انشغل رأس نوح بالموت منذ أن بدأ يعي الدنيا. كان يقرأ باب الوفيات يوميًّا في الجريدة، في عامه الثامن، ويدرس كل حرف بعناية. يسأل نفسه “تُرى من كان هذا الشخص؟”. ربّما يسأل أمّه أيضًا محاولًا نقل اهتمامه بالأمر إليها. لكنّها تتململ، تغمغم: “لن نعرف أبدًا”. أراد نوح أن يعرف. احتاج نوح إلى أن يعرف.

يبحث، يحقّق، يتقصّى. من كان هؤلاء الموتى؟ من تركوا وراءهم؟ كم كان عمرهم حين ماتوا؟ لماذا ماتوا؟ هل سيموت هو أيضًا؟ ووالداه سيموتان؟

بعد عقود، بدأ نوح علاجًا نفسيًا ليفهم ما أسماه بـ”هوسه بالموتى”. إنّه يريد أن يعرف كل شيء عن هؤلاء الناس في صفحة الوفيات. وأنا أريد أن أعرف كل شيء عنه. مع كل نعيٍ يحضره نوح إلىّ، نبحث معا عن قطعة جديدة من الأحجية، نطارد الأجزاء الناقصة من صور حياتنا.

“وجدتها!” يقولها نوح، بعد ساعات من البحث المضني. يستخدم Google، يملأ فراغات التواريخ والتفاصيل والأحداث في النعي. “أعتقد أنني أعرف كل شيء. والآن، يمكنني المضي قدمًا.”

لكنَّني، على عكس نوح، لم أجدها بعد. هناك الكثير من الأجزاء الناقصة في تاريخه الشخصي، وأنا أحاول الانتظار بصبر حتَّى تنساب هذه التفاصيل إلى الغرفة. أعلم من واقع خبرتي أنه، عاجلًا أم آجلًا، ستظهر الأجزاء الناقصة. كل ما عليَّ فعله هو أن أستمع في صمت، وأدعوها للظهور.

ينزعج نوح حين لا يتمكَّن من العثور على أحد أجزاء الأحجية. يمسك بالصحيفة ويقرأ لي بصوت عالٍ من متن نعي امرأة تدعى ماري. يقول نوح “انظري، كم هذا مزعج! كيف لهم أن يكتبوا أن (رونالد) كان زوجها الثاني؟ عندما نبحث على Google، نجد أن هذا الـ(رونالد) نفسه كان أيضًا المترجم لكتاب كتبته ماري منذ بضعة أعوام بالاشتراك مع زوجها الأول – الذي كان اسمه (رونالد) أيضًا!.”

أرتبك. أفكّر في نفسي مازحةً أنّها ربّما أحبّت من يحملون اسم (رونالد) فقط. أنا متابعة سيئة للتفاصيل، وهذا يجعلني أتوتر. ما زلت لا أفهم بالكليَّة اهتمام نوح بهذه الحقائق عن الموتى.

“كلا الزوجان كان اسمهم رونالد، هل هذا ممكن؟ رونالد ثمّ رونالد آخر.” يعدُّهم مرة أخرى كما لو كان يريد أن يوضِّح أن هناك شيئا ما وراء تشابه الأسماء، شيئا أكبر مما نرى للوهلة الأولى.

يتشبّث نوح بالموتى في عقله، ويرفض تركهم يرحلون. ينغمس في قصصهم كما لو أنه صاحبها. وبهذه الطريقة، يصبحون لا أحياءً، ولا موتى، وإنما أشباح بين عالمين، لا يمكنه رؤيتهم ولكنهم متواجدون بقوة في حياته – وحياتي الآن أيضًا.

أدرك، إذ أنضمّ مع نوح في بحثه، أن الأشباح – أشباح الموتى، وأشباح ماضيه – تطاردنا معًا. دائمًا ما ينقص علمنا عن القدر الذي نريد.

سألته مرّة، في محاولة لتخيّل عائلته: “كم كان عمر والدتك حين وُلدت؟”

يجيب “44 عامًا على ما أعتقد. كانت عجوز، أليس كذلك؟”

هو في هذا العمر تقريبًا، لكنَّه لم ينجب.

“هل أنت عجوز؟”

“أظنّ ذلك. أن تنشأ كطفل وحيد لأبوين في منتصف الأربعينات من العمر، ليس هذا بالشيء السهل. ولسبب ما كنت دائمًا ما أتخيّل أن لي أخًا توأم، مات أثناء الولادة. لكن هذا لم يحدث. اعتادت أمّي أن تتضايق كثيرًا عندما أمزح بشأن هذا الأمر. رأت الأمر جزءًا من أفكاري المجنونة حول الموت والموتى. تخيّلت أن كلانا كان نوحًا. نوح واحد ونوح اثنان، مثل الشيء واحد والشيء اثنان في قصة د. سيوس.”

المصدر: graphics8

تخيّلت أن كلانا كان نوحًا، المصدر: graphics8

“وهل أنت نوح واحد أم نوح اثنان؟”

“بالطبع أنا نوح اثنان، هل أبدو كنوح واحد؟” يردّ مازحًا. “يذكّرني الأمر برونالد واحد ورونالد اثنان، زوجي ماري. هل تظنِّين أنَّها أحبَّتهما بذات القدر؟ ألا تعتقدين أنّها تزوّجت رونالد اثنان لأنها افتقدت رونالد الأول كثيرًا، وتمنَّت لو كان حيًا؟”

أستمع إلى نوح. أفكّر في الطفل الوحيد الذي كانه، مشغولًا بفكرة موت والديه، وبخيالاته الغريبة عن أخيه الذي لم يوجد. هناك الكثير من الفراغات في روايته، الكثير من التفاصيل المفقودة. وفي جلسات العلاج نحاول أن نملأها: أن نتخيّل من كان نوح قبلًا؛ أن ندرك المعنى وراء أحلامه وخيالاته؛ أن نفهم توقه الشديد كطفل إلى أخ، هذه المعاناة التي شعر بها دومًا لكن لم يتمكن من تسميتها.

توقف نوح، بمرور الوقت، عن البحث في تاريخ الموتى، وبدأ الحديث عن خساراته النفسية. نتحدث عن أخيه الميِّت باعتباره يمثِّل الأجزاء الميّتة من نفسه؛ اكتئابه وانسحابه عن العالم، والحاجز العاطفي بينه وبين والديه، رغم أنّها ما زالا في حياته. أمّه، على وجه الخصوص، صدمته دومًا بانقطاعها عنه، كما لو أنها مستهلكة عاطفيًا في شيء آخر تركته خلفها.

كلنا لدينا أشباحنا. لكن، كما كتب المحلّلان النفسيان (ماريا توروك) و(نيكولاس أبراهام)، فإن “ما يطاردنا ليس الموتى، ولكنّها الفراغات التي بداخلنا، الأسرار التي احتفظ بها الآخرون.” كانا يتحدّثان عن الأسرار التّي تتناقلها الأجيال، والتجارب غير المعالجة. في كثير من الأحيان لا تحمل هذه التجارب صوتًا أو صورةً معينة متصلة بها، ولكنّها تهيم في عقولنا برغم كل شيء. نحن نحمل عواطف ترجع إلى آبائنا وأجدادنا، نحمل هزائمهم التي لم يتحدّثوا عنها بشكل كافٍ. نحن نشعر بصدماتهم حتّى وإن لم نكن ندركها بشكلٍ واعٍ. أسرار العائلة تعيش بداخل كلّ واحد فينا.

في ليلة سبت، وصلتني رسالة على البريد الإليكتروني من نوح. كتب:

“د. أطلس،

حدث أمران صادمان هذا الصباح. لم أستطع الانتظار حتَّى موعد الجلسة لأخبرك.”

الأمر الأوّل أن أمّه توفيّت هذا الصباح، أمّا الثاني..

“بينما أحتضن والدي، أخبرني أن هناك سرا لم يرد هو وأمّي أن يثقلاني به قبلًا. قال أنّهما قرّرا أنني لن أعرف بالأمر حتّى يموت أحدهما. السرّ هو أنّ والداي رزقا بابن آخر قبلي بعام، وفقداه قبل أن أولد.

جعل والداي قبريهما إلى جانب قبر نوح الصغير. سندفن أمّي هناك غدًا عصرًا. نوح واحد دُفن هناك قبل 44 عامًا وعمره 8 شهور، قبل أن أولد بقليل، ويسمّيني أبواي نوحا، خلَفًا له. لم يرد أبواي أن يثقلاني بهذا السرّ، لكيلا يسبّبا لي الألم، أو الإنهيار.”

بعد عقود من البحث، استطاع نوح اثنان أن يكمل تفاصيل النعي.

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد