قال كل من لاف داي موريس وسفيان طه في تقرير لهما في صحيفة «واشنطن بوست» إن العجوز عيد جهالين – يبلغ من العمر 51 عامًا – الذي نشأ على رعي الأغنام في قرية خان الأحمر في الضفة الغربية المحتلة لم يكن يتخيل يومًا أنه سيلقي كلمة في الكونجرس الأمريكي.

وأوضح الكاتبان أنه ذهب إلى الولايات المتحدة لمناشدتها التصدي للجرافات الإسرائيلية التي تهدد بتدمير القرية الصغيرة، التي لا يزيد عدد سكانها على 173 شخصًا. قد يتساءل البعض عن سبب الصراع على قرية فقيرة للغاية مساكنها آيلة للسقوط ومحاطة بزرائب البهائم. ليكتشفوا أن موقعها الاستراتيجي يضعها في قلب الصراع بين الفلسطينيين والإسرائيليين.

تكمن أهمية قرية خان الأحمر والقرى المحيطة أنه في حالة هدمها ستنقسم المناطق الفلسطينية في الضفة الغربية إلى نصفين، أحدهما سيكون معزولاً عن القدس الشرقية، مما يعني دفن حل الدولتين إلى الأبد.

يؤكد الكاتبان أن الصراع على تجمع القرى في هذه المنطقة قديم، لكن القضاء الإسرائيلي حكم بأن عملية الإخلاء قانونية، وتستعد حكومة نتنياهو لبدء عملية الهدم، على الرغم من تنديد العديد من الدول الأوروبية – على رأسها بريطانيا وفرنسا – ومنظمات حقوق الإنسان بعملية الإخلاء القسري بوصفها «جريمة حرب»، فيما غضت الولايات المتحدة الطرف عن الأمر.

تتهم السلطة الفلسطينية أمريكا بمؤازرة إسرائيل، إذ سمح ترامب لليهود بالتعدي على حقوقهم بدون أدنى اعتراض. قال جهالين أمام جمع من المشرعين الأمريكيين من كلا الحزبين «يريد الإسرائيليون تبديد آخر أمل لنا في دولة مستقلة». كان «تحالف إعادة البناء» – وهو منظمة غير ربحية أمريكية – هو من جلب جهالين إلى واشنطن.

وينوه الكاتبان إلى أن المتحدثة باسم مجلس الأمن القومي الأمريكي تجنبت الحديث في الأمر بزعم أن «الأمر بيد القضاء»، وأضافت «إننا نشجع الطرفين على توفير الظروف المناسبة لبدء مفاوضات تؤدي إلى سلام شامل ودائم».

ويقول المسؤولون الإسرائيليون إن السلطات الفلسطينية تتلاعب بالبدو، وهم عرب رحل جابوا منذ فترة طويلة المناطق الصحراوية في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، لأغراض سياسية. ويشير المسؤولون إلى أن أهالي خان الأحمر عرض عليهم موقع بديل بالقرب من ضاحية أبو ديس في القدس. لكن السكان يقولون إنهم مصممون على البقاء.

الجرافات الإسرائيلية تواصل هدم بيوت الفلسطينيين

ويقول فيصل أبو داهوك، وهو راع كان يجلس تحت مظلة شبكية في ساحة مدرسة خان الأحمر بنيت بتمويل من الاتحاد الأوروبي: «لقد ولدت هنا».

تسيطر قبيلة الجهالين على القرية – يضيف الكاتبان – وكان الجيش الإسرائيلي قد طردهم من صحراء النقب في جنوب إسرائيل في بداية الخمسينيات. ثم جرى ترحيلهم إلى منطقة كفار أدوميم في الضفة الغربية في عام 1952، ليتم نقلهم مرة أخرى إلى موقعهم الحالي عندما بُنيت مستوطنة إسرائيلية هناك.

في عام 1954، حصل العديد من البدو الذين بقوا في الأراضي الإسرائيلية على حق المواطنة، ولكن لم يتم منح من أعيد توطينهم من الجهالين الجنسية. وقد خدم الآلاف من البدو الإسرائيليين في الجيش الإسرائيلي، كثير منهم باعتبارهم مقتفي آثار، ولكن حتى داخل إسرائيل، تعيش جماعات البدو غير المصرح بها تحت التهديد بالإخلاء.

خان الأحمر نموذجًا.. إسرائيل تحكم سيطرتها على محيط القدس بتهجير الفلسطينيين

لطالما أثرت القيود الإسرائيلية على أسلوب حياة المجتمعات البدوية – يواصل الكاتبان حديثهما. يقول أبو داهوك: «منعتنا إسرائيل من التنقل بطريقة أو بأخرى. إنها منطقة عسكرية أو مستوطنة». تطل القرية على مستوطنة كفار أدوميم التي أنشئت عام 1979. «لا يسمح لنا ببناء غرفة واحدة حتى» يقول أبو داهوك. اضطر أهالي القرية إلى بناء المدرسة الوحيدة من الإطارات والطين للتحايل على القيود.

تزعم إسرائيل أن قرية خان الأحمر بُنيت بالمخالفة للقانون – يقول الكاتبان – على الرغم من أن معظم المجتمع الدولي يؤكد أنه مستوطنة كفار أدوميم هي التي بُنيت بشكل غير قانوني. يقول سكان القرية البدوية إنهم لم يحصلوا أبدًا على فرصة للحصول على تصاريح بناء. توفر الحكومة الإسرائيلية للسكان موقعًا بديلًا، لكنهم يقولون إنه غير مناسب، حيث يقترب من مكب النفايات ويقع على مسافة بعيدة من أراضي الرعي.

لكن البدو حصلوا على دعم من جهة غير متوقعة – يكشف الكاتبان – وهي مجموعة من سكان كفار أدوميم. وقال عزرا كورمان «56 عامًا» – وهو مرشد سياحي – إن مقالًا نشرته مجلة إسرائيلية عن القرية دفعهم الى التحرك. كتبت مجموعة مكونة من 41 شخصًا من المستوطنين رسالة لدعم البدو تم تقديمها إلى المحكمة، حاثين فيها على التوصل إلى حل مقبول لعائلات خان الأحمر.

فلسطين

حل الدولتين على وشك الموت

وقال كورمان «قررنا أن نساعدهم من منظور إنساني. نعرف أنهم كانوا هنا قبل أن نأتي. إنهم جيراننا». لكن أمثال كورمان هم الأقلية. ففي الأسبوع الماضي، تجمع أفراد من مجموعة يمينية على قمة تل يطل على القرية، وأظهروا تأييدهم للهدم، ورفعوا الأعلام الإسرائيلية. ويؤكد الكاتبان أن السكان يستعدون للأسوأ، حيث أعلنت قوات الأمن أن المنطقة منطقة عسكرية مغلقة. ومُنع الصحفيون والنشطاء من دخول القرية. فاضطروا لعبور التلال للوصول إليها. توغلت الجرافات الصفراء في الماضي بينما كان الأطفال يلعبون تحت أشجار فناء المدرسة.

في أواخر الأسبوع الماضي، حصلت القرية على مهلة عندما وافقت المحكمة العليا الإسرائيلية على عريضة منفصلة تقول إن السلطات الإسرائيلية لم تفحص خطط سكان خان الأحمر لقريتهم. أعطت المحكمة مهلة حتى يوم الأربعاء للقيام بذلك. وأدى صدور أمر إضافي يوم الاثنين إلى تأخير النقل القسري لسكان القرية حتى الأسبوع القادم على الأقل.

ينقل الكاتبان عن جماعات حقوق الإنسان اليسارية اعتبارها أن إزالة القرية قد تكون بمثابة جريمة حرب. رفض متحدث باسم مكتب رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو التعليق على الأمر، لكن إسرائيل تزعم أن الحكومات في جميع أنحاء العالم تعيد تقسيم المناطق وتنقل السكان. بالنسبة لسكان القرية، تستمر حالة عدم اليقين على المدى الطويل. وقالت تحرير أبو داهوك، أم لأربعة أطفال وتبلغ من العمر 44 عامًا، «نحن ننام ونستيقظ خائفين. اتركونا وشأننا. هذا هو أفضل مكان لنا».

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد