أدت العوامل السياسية والاجتماعية والاقتصادية إلى موجة هائلة من الهجرة التي تزايدت على مر السنين. وتشير التقديرات الحالية إلى أن نسبة السكان المغاربة المقيمين في الخارج تبلغ 15%.

انتقدت الصحفية المغربية – الأمريكية سامية الرزوقي الأوضاع المعيشية الصعبة التي تدفع الآلاف من المغاربة إلى الهجرة ومغادرة البلاد والمخاطرة بحياتهم.

جاءت تعليقات الرزوقي، وهي طالبة دكتوراه في جامعة كاليفورنيا، في مقال نشرته في صحيفة «واشنطن بوست» الأمريكية بعد أيام قليلة من حادث مقتل الشابة حياة بلقاسم بعدما أطلقت البحرية المغربية النيران على زورق يقل مهاجرين في البحر المتوسط، بعد أن رفض قائد الزورق الاستجابة للتحذيرات، بحسب ما ذكرت السلطات.

كانت بلقاسم التي ولدت في مدينة تطوان في شمال المغرب ستبدأ عامها الثاني في كلية الحقوق. ومع ذلك، ومثل الملايين من المغاربة الآخرين، لم يكن لديها أي أمل في مستقبل مشرق في بلدها، واتخذت الخيار الصعب لعبور البحر المتوسط بحثًا عن حياة أفضل في أوروبا.

مترجم: ما السبب الحقيقي لإعادة المغرب نظام التجنيد الإجباري للشباب؟

في 25 سبتمبر (أيلول)، عندما كانت على متن قارب متجه إلى إسبانيا مع أكثر من 20 آخرين، أطلقت البحرية الملكية المغربية النيران، مما أسفر عن إصابة العديد من المهاجرين ومقتل بلقاسم. ووفقًا لبيان رسمي، بررت البحرية استخدامها للعنف بزعمها رفض قائد السفينة الإسباني التوقف. وقد أثارت ظروف وفاتها على أيدي الجيش المغربي، وهو حدث لم يسبق له مثيل، سخطًا واسع النطاق.

سنوات الرصاص

سنوات الرصاص هي فترة السبعينات والثمانينات التي شهدت عنفًا متفشيًا من قبل الشرطة، وندرة في فرص العمل وارتفاعًا في تكلفة المعيشة

لكن الكاتبة رأت أن الدوافع وراء محاولة بلقاسم لمغادرة بلدها ليست شيئًا جديدًا. فقد كان والداها (أي الكاتبة) من بين جيل من المغاربة الذين عاشوا في فترة عرفت باسم «سنوات الرصاص»، وهي فترة السبعينيات والثمانينيات التي شهدت عنفًا متفشيًا من قبل الشرطة، وندرة في فرص العمل وارتفاعًا في تكلفة المعيشة. أدت هذه العوامل السياسية والاجتماعية والاقتصادية إلى موجة هائلة من الهجرة التي تزايدت على مر السنين. وتشير التقديرات الحالية إلى أن نسبة السكان المغاربة المقيمين في الخارج تبلغ 15%.

وتابعت الكاتبة: «كان والداي جزءًا من هذه الموجة من الهجرة. بعد العيش في مدينة كان الوصول فيها للماء محدودًا لعدة ساعات في اليوم، غادروا المغرب في أوائل الثمانينات واستقروا في جنوب شرق العاصمة الأمريكية واشنطن. وكانت جداول عملهما المزدحمة، حيث عملا نادلين في مطعم (Knickerbocker Grill) القديم في حي كابيتول هيل، تعني أنني سأقضي معظم وقتي مع جدتي، التي انضمت إلى والدي بعد بضع سنوات من وصولهم. من خلال قضاء الوقت معها، بدأت أتعلم كيف كان الوضع صعبًا بالنسبة لعائلتي والعديد من المغاربة العاديين الآخرين».

ووصفت الكاتبة كيف كان قرارها بالانتقال إلى المغرب قبل ثلاث سنوات ضد رغبات والديها، الذين لم يستطيعا استيعاب فكرة عودتها إلى المكان الذي تركوه من أجل تأمين حياة أفضل لها. عاشت الكاتبة معظم هذه الفترة في نفس حي الطبقة العاملة حيث أمضى والدها طفولته. وبحكم عملها كصحفية فقد لاحت لها فرصًا كثيرة للسفر في جميع أنحاء البلاد، ومقابلة مغاربة من جميع الخلفيات، والإنصات لكفاحهم ورؤية الظروف نفسها التي أجبرت والديها وملايين الآخرين على الفرار.

وأضافت: «بعد بضع سنوات، انتهى بي المطاف بالعودة إلى الولايات المتحدة – لأسباب تشبه إلى حد كبير تلك التي دفعت والدي إلى الرحيل. على عكس بلقاسم، على الرغم من ذلك، كان لي شرف المواطنة المزدوجة، لذلك لم يكن لدي ما أخشاه».

30% بدون وظائف

أدى القرار الأخير للحكومة بإعادة الخدمة العسكرية الإلزامية لجميع المغاربة الذين تتراوح أعمارهم بين 19 و25 عامًا إلى تفاقم المشكلة.

وفقًا للكاتبة، تشير جميع المؤشرات اليوم بشكل مقلق إلى استمرار «سنوات الرصاص» تحت قيادة الملك محمد السادس. يواجه المحتجون بانتظام عنف الشرطة ومحاكمات جائرة وأحكامًا بالسجن. يتم سجن أو إبعاد الصحافيين المعارضين. وبات أكثر من 30% من خريجي الجامعات غير قادرين على العثور على وظائف.

وتتفاقم هذه المشاكل بسبب العنف والمضايقات الجنسية السائدة، وهو واقع انعكس مؤخرًا في حالة خديجة أوككارو، وهي فتاة صغيرة اختُطفت وتعرضت لاغتصاب جماعي وتعرضت للتعذيب. وأدى الغضب من معاملة الضحية إلى مطالب جديدة بالإصلاح وإدانة العنف الجنسي من خلال وسم #Masaktach.

تتصاعد المعارضة والإحباط في المغرب، مما يدفع بالكثير من الناس إلى المخاطرة بالرحلة إلى أوروبا. وأدى القرار الأخير للحكومة بإعادة الخدمة العسكرية الإلزامية لجميع المغاربة الذين تتراوح أعمارهم بين 19 و25 عامًا إلى تفاقم المشكلة. هذا العام وحده، يدعي المسؤولون المغاربة أنهم منعوا حوالي 54 ألف محاولة لعبور أوروبا، 13% منهم من قبل المغاربة.

وقد أظهرت مقاطع الفيديو التي انتشرت على مواقع التواصل الاجتماعي مجموعات من المغاربة الذين يفرون من البلاد بالقوارب، متجهين إلى إسبانيا، وغالبًا ما كانوا يرددون شعارات احتجاج كانت شائعة خلال حركة «حراك» التي بدأت في نوفمبر (تشرين الثاني) 2016. وفي حالة أخرى، أعلن الآلاف من المقيمين في الأحياء الفقيرة في الدار البيضاء أنهم سوف يسيرون إلى المدينة الإسبانية سبتة ويطالبون باللجوء السياسي بعد أن هدمت السلطات منازلهم. ويظهر مقطع فيديو آخر للسكان المحليين في تطوان وهم يسيرون وهم يلوحون بالعلم الأسباني ويرددون «الشعب يريد اسقاط الجنسيه»، على غرار الشعار الذي كان يردده المتظاهرون خلال احتجاجات الربيع العربي «الشعب يريد اسقاط النظام».

وقالت الكاتبة: إنه وعلى الرغم من المشاكل المتزايدة في بلده، كان الملك محمد السادس غائبًا إلى حد كبير. يسافر إلى الخارج في كثير من الأحيان، وهي العادة التي أكسبته ألقاب مثل «الملك الافتراضي» و«الملك الغائب». منذ أن هزت احتجاجات الربيع العربي في عام 2011 المغرب، أضاعت القيادة فرصًا كبيرة لمعالجة المظالم الخطيرة للسكان. ومع استمرار تدهور الوضع، لا يقوم المغرب بخلق شتات جديد فحسب، بل يقوم أيضًا بتخزين الوقود اللازم للانفجار الداخلي.

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد