثار الاستحواذ لمتاجر سافوي، وصاحبة اثنين من أهم الكتب النسوية، واللذين شقا طريقهما إلى قائمة أفضل الكتب مبيعًا في العقود الأخيرة.

في كتاب «Backlash: The Undeclared War against American Women» – الانتقام: الحرب غير المعلنة على النساء في أمريكا- والذي نال جائزة دائرة نقاد الكتب الوطنية عام 1991، تحلل «فالودي» أسباب العداء الذكوري تجاه النجاح الأولي للحركة النسوية الأمريكية في عام 1970. وتقول «فالودي» إن ردة الفعل تلك ترجع إلى حد كبير إلى الأمل في منع اندماج المرأة في سوق العمل في الثمانينات من القرن الماضي، كما أنها حذرت الأجيال المستقبلية من النساء ألا يتعاملن مع الإنجازات التي حققتها من سبقتهن من النساء مسلمًا بها؛ إذ تنبأت بأن كل ما حققنه من الممكن أن يذهب أدراج الرياح، ولعل الإدارة الأمريكية الآن بالفعل تهدد بجعل هذا التحذير واقعًا حقيقيًّا.

أما في كتابها «Stiffed: The Betrayal of the American Man» -«الاحتيال: خيانة الرجل الأمريكي» عام 1999- أشارت «فالودي» إلى أن السواد الأعظم من الرجال الأمريكيين أنفسهم ضحايا التغير في بيئة العمل، فقد تم تعليمهم أن يصبحوا العائل الوحيد في وحدة العائلة، والذي بدوره كان مصدر فخرهم، إلا أن سوق العمل لم يعد يسمح لهم أن يكونوا العائل الوحيد. مثلهم مثل أزواجهم وشركائهم، هم ضحايا الأيديولوجية الجنسانية المحافظة التي لا تواكب العصر، بل تحافظ على التمايز المفاهيمي بين الأجناس في مواجهة الواقع الاقتصادي.

لا عجب إذًا أن تصاب «فالودي» بالصدمة من جراء تصرفات وأفكار والدها. تصر «ستيفاني» على أن الرجال يجب أن يقبلوا يد النساء عند التحية، وتصر على ألا تغادر منزلها دون ارتداء قرطيها من اللؤلؤ، وحذائها ذي الكعب العالي حتى عندما تمشي في الطرقات المرتفعة لبلدة كاسل هيل في بودابست، بل إن لفظ «ستيفاني» صار أسهل الآن من النفور من «إستيفان» بينما كانت ما تزال رجلًا، الرجل الذي هجر ابنته ووالديه الطاعنين في العمر، واللذين كانا قد هاجرا مؤخرًا من المجر إلى إسرائيل. حتى قبل وفاتها بوقت قصير، أرسلت له والدته رسائل ترجوه أن يعاود الرد عليهم أو على الأقل أن يخبرهم فقط أنه ما يزال على قيد الحياة. إلا أن كل رسائلها قوبلت بالتجاهل. ومع ذلك، تحاول «فالودي» أن تحب وتفهم «ستيفاني»، فهي تنشد استكشاف «ستيفاني» الحقيقية، وما يواريه فستانها المرقط ومكياجها.

اقرأ أيضًا: مترجم: «أسطورة العِرق» كيف أصبح اليهود تدريجيًا من «البيض» وكيف غير ذلك أمريكا؟

خلال عقد من المقابلات بينهما، بدأت «ستيفاني» تدريجيًّا إزالة طبقات من التَجَمُّل النفسي والدفاعية التي كانت قد غلفت وأحاطت نفسها بهما. فقد تذكرت أنها بالفعل تعرف القليل من «اليديشية»، وأنها تعلمت اليهودية في طفولتها، وحضرت الكنيس بانتظام. لطالما تنكرت وغَيَّرت هويتها، لذا فإن محطات كإنقاذ «إستيفان» نفسه وعائلته أو هروبه من المجر أو تمكنه من الحصول على تأشيرات الدنمارك أو البرازيل أو الولايات المتحدة الأمريكية، أو حتى عند عودته إلى المجر، قد تكون زلات لسان لكنها لا تظهر سوى أن التحول الجنسي لم يكن سوى جزء من سلسلة تغيرات أكبر وأكثر تعقيدًا.

تقول «ستيفاني» :«أستطيع الجلوس الآن مع أي شخص يقبل يدي»؛ إذ إن فعلي تلك الأمور قديمًا دعمني لحياتي المستقبلية؛ إنني لم أتمكن من العيش بهويتي الحقيقية كشخص غير يهودي، وإنني كنت أنجو بفعلتي دائمًا؛ لذا يمكنني فعل ذلك الآن. يمكنني الآن فعل كل ما هو خلاف ذلك، لأن الإنسان إن اقتنع أنه شخص آخر، سوف يقتنع كل من حوله بذلك أيضًا.

أرسلت والدة إستيفاني رسائل ترجوه أن يعاود الرد عليهم أو على الأقل أن يخبرهم فقط أنه ما يزال على قيد الحياة. إلا أن كل رسائلها قوبلت بالتجاهل. ومع ذلك، تحاول «فالودي» أن تحب وتفهم «ستيفاني»، فهي تنشد استكشاف «ستيفاني» الحقيقية، وما يواريه فستانها المرقط ومكياجها.

إن محو الهوية اليهودية يرتبط ارتباطًا وثيقًا بمحو الهوية الذكورية، وقد انفجرت مصرحة ذات مرة في إحدى المحادثات أن الناس لا يرونك سوى «شخص أشبه بالوحش، فهم لا يعرفون ما تفعله، أنت آفة؛ لذا هم يَرُشُّونك بالغاز». وهكذا بدت المحرقة كما لو أنها دُمجت في نسيج روحها وجسدها، فصارت جزءًا لا يتجزأ منها. وبينما أكدت «ستيفاني» أنها «امرأة»، لم تلبث إلا أن بدأت في نفس الوقت التساؤل، والتشكيك في هويتها: «ولدي شهادة ميلاد تثبت أنني امرأة. لذا يجب أن أكون امرأة».

إن هذا التصريح محفزٌ للتفكير؛ لأنه لا يشير فحسب إلى التغيرات الجسدية، بل إلى عملية بيروقراطية فرضتها الدولة، فضلًا عن أنها ترفض الاعتراف بأن لديها هوية «حقيقية» و«داخلية»، وأن العملية التي مرت بها كانت فقط «تكييف» وتعديل الهوية الجسدية لتلائم الهوية النفسية. بل إنها نفسها تعقد المقارنة بين تغير هويتها من اليهودية إلى الهوية المجرية غير اليهودية، وبين تحول هويتها من رجل إلى امرأة.

لكن بينما يقضي الأب وابنته وقتًا أطول معًا، تلاحظ «سوزان فالودي» أن تحوله لامرأة «أضاف حاجزًا جديدًا؛ أضاف جبهة مزيفة لإخفاء ما وراءها» على طريق الوصول إلى «إستيفان/ ستيفاني» الحقيقية. من هي تلك المرأة الفلاحة التي تود لو تكون إمبراطورة وفلاحة في نفس الوقت؟ من تمقت اليهود في حين تُجَمِّل ملاحظاتها عن اليديشية؟ من تذهب للكنيس اليهودي لرؤية أوبرا فرمونتال هاليفي «اليهودية» التي تدور حول فتاة يهودية ترفض التحول إلى المسيحية – على الرغم من أنها مسيحية بالولادة- بل إنها لا تذهب فقط لمشاهدة الأوبرا، لكن تُطلق العنان لبعض تعليقاتها العنصرية ضد جمهور المشاهدين اليهود؟ من يثير غضبها العنف الذكوري في حين تكدس أدراج مكتبها بقصص إباحية عن فتيات يتعرضن للاغتصاب؟ من تشتري السيرة الذاتية لـ «هانز كريستيان أندرسون» لأجل «سوزان» – ابنتها- وتوقعها بـاسم «البجعة»؟ من تروي حكايات طويلة تبدو مستحيلة، لتكتشف ابنتها الفتاة الصغيرة لاحقًا أنها كلها كانت حقيقية وليست مجرد خرافات؟

بينما يقضي الأب وابنته وقتًا أطول معًا، تلاحظ «سوزان فالودي» أن تحوله لامرأة «أضاف حاجزًا جديدًا؛ أضاف جبهة مزيفة لإخفاء ما وراءها» على طريق الوصول إلى «إستيفان/ ستيفاني» الحقيقية.

إن والد «سوزان فالودي» لا يؤيد السياسة التصحيحية الأمريكية في مطلع القرن الواحد والعشرين، كما تتجنب ابنته الكاتبة أيضًا تسييس صورة والدها من حيث المعايير الحالية. الباحثون والنشطاء النسويون يصرون على أن الهوية الجنسية والهوية الجنسانية نطاقان في الشخصية منفصلان تمامًا. لكن تمثل «ستيفاني» تجسيدًا لخيالات ونزوات التحول الجنساني حيث الهوية النسوية هي في نفس الوقت جنسية كلية، والتي ينطوي تغيير الجنس فيها على تخيلات العنف الجنسي، والإهانة الجنسية والحياة الجنسية للفتيات وممارستها معهن.

ترفض «سوزان فالودي» مثل والدها مزاعم أن «إستيفان/ ستيفن/ ستيفاني» لديها نزعة نسوية حقيقية داخلية، والتي كانت لتُعَبِّر عن نفسها على الأقل علانية في أعقاب العمليات الجراحية للتحول. إلا أنها لم تكن عملية جراحية لتلائم الباطن مع الظاهر، بل كانت عملية جراحية لإضافة طبقات هويات أخرى وتستر لشخصيتها المعقدة.

اقرأ أيضًا: «الهولوكوست».. بين الحقيقية والدعاية الصهيونية

وربما لم يكن مستغربًا أن «ستيفاني» عندما أصابها الخرف، تساقطت كل سماتها الشخصية سريعًا. وحتى أيامها الأخيرة، لاحقها ضباط الشرطة المجرية الحاليون، وكذلك أهالي أروو كروس، بينما رفض الأطباء الاعتراف بأنها امرأة، لكن فهم الجميع أنها كانت يهودية. ذات صباح، فرَّت من مستشفى بودابيست للأمراض العقلية عندما فتح رئيس الطاقم الطبي في المشفى إحدى أسطوانات الغاز. وذات يوم، خُيّل لها أنها تصعد على متن طائرة متجهة إلى تل أبيب لتجد نفسها في نهاية المطاف ما تزال حبيسة غرفتها في نفس المشفى النفسي البائس الرث، محاطة في مخيلتها بأرفف مكتبة تكدست بكتب «هانز كريستيان أندرسن».

فشلت «فالودي» في محاولتها فك طلاسم شخصية والدها «ستيفاني»، ربما ليس مقدرًا أن تكون شخصية الأب عصية الفهم قابلة للحل من الأساس؛ فهو كالغرفة المظلمة. إلا أن الابنة تمكنت من كتابة واحد من أكثر الكتب تعقيدًا، وأكثرها روعةً في السنوات الأخيرة حول تساؤل «ما هي الهوية؟».

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد