بدءًا من الرؤى الكبرى التي تفشل مع رحيل رئيس البلاد، إلى المباني التي تُهدَّم قبل أن تتاح الفرصة لحمايتها بوصفها تراثًا.. كتاب جديد يكشف الأوضاع التي ربما كانت عليها عاصمة مصر.

نشرت صحيفة الجارديان البريطانية مقالًا لأوليفر وينرايت، الناقد الصحفي الذي عمل مهندسًا معماريًّا قبل أن يصبح صحفيًّا ودرس الهندسة المعمارية في جامعة كامبريدج، تحدث فيه عن كتاب «الدليل المعماري الجديد، القاهرة منذ عام 1900» الذي ألفه الباحث والمؤرخ المعماري المصري، محمد الشاهد.

وفي مستهل مقاله، تحدث الكاتب عن برج فورتيه الذي يطل على حي الزمالك الأرستقراطي الراقي في وسط القاهرة، ويقف في شموخ باعتباره أطول مبنى في مصر خلال الـ30 عامًا الأخيرة، ومع ذلك لا يزال البرج غير مكتمل البناء ومهجور.

وتطوق مجموعة من النوافذ مستدقة الطرف المصممة على طراز العمارة الإسلامية الطابق العلوي من هذا البرج الرائع المصمم على شكل اسطواني، مما يوحي بأن هناك تاجًا مهجورًا يلوح في الأفق، مثل المضيف الذي أعدَّ حفلة وينتظر ضيوفًا لن يأتوا أبدًا.

منوعات

منذ سنة واحدة
مترجم: رحلة التابوت المسروق من القاهرة إلى متحف المتروبوليتان.. ماذا حدث؟

القاهرة: مانهاتن جديدة

وأوضح الكاتب أن حكاية هذا البرج بدأت في سبعينيات القرن الماضي، عندما وُضِعت التصميمات والخطط لبناء مبنى يبلغ ارتفاعه 166 مترًا ويضم فندقًا ساحرًا مكونًا من 450 غرفة، فضلًا عن مطاعم ومتاجر وملهى ليلي.

وكان من المقرر أن يكون هذا المبنى بمثابة الجزء الأول من «مانهاتن جديدة في مصر»، وهي مجموعة من ناطحات السحاب التي تصوَّر الرئيس الراحل أنور السادات أن تشق عنان السماء من فوق أرض الجزيرة الواقعة في منتصف النيل، لتُبرِز موقع القاهرة على المسرح العالمي.

لكن بعد اغتيال السادات عام 1981، توقف المشروع حين واجه عديدًا من الصعوبات. وفي عهد الرئيس اللاحق، حسني مبارك، دخل المطور العقاري في معارك للحصول على تصاريح وتراخيص البناء، ورأى المشروع غارقًا في دعاوى قضائية أوقفته في نهاية المطاف. وتُرك هذا الهيكل الشاهق فارغًا كالجثة الهامدة منذ ذلك الحين، فيما توجد صالة عرض واحدة مؤثثة بالمفروشات والمصابيح وجهاز تلفزيون قديم تقف شاهدة على بقايا الحلم.

Embed from Getty Images

يقول محمد الشاهد، مُؤلّف كتاب «الدليل المعماري الجديد، القاهرة منذ عام 1900»: «يلخص هذا المبنى الحالة المصرية؛ إذ يحصل المطور العقاري على إذن مباشر من رئيس الجمهورية، ثم يأتي رئيس آخر مع دائرة رجال أعمال خاصة به يريدون أن يحصلوا على جزء من الكعكة. ولكن المستثمر الأصلي يرفض، فيتوقف المشروع ويُصرَف النظر عنه. أيُّ نوعٍ من المدن هذه المدينة التي تسمح بتشكيل بيئة البناء فيها بهذه الطريقة»؟

وذكر الكاتب أن الدليل الذي يقدمه محمد الشاهد يعدّ نموذجًا مثيرًا بفضل سنوات عديدة من البحث والتنقيب في أعماق المحفوظات العشوائية. ويتناول الكتاب 226 مبنى، بعضها غير مكتمل، وبعضها هُدِم، وبعضها لم يُشرَع في بنائه من الأساس. ومن بينها مبانٍ عديدة عادية، بمعنى أنها ليست من نوعية المباني التي يَعُدَّها المؤرخون بالضرورة جديرة بالتبجيل. وهذا هو مربط الفرس بالتحديد.

يقول الشاهد، الباحث والمؤرخ المعماري الذي أسس مدونة Cairobserver: «ليس الغرض من الكتاب أن يكون مجرد عينة من القاهرة كما هي الآن، ولكن أن يكون سجلًا لما كان أو لما كان يمكن أن يكون في السابق. لقد هُدِم جزء كبير من المدينة قبل أن نكتشفه ونوثِّقه. وهذا يعني أنه على الرغم من جهود التطوير المتعاقبة لأجيال، فإن القاهرة ليست مكانًا يمكنك التجول فيه والشعور بعبق التاريخ حقًا، أو تحديد مَن فعل ماذا ومتى فعله؛ إنها مشوشة للغاية».

تجارة سرية مربحة

ولفت الكاتب إلى أن الشاهد تحمَّس لجمع الكتاب وترتيبه بعد أن شهد جيلًا جديدًا من المهندسين المعماريين المصريين لا يهتمون، من وجهة نظره، اهتمامًا واضحًا بالتاريخ الحديث لمدينتهم. يقول: «إن الهندسة المعمارية في القرن العشرين هنا عبارة عن نقطة عمياء ضخمة. يتعلم الطلاب أشياء غير ذات صلة بالواقع العملي ويُقدِّمون تصميمات هندسية قد تكون مناسبة لمدينة نيوجيرسي».

وإلى جانب ذلك، كما يقول الشاهد، هناك زيادة مخيفة في وتيرة الهدم. وتتطلب قوانين التراث المصري أن يكون عُمْر المبنى 100 عامًا على الأقل قبل أن يُنظَر فيه باعتباره مبنى أثريًّا يستحق الحماية، وكان ذلك بمثابة موعد نهائي للملاك لإتلاف مبانيهم أو هدمها عن قصد قبل أن يصل عمرها إلى مائة عام.

Embed from Getty Images

وكما كتب في مقدمة الكتاب، أدَّى ذلك إلى ظهور «تجارة سرية مربحة متخصصة في إلحاق الضرر على نحو غير واضح بالمباني الجديرة بأن تكون مبانٍ تراثية بينما هي سليمة من الناحية الهيكلية، وذلك لتجنب إدراجها وحمايتها وتهيئة الأجواء والظروف لإصدار تصريح بهدمها».

وتتراوح التقنيات المُستخدَمة في ذلك بين تخريب الأساسات إلى حقن هيكل المبنى بالحمض لتسريع الاضمحلال وتشجيع الانهيار. وعلاوةً على ذلك، وفي سياق الحضارة المصرية، فإن المائة عام مجرد ومضة. يقول الشاهد: «كثيرًا ما نسمع أننا بلد عمره 7000 عام. وإذا طبعتَ هذه الفكرة في ذهن الجمهور، فإن المبنى الذي يعود تاريخ بنائه إلى 50 عامًا لا يُعد شيئًا. ووُضِع تاريخ الحداثة في طي الكتمان على الأغلب، وكان يُنظر إليه على أنه قطرة صغيرة في دلو».

إن كتابه بمثابة دعوة للتحرك وفعل شيء، إنه صرخة حاشدة لإلقاء نظرة أخرى على النسيج اليومي لهذه المدينة الغنية بالطبقات.

ويوضح اختيار المؤلف للمباني مجموعة مذهلة من الأساليب التي استُخدِمت بحرية عبر القرن، والتي روَّج لها قادة سياسيون متعاقبون وعبَّروا عن رغبتهم في استبدال ما بُنيَ من قبل. فهناك النماذج المزخرفة المملوكية الحديثة في أوائل القرن العشرين (صممها على الأغلب مهندسون معماريون أوروبيون كانوا يعملون في القاهرة، محاولين أن يراعوا «السياق» الذي يعملون فيه)، والتجارب الجريئة مع الحداثة والوحشية الدولية في الخمسينيات والستينيات في عهد الرئيس ناصر، والبحث المتجدد عن الهوية في السبعينيات، مع إحياء العمارة العامية.

تليها عمارة ما بعد الحداثة المتضخمة المكسوة بزي مصري فاخر قديم. وأخيرًا، هناك عدد قليل من أوهام الخيال العلمي التي لم تخرج أبدًا من لوحة الرسم لتُنفَّذ على أرض الواقع. إن الأمر مشوش ومثير للانتباه مثل تجربة المشي في شوارع القاهرة النابضة بالحياة.

فكرة الأسلوب

وأشار الكاتب إلى أنه من بين هذا العراك، يخرج سيد كريم، مصمم حوالي 30 مبنى في الكتاب. بعد دراسته في سويسرا، عاد كريم ليؤسس مجلة العمارة عام 1939، وهي أول مجلة معمارية تصدر باللغة العربية في العالم، وقد دافع عن نوع من العمارة الحديثة المتجذرة في السياق المصري.

ومبنى أوزونيان (1949) وبرج الزمالك (1953) عبارة عن كتل خرسانية مع مصدات للشمس (وسائل تظليل) كسمة بارزة على الواجهة، بينما شهدت خطته لحديقة ميريلاند سلسلة من الستائر الخرسانية التعبيرية المنتشرة حول المناظر الطبيعية المبهجة . لكن الشاهد يصر على أن الأسلوب أقل ما يشغل بال كريم.

Embed from Getty Images

يقول: «لم يكن الحداثيون المصريون مهووسين بفكرة الأسلوب كنظرائهم الغربيين. وكانوا مهتمين باستخدام المواد وتقنيات البناء المتاحة في مصر، بدلًا من تطبيق أسلوب نمطي. وفي مجلة «العمارة»، لا تشير كلمة «حديث» صراحة إلى الأسلوب ولكن تستخدم للإشارة إلى آخر التطورات ومواد البناء». ويعتقد الشاهد أن عدم وجود عقيدة أسلوبية خالصة هو السبب الحقيقي في تجاهل هذا النوع من الهندسة المعمارية.

وهناك عدد من المباني الشاذة الغريبة في الكتاب أيضًا، والتي يبدو أنها تتحدى الاتفاقيات التي تعاقد عليها المصمم تمامًا.

فيلا بدران للمعماري جمال بكري، التي بُنيت عام 1971، باعتبارها تمردًا ضخمًا ضد انتشار الحداثة المخففة في جميع أنحاء العاصمة. يتميز المبنى بمظهر أساسي متجانس، ويتكون من أشكال تشبه الصخور المنتفخة المتصلة ببعضها البعض عبر شرفات مزروعة. كما أن الكنيسة الخرسانية المسلحة، التي صممها صديق شهاب الدين في عام 1955، أصلية بالقدر نفسه، وتبدو مثل هيكل مضلَّع لقارب مقلوب.

ثم هناك مسجد الرحمة الغامض في مدينة نصر، الذي بناه حسن رشدان في عام 1982، والمبنى يضم هرمًا ثماني الشكل تعلوه قبة. وفي هذه الأثناء، تصل جهود إحياء التراث المصري القديم إلى ذروته في شكل المحكمة الدستورية العليا، التي صممها أحمد ميتو في عام 1999 (تغير التصميم كثيرًا عن التصميم الأصلي، كما يزعم)، ويضم المبنى أعمدة معبد ضخمة وعملاقة تنطلق من بوابات أساسية مستدقة الطرف. إنها مائدة غنية بألوان الطعام للتأمل فيها، ولكن هناك فجوة ملحوظة عندما يتعلق الأمر بأمثلة من العمارة المعاصرة البارزة.

ويختتم الكاتب مقاله بقول الشاهد: «يوجد اليوم عدد غير مسبوق من الإنشاءات في مصر. نحن نبني عاصمة إدارية جديدة ومدنًا أصغر إلى جوارها، ولكن من المفارقات، أنه ليس هناك تقريبًا وجود للمهندسين المعماريين في الحياة العامة. هناك فجوة واضحة للغاية بين من لديه حق الوصول إلى خدمات المهندس المعماري ومن ليس له هذا الحق، وبين شريحة المجتمع التي تخفي نفسها الآن خلف الجدران الكبيرة. وبينما تراجعت النخبة داخل مجتمعاتها المسورة، اختفت الهندسة المعمارية».

مجتمع

منذ 11 شهر
مترجم: كيف تقضي البيروقراطية على قلب القاهرة التاريخي؟

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد