خصوصية العلاقة بين فرنسا والجزائر جعلت من الانتخابات الرئاسية الجزائرية محور اهتمام الصحف الفرنسية لأيام متتالية، إذ تابعت فعاليات التصويت وإعلان النتائج لحظة بلحظة، وخصّصت صفحات كاملة لتغطية هذا الحدث، وتناولته بالتحليل والنقاش مع مختصين وخبراء.

 «عبد المجيد تبون» يواجه انقسامًا سياسيًّا وشارعًا غاضبًا

المشهد السياسي المترتب على فوز «عبد المجيد تبون» بـ58.15% من الأصوات في الانتخابات الرئاسية وتداعيات فوزه على الحراك الشعبي، كان محور تقرير الكاتب «آدم عروج» في صحيفة «لوفيجارو» تحت عنوان «عبد المجيد تبون منتخب بالكاد.. والحراك يرفض النتيجة» وأوضح فيه كيف أن «الحراك» رفض الرجل ولم يعترف بشرعيته بسبب انتمائه للنظام البائد وكونه أحد وزراء الرئيس السابق عبد العزيز بوتفليقة.

ورأى الكاتب أن الجزائريين، الذين نجحوا في إلغاء موعد الانتخابات الرئاسية لمرتين خلال هذا العام، قاطعوا الانتخابات الأخيرة جزئيًا، بسبب إصرار «الحراك» على مطلب رحيل «النظام القديم كاملًا»، وبناء نظام جديد يستحقه الجزائريون.

وبنتيجة هذه الانتخابات، فإن أمام «عبد المجيد تبون» الذي يصفه الكثيرون بالرجل التابع لرئيس أركان الجيش الجزائري «أحمد قايد صالح» مهمة ثقيلة، حسب رأي الكاتب الذي يتساءل عن الوقت الذي يحتاجه الرئيس الجديد كي يحل مشاكل الجزائر التي تواجه أزمة سياسية واقتصادية، في ظل ارتفاع سقف مطالب الحراك الشعبي خاصة أن «تبون تعهد خلال حملته الانتخابية باتباع سياسة جديدة تنتهج الانفتاح والشفافية والاستماع إلى مطالب الشارع الثائر وعدم إقصاء أي من مكونات الشعب الجزائري.

 Embed from Getty Images

الرئيس الثامن للجزائر.. نسخة من الرئيس المخلوع

بعد إعلان النتائج مباشرة، سارعت الصحف والمواقع الفرنسية بنشر تقارير تعرّف بشخصية الرئيس الجزائري الجديد، ونشرت صحيفة «لوموند» بعد الإعلان عن فوز عبد المجيد تبون، 74 عامًا، تقريرًا للكاتب ماجد زروقي أشار فيه إلى مسيرة الرجل السياسية، ووصفه بأنه أحد المقربين لبوتفليقة الذي عينه رئيسًا للوزراء، كما تربطه علاقة قوية برئيس أركان الجيش اللواء أحمد قائد صالح.

وأشارت الصحيفة إلى أن «تبون» شغل عدة وظائف عليا في النظام السابق؛ حيث تولى منصب وزير منتدب بالجماعات المحلية (1991-1992) ثم وزيرًا للاتصال والثقافة سنة 1999، ثم وزيرًا للسكن والعمران في عام 2001-2002، وعاد مجددًا لتولي نفس المنصب عام 2012. ثم عين رئيسًا للوزراء بين شهري مايو (أيار) وأغسطس (آب) 2017.

أشار التقرير أيضًا إلى استمرار تظاهرات الحراك في الشارع الجزائري رغم إعلان نتيجة الانتخابات، ما يشير إلى رفض المعارضة لما أعلنته الهيئة الوطنية المستقلة للانتخابات، وقالوا إن الأرقام التي أعلنتها هي أرقام مبالغ فيها.

انتخاب رئيس جديد لن يسهم في حل الأزمة السياسية

انتخاب «عبد المجيد تبون» لخلافة الرئيس المخلوع بوتفليقة لن يساهم في حل الأزمة السياسية في الجزائر، حسبما خلص مقال الكاتب «كليمو بارو» على موقع «فرانس إنفو» التابع للتلفزيون الفرنسي تعليقًا على نتيجة انتخابات الرئاسة في بلد المليون شهيد.

ويرى الكاتب أن هناك عدة أسباب دعته للحكم بأن نتيجة الانتخابات لن تحل الأزمة، ويتمثل السبب الأول في «انخفاض نسبة مشاركة الجزائريين في التصويت في هذه الانتخابات التي خطط لها الجيش ورفضها الشارع».

ولفت الكاتب النظر إلى أنه يجب التدقيق في الأرقام التي أعلنتها السلطات الرسمية بخصوص هذه الانتخابات، والتي تشير إلى امتناع الجزائريين عن التصويت بشكل ملحوظ، حيث بلغت نسبة المشاركة المعلنة رسميًّا 39.83٪ ، وهي النسبة الأقل من بين جميع الانتخابات الرئاسية الماضية، وجاءت أقل بعشر نقاط كاملة عن انتخابات عام 2014 التي فاز بها عبد العزيز بوتفليقة للمرة الرابعة.

Embed from Getty Images

ويضيف بأنه حتى هذه النسبة القليلة مشكوك في نزاهتها، ومبالغ فيها للغاية، وفقًا لبعض المراقبين الذين صرحوا للموقع الفرنسي أن «نسبة الأربعين في المائة التي يتحدثون عنها مبالغ فيها للغاية مقارنة بالواقع.. نحن نتحدث نسبة تتراوح ما بين 10 إلى 15٪ فقط هي التي شاركت في التصويت، وفقًا لتقديرات بعض مراكز الاقتراع».

ونقل الموقع عن «بيير فيرميرين» أستاذ تاريخ المغرب العربي المعاصر بجامعة باريس قوله إن هذه النتائج منحازة بعض الشيء؛ لأن هناك عدة ملايين من الناس ليس لديهم بطاقة انتخابية في الجزائر من الأساس، بينما هناك الكثير من الجزائريين يتمنعون عن تسجيل أنفسهم في الكشوف الانتخابية، لأنهم لا يثقون في نزاهة عملية الاقتراع نتيجة ممارسات النظام السابق».

السبب الثاني في رأي الكاتب هو أن «شفافية الاقتراع أصبحت موضع تساؤل» قائلًا إن «انعدام الثقة في نتيجة هذه الانتخابات نابع من فقدان الثقة في الإدارة الجزائرية التي أشرفت عليها» وهو أمر، كما يؤكد «بيير فيرميرين» واضح للعيان، لا سيما حين تسمع المتظاهرين يرددون تعبير «المهزلة الانتخابية» حين يتحدثون عن هذه الانتخابات الرئاسية. ويرون أن فرنسا وأوروبا صامتتان تجاه هذه «المهزلة لأنها تصب في صالحهم في النهاية».

ويقول الكاتب إن السبب الثالث يتمثل في أنه «لا يوجد مرشح يمثل الحراك في هذه الانتخابات» ولذلك فإن المتظاهرين لا يهتمون كثيرًا بنتيجة الانتخابات، سواء جاءت بعبد المجيد تبون أو أي شخص آخر من المرشحين الخمسة، فكلهم نسخة واحدة وتكرار فاضح للنظام القديم الذي يريد الشارع الجزائري تغييره بشكل كامل.

وينقل الموقع عن أحد الشباب يدعى عيد، وهو مهندس يبلغ من العمر 32 عامًا، قوله إنه لم يكتف بمقاطعة التصويت، بل إنه «تظاهر في الجزائر العاصمة، وأمضى ليلة الانتخابات في الشارع للدعوة إلى مقاطعة الانتخابات، مضيفًا: «سوف نتظاهر حتى نحصل على الديمقراطية بشكلها الصحيح.. لأن هؤلاء المرشحين جزء من النظام السابق».

السبب الأخير في نظر الكاتب هو أن «الرئيس الجديد سيعاني من الشرعية الناقصة»، ويوضح سبب نقص شرعية الرئيس القادم عبر انتخابات، بسبب الإقبال المتدني، والشكوك المثارة حول نزاهة الاقتراع، والفجوة الموجودة بين المتظاهرين والنظام الحاكم».

وبناء على كل ما سبق، سيكون على الرئيس الجزائري الجديد مهمة شاقة تتمثل في إعادة بناء وحدة البلد، وسيضطر إلى تقديم تنازلات عديدة. كما يجب عليه الإفراج عن سجناء الرأي والشروع في فترة انتقالية تجمع شمل الجزائريين، والحوار مع جميع الفصائل لإيجاد طريقة هادئة للخروج من الأزمة الراهنة.

انتخابات رئاسية تزيد من توتر العلاقات بين الجزائر وفرنسا

فرنسا تبدو، في الظاهر، خاسرة من كل النواحي على إثر التطورات المتلاحقة في الجزائر، هكذا يرى تقرير الكاتب فريدريك بوبين مراسل صحيفة «لوموند» في شمال أفريقيا تحدث فيه عن تسبب الأزمة الجزائرية في توتر العلاقات بين فرنسا ومستعمرتها السابقة.

Embed from Getty Images

يرى الكاتب في تقريره أن باريس وجدت نفسها في موقف لا تحسد عليه مع الجزائر واختارت موقف «الانسحاب الإجباري» موضحًا كلامه بقوله إن «الصمت» فرض نفسه على الأروقة السياسية الفرنسية ومنعها من التعليق المباشر على الحراك الجزائري وقرارات النظام، حيث يتهمها كل الأطراف بمحاولة التدخل في الشأن الجزائري رغم التزامها الصمت الرسمي.

وبذلك باتت باريس تواجه معضلة محيرة، فالنظام الجزائري يتخذ فرنسا كبش فداء في محاولة إثباته أنه ينتهج سياسة وطنية بعيدًا عن التدخل الخارجي، بينما يتهمها الشارع الجزائري بأنها الداعم الرئيسي لنظام بوتفليقة الذي لم يسقط بشكل كامل، وفقًا لرأي «لويزا إدريس» المتخصصة في الشؤون السياسية والأستاذة في جامعة الجزائر في تصريح للصحيفة الفرنسية.

وبذلك وجدت فرنسا نفسها بين سندان «التدخل المرفوض» ومطرقة «الصمت المثير للشك»، بينما يلعب طرفا الأزمة في الجزائر على وتر الوطنية والجهر برفض فرنسا وسياساتها.

وعلى الجانب الآخر تتخوف فرنسا، كما يقول تقرير لوموند من أن تحصد الثمار المرة للتطورات في الجزائر عبر موجة جديدة من الهجرة الجماعية للجزائريين إلى أراضيها، على غرار ما حدث خلال «العشرية السوداء» في تسعينيات القرن الفائت.

في الوقت ذاته فإن الجمود الدبلوماسي بين البلدين يثير قلق فرنسا من تأثير الأحداث على العلاقات الاقتصادية بين البلدين، أو أن يؤثر تأثيرًا سلبيًا على منطقة الساحل التي تشهد نموا للجماعات المسلحة، ولم تستطع فرنسا القضاء على هذه الجماعات رغم تدخلها العسكري منذ سبع سنوات.

ما مصير قائد أركان الجيش الجزائري؟

السؤال الذي يتداوله الجزائريون بعد الانتخابات، تردد أيضًا على صحيفة «لوفيجارو»، وهو السؤال المتعلق بمصير قائد أركان الجيش الجزائري أحمد قايد صالح البالغ من العمر 79 عامًا بعد الاستحقاق الرئاسي، فكتب «آدم عروجي» مقالًا تحت عنوان «استحالة تقاعد رئيس أركان الجيش الجزائري» ذكر فيه أن «انتخاب رئيس جزائري جديد يثير تساؤلاً لا يجد إجابة دقيقة عليه حتى الآن؛ ويتعلق بمصير قائد أركان الجيش الذي يدير البلاد بعد استقالة الرئيس السابق عبدالعزيز بوتفليقة».

وتشير الصحيفة إلى أن هناك من يرى أن «قايد صالح» لن يغادر المشهد في الموعد السنوي لتقاعد العسكريين في شهر يونيو (حزيران) المقبل، لا سيما أنه يحظى بتأييد واسع داخل المؤسسة العسكرية بسبب دوره في تطوير القدرات العسكرية وإعادة هيكلة وحدات الجيش الجزائري.

وتشير الصحيفة إلى صعوبة خروج «قايد صالح» من المشهد بسهولة، نظرًا لدوره في محاكمة وسجن قادة وضباط ومسؤولين سابقين بينهم سعيد بوتفليقة شقيق الرئيس السابق ومدير جهاز المخابرات السرية محمد مدين الملقب توفيق، وبالتالي أصبح هناك ثأر بين صالح وبين هذا الفريق، ولذلك لن يغادر منصبه الذي يحصنه بسهولة.

ونقلت الصحيفة عن مصدر عسكري قوله إن قايد صالح يرغب في الاستقالة من منصبه لكنه لن يفعل ذلك إلا بعد تأكده من توفير الحماية الكاملة له بعد خروجه من السلطة، وهذا يتوقف على شخصية الرئيس الجديد ومدى علاقاته مع صالح والقادة الكبار بالجيش.

عربي

منذ 7 شهور
مرشّحون رغم أنف الشعب.. هل تحوّلت الانتخابات الجزائرية إلى فقرة كوميدية؟

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد