عبدالحكيم القائد الشيشاني، حياة بدأت بطفولة وسط الحرب، فاتخذ الحرب طريقة للحياة.

«لم يكن يعرف حينها أن قرار هروبه من أرض الوطن كان خروجًا بلا عودة».

«رأيت كل شيء». هكذا لخص عبد الحكيم الشيشاني ما شهده في عمر الثانية عشر أثناء حرب الشيشان الأولى عام 1994. رأى كيف قتلت أمته حتى قبل ظهور تميمة الحرب على الإرهاب. رأي الطائرات لم تذر على الأرض ديارًا، قتلت النساء، الرجال، الكل على السواء.

رحلة «رستم أزييف» أو المشهور بـ«عبد الحكيم»، من طفولة في موطنه الشيشان الذي دمرته الحرب في التسعينات، لحبه لفنون القتال، ثم صحوة نداء الجهاد داخله لتحرير وطنه، وإقامة حكم الله. استيقظ نداء الجهاد داخله، وبدأ رحلته لتلبيته، فانتهى به الحال الآن قائدًا لفصيلة «أجناد القوقاز» وهو في عمر الثلاثين، قائدًا مسؤولًا عن مقاتليه وأسرهم، سواء مَن على الجبهة في سوريا، أو القتلى، أو المعتقلين لدى السلطات التركية أثناء عبورهم الحدود.

ماذا يفعل عبد الحكيم في تركيا؟ وأين يعيش؟ وكيف هو الحال للمقاتلين منذ بداية الحرب في سوريا وحتى فترة ما بعد التفجيرات الإرهابية في تركيا؟ كيف يختلف عن بقية التنظيمات في رأيه؟ بالإضافة للعديد من الأسئلة حول حياة الرجل، أو الأمير، أو الإرهابي، أيًّا كان تصنيفه.

لم تكن تلك المقابلة الأولى للصحفي «مارسين مأمون» مع عبد الحكيم، يعمل مارسين لدى موقع «ذي إنترسيبت» المجلة الأمريكية التي اشتهرت بكونها منصةً لنشر تقارير «إدوارد سنودن» المسربة. كانت المقابلة الأولى في 2014، وظل على تواصل مع وسيط فترة طويلة، حتى قرر عبد الحكيم أخيرًا مقابلته شخصيًّا. تقابلا حينها في حي «أق سراي»  في إسطنبول، المعروف بكونه مركزًا للتجار والمهاجرين من دول الاتحاد السوفيتي سابقًا.

أما هذه المقابلة فكانت في خريف 2015، ولم يُخْطَر بمكان المقابلة، استقل سيارة أجرة إلى حي «باساكسهير»، على أطراف مدينة إسطنبول، عند البازار الكبير كما أخبره الوسيط على الهاتف. وصل بالفعل وانتظر طويلًا، ربما انتظروا فترة كافية ليتأكدوا أنه لم يكن مراقبًا.

لماذا قد يختار مدينة إسطنبول للاختفاء؟

لعله أحد الأسئلة التي تتبادر للذهن عند معرفة أن قائد فصائل «أجناد القوقاز»، المصنفة على أنها إرهابية، يختبئ في مدينة لا تنام، سواء حي «أق سراي» (المركز التجاري)  في المقابلة الأولى، أو«باساكسهير» في الثانية. يصف «مارسين» مدينة إسطنبول فيشبهها بقاعة الانتظار الكبيرة في محطة قطار مركزية، مدينة بها تدفق مستمر من المسافرين والمهاجرين والسياح دخولًا وخروجًا، هنا تحديدًا من السهل ألا يلاحظك أحد، وهو ما اعتمد عليه المجاهدون الذين حاولوا العبور إلى سوريا. فمن الصعب معرفة أعداد الشيشانيين تحديدًا في المدينة؛ نظرًا لسهولة تخفيهم بين الأجانب الآخرين من روسيا ودول آسيا الوسطى: أوزباكستان وكازاخستان وطاجيكستان.

عبدالحكيم.. إسطنبول قبل وبعد الهجمات الإرهابية

لم يعد الوضع في إسطنبول بالسهولة التي كان عليها للمجاهدين الشيشان. لم يولِ الغرب اهتمامًا يُذكر بالشيشانيين الذين يسافرون إلى سوريا من قبل، وتحديدًا قبل الهجمات الإرهابية على تركيا، سواء في إسطنبول أو أنقرة أو غيرهما من المدن، لا سيما وقد أظهرت التحقيقات أن العقل المدبر لتفجيرات مطار إسطنبول الأخيرة في يونيو/ حزيران كان شيشانيًّا. لاحظ «مارسين» التغيرات في تعامل المدينة مع المهاجرين، إذ تغيرت إجراءات مراقبة المقاتلين القوقاز وغيرهم من ميلشيات دول الاتحاد السوفيتي سابقًا، الذين يعبرون إلى سوريا من خلال تركيا. وعجت المدينة برجال الشرطة، فآثر المجاهدون تجنبها؛ فلجؤوا إلى أطراف المدن، مثل حي «باساكسهير» حيث تواجد عبد الحكيم.

في وصف الحي، يقول «مارسين»، «باساكسهير» حي على أطراف المدينة، لا يقصده السياح غالبًا لبعده، فضلًا عن طبيعته. حي بلا روح، ملامحة  يلمؤها الجمود، في الصيف حره لهيب، وفي الشتاء لا ساتر من الأمطار والرياح العاصفة. شوارعه واسعة ممتدة لا زرع بها ولا شجر.  أما عن البازار الكبير، حيث قابل الوسيط، فهو لا يتجاوز مركز تسوق بسيط. فأنى له أن يتعرف على وسيط لم يره من قبل، فضلًا عن طبيعة المجاهدين الشيشانيين المتشابهة.

يقول «مارسين» يتشابه الشيشانيون والمجاهدون في أغلب سمتهم وملامحهم. معظمهم ذوي شوارب ولحى قصيرة، يرتدون ملابس مريحة، يفضلون الملابس الفضفاضة الرياضية نوعية «جورتيكس»، والأحذية الرياضية الخفيفة، والمثالية للاستخدام في الصحاري القاحلة، أو في المشي على الركام المتناثر في شوارع المدن السورية. ولعل أفضل العلامات التجارية التي يفضلونها «ذا نورث فيس»، و«كولومبيا»، والألمانية «جاك فولسكين».

في منطقة البازار الكبير، لمح «مارسين» ثلاثة أشخاص يبدو أنهم كانوا يبحثون عنه؛ اصطحبوه إلى عبد الحكيم. كان يقطن شقة في الدور السابع بمبني سكني ضخم له مصعد واحد، أغلق الحراس أبواب المنطقة بالكامل، وعاودوا المراقبة بعد دخوله. لم يكن المنظر من النافذة مميزًا، مبنى يشبه المبنى الذي دخله، فضلًا عن اتساخ النوافذ بالأتربة. وكإطلالة النافذة غير المميزة، كانت شقته من الداخل، شقة بالكاد وضع بها أثاث، لم يكن هناك أي لوحات أو أزهار أو زينة على الحائط.

لفت نظر «مارسين» أمران، وجود ملعب أطفال في المنطقة تمكن من رؤيته من النافذة، بالإضافة إلى أعمارهم. فكل من أحاط بعبد الحكيم كانوا في العشرينيات، ويبدو أنهم اتخذوا لهم قائدًا في الثلاثينات من عمره، واعتبروه قائدًا مخضرمًا.

أما عن وصف عبد الحكيم، هو شاب ثلاثيني يبدو أنه يحب ارتداء الملابس المموهة، فقد ثلاثة من أصابع يده اليمنى إثر إصابة أثناء حرب الشيشان.

وعند تعريفه بنفسه قال عبد الحكيم «أنا إسلامي»، غير عابئ بما قد يولده هذا التصريح من انطباعات لدى «مارسين»، هدفه هو إقامة دين الله، والعيش وفقًا لمراد الله في كل مكان، وليس في الشيشان وحسب.

عبد الحكيم ونداء الجهاد

«المجاهدون الشيشانيون.. لم تعد لهم حياة أخرى يعودون إليها، لم يعد مسموح لهم بالعودة لوطنهم».

عقب انتهاء الحرب الأولى في الشيشان، أعلن استقلال الشيشان، وساد هدوء نسبي. بالطبع لم تخلُ البلد من أحداث القتل والخطف، لكن بشكل عام لم يكن الوضع كالحرب. حينها عاش في الريف، ومثله مثل بقية الصبية في نفس سنه، أحب الرياضة، وخاصةً القتالية. قبل انطلاقه كمثله من الشباب للقتال، فاز العديد منهم بميداليات في المصارعة والكاراتيه والجودو، وفنون القتال الأخرى.

في 1999، بدأت الحرب الثانية في الشيشان، وانطلق زملاؤه في المدرسة للقتال دفاعًا عن «جروزني» (عاصمة الشيشان المدمرة). استمروا في القتال ما يزيد عن شهرين، ثم فروا إلى الجبال. لم يلحق بهم عبد الحكيم على الفور، بل انضم لهم في عام 2000. ومع مرور الوقت قل عددهم؛ قتلوا الواحد تلو الآخر، لدرجة أنه بحلول عام 2007 لم يتبقَ سوى صديق أو اثنين من أصدقاء طفولته.

رحلته إلى إسطنبول.. خروج بلا عودة

في أغسطس 2009، كانت الميليشيات الشيشانية تستعد لتنفيذ عملية تستهدف أحد الوشاة، إلا أنه أصيب إصابةً بالغةً إثر تفجير استباقي استهدفهم، تسبب التفجير في تدمير بصره وإصابة يده، ولم يكن أمامه ملجأ سوى الفرار إلى إسطنبول. لم يكن يعرف حينها أن قرار هروبه من أرض الوطن كان طريقًا باتجاه واحد فحسب، خروج بلا عودة؛ فالحكومة الروسية لا تسمح للمقاتلين القوقاز المشتبه بهم بالعودة لموطنهم، ظل ومن مثله في شتات أو محاصرين في بلدان أخرى.

«كانت الحرب للجيل السابق (حالة مؤقتة) أما هؤلاء فقد صارت الحرب حياتهم».

شاب مقاتل في الثلاثين من عمره قضى نصف حياته في القتال لتحرير وطنه، فهل يستسلم لحصاره في إسطنبول، أم أنه عاجلًا أم آجلًا سيجد هدفًا يقاتل من أجله. وبالطبع كانت جبهة القتال متاحة أمامه في سوريا.  

هنا تحديدًا يبرز الفرق بين جيل المقاتلين الآن في العشرينيات من عمرهم، وبين الجيل السابق. كان آباء هؤلاء المقاتلين مجرد مليشيات تكونت أثناء حرب الشيشان الأولى، لم يهتموا بالعلامات التجارية الغربية للملابس الرياضية، بل ارتدوا أي شيء متاح لديهم، وكانوا يستخدمون الأسلحة القديمة التي تتخلص منها الجيوش النظامية، إما بسبب التلف أو أنها استهلكت. كانت الحرب حينها «حالة مؤقتة» للدفاع عن وطنهم أو عائلاتهم، وبانتهاء الحرب يعودون لحياتهم الطبيعية.

أما جيل عبد الحكيم صاروا محترفي قتال، ترعرعوا مع الحرب، لم تعد لهم حياة أخرى يعودون إليها، فضلًا عن أنهم لا يتوقعون تغير حياتهم على الإطلاق؛ فلماذا قد يرغبون بتغيرها وقد أنفقوا معظم مدخراتهم على المعدات والملابس والأسلحة، كما أن تجهيزاتهم أفضل من آبائهم بفارق كبير.

صارت الحرب حياتهم، يجمعون المال لشراء أسلحة وذخيرة يحمون بها أنفسهم أوقات الحروب، أثناء تواجدهم على أراضٍ أجنبية، أو أثناء التحاقهم بمجموعات قتالية دولية أو محلية. يخرجون للجهاد من وقت لآخر كـ«عمل حر» غير نظامي، ولعل الوصف المناسب للقتال بتلك الحالة هو «مرتزقة». وعندما يشعرون بالإرهاق، يعودون إلى تركيا يستعيدون عافيتهم الجسدية والمالية (على سبيل المثال عن طريق بيع وشراء الأسلحة)، ثم يعودون للقتال مجددًا.

أجناد القوقاز وسوريا

صار الآن عبد الحكيم قائد «أجناد القوقاز» أو «أميرهم»، والتي أغلبها من المقاتلين الشيشانيين، وتتمركز في جبال اللاذقية في سوريا. فما الذي يقلق قائد فصيلة مقاتلة كهذه عدا عدم عودته للوطن؟

لعل أكثر ما يقلقه هذه الأيام هو المال، فهو سبب تركه الصفوف الأمامية في سوريا وعودته لإسطنبول في الأساس. يقول قائد «أجناد القوقاز» إن مقاتليه في سوريا بحاجة للطعام والسلاح والذخيرة، فضلًا عن أنه مسؤول عن مساعدة عائلات القتلى، والجرحى، والمعتقلين لدى السلطات التركية. بطبيعة الحال تأثر الوضع المالي للمقاتلين الشيشان نتيجة ذهاب معظم الأموال لتنظيم الدولة الإسلامية، أو الفصائل الأخرى، في حين لا يحصل الشيشانيون على شيء، فضلًا عن أن الاتهامات التي توجه لمنظمات الإغاثة الإسلامية بدعمها للمنظمات الإرهابية، جعلت كل وعودهم بالمساعدات وعودًا فارغة.

اعتاد عبد الحكيم العودة لتركيا لجمع بعض المال للمجاهدين، لكن تغير الوضع منذ خريف 2015، عندما انضمت روسيا للصراع. بعكس توقعاته أن القصف الروسي سيزيد من الدعم الموجه لفصيلته، تزامن ذلك مع الهجمات الإرهابية في إسطنبول، والقصف التركي للأكراد في الشرق؛ فانتشرت الشرطة في الشوارع، وتعذر مقابلة أي شخص وسط إسطنبول.

من المتوقع في ظل تلك الظروف نقص إمدادات السلاح لفصيلته، لكنه يدعي أن الأمر ليس بتلك الأهمية، فلطالما تكيف المقاتلون الشيشانيون مع أسلحة أقل مما كان لديهم في الفترة الأخيرة.

أما عن وصفه وفصيلته بالإرهابيين، وما لحق بهم بعد تعاونهم مع مجموعة فصائل أخرى في سوريا في إحدى المعارك، امتعض عبد الحكيم هذا الوصف، مستنكرًا لماذا قد يطلق أحدهم على فصليته الصغيرة «إرهابية»؛ هم لم يقتلوا طفلًا أو امرأة أو حتى عجوزًا، بل إنهم يقاتلون جيش الأسد الطاغية فحسب.

مجاهد أم إرهابي أم مرتزق يبحث عن المال

لم يسع عبد الحكيم أثناء المقابلة إخفاء امتعاضه من الموقف الغربي من الجهاد؛ ينظر الغرب للجهاد على أنه «شر يجب تدميره»، فيستنكر لماذا أمريكا وروسيا لهما الحق في نشر جيوشهم في العراق وأفغانستان وسوريا والشيشان وجورجيا وأوكرانيا، في حين يجرم إعلان الجهاد؟ أليس كلاهما حربًا؟ لا سيما أن المجاهدين لا يشنوا حربًا بسبب مصالح، أو نزوات عابرة، أو حتى لأجل المال، بل يجاهدون دفاعًا عن أوطانهم التي أعتدي عليها أولًا.

جهاده غاية أم وسيلة؟

يقول عبد الحكيم إن هدفه من الجهاد هو تحرير الشيشان، وأقصى أمله أن يخرج الشيشانيون من سوريا. إلا أن هدف كهذا قد يستحيل تحقيقه في ظل تحكم القوات الروسية في الحدود.

في الغرب، يختلف الخبراء حول سبب انضمام المقاتلين للدولة الإسلامية، أو غيرها من الحركات الجهادية في سوريا. أما بالنسبة للشيشانيين فإن السبب واضح كما وضح من قبل. يعتقد أن عاجلًا أم آجلًا ستقوم حرب عالمية مع روسيا؛ حرب ستمكنه من استعادة وطنه، فيستشهد بكلمات «جوهر دوداييف» (أول رئيس للشيشان) الذي حذر في منتصف التسعينات أن روسيا لن تتوقف عند القوقاز، لكن أحدًا لم يصغ لما قاله.

اعتقد الجورجيون أن روسيا لن تعتدي على أرضهم، وكذلك ظن الأوكرانيون، أما الأوروبيون بدؤوا يدركون أن خطر التقدم الروسي على الأبواب.

يختتم مقابلته مع «مايسن» بأنه حقًّا يأمل أن تتوغل روسيا في أوروبا، بل سيسعده حدوث ذلك، فأوروبا حينها ستبحث عن القوقازيين ليحجموا الروس، وللأسف سيكون فات الأوان، واختفى الشعب الشيشاني، ولم يتبق حينها سوى مجموعات صنفها الغرب من قبل على أنها «إرهابية».  

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد