في بعض المناطق القليلة المتبقية، التي لم تتمكن قوات الأسد من استعادة السيطرة عليها، يحتشد أهالي هذه المناطق لترديد المطالب نفسها التي أطلقها المحتجون قبل عقد من الزمان.

أعدَّت بيثان مكيرنان، مراسلة صحيفة «الجارديان» البريطانية في الشرق الأوسط وتركيا، تقريرًا نشرته الصحيفة البريطانية سلَّطت فيه الضوء على جذوة الثورة السورية التي تُحافظ على لهيبها في قلوب الشعب السوري، لا سيما الجيل الجديد من الشباب الناشطين الذي تفتَّحت عيونهم على الاحتجاجات العارمة التي امتلأت بها شوارع سوريا مع اندلاع الثورة السورية قبل عشر سنوات.

خياران أحلاهما مُر

استهلت المراسلة تقريرها بقصة سارة قاسم، التي كانت تبلغ من العمر اثني عشر ربيعًا عندما بدأت شوارع سوريا وميادِينها تعج بالمتظاهرين خلال الربيع العربي الذي انطلق في منطقة الشرق الأوسط قبل عقد من الزمان. وتتذكر سارة بوضوح الأمل والحماسة التي كانت تملأ قلوب الشعب السوري آنذاك؛ والذي كان، على ما يبدو، في انفصال تام عن الأهوال التي شهدتها سوريا بعد ذلك.

اقتصاد الناس

منذ شهرين
مترجم: كيف دخل رجال أعمال أمريكيين إلى سوق صفقات النفط السرية في سوريا؟

وأمضت سارة قاسم سنوات المراهقة تحت الحصار في مدينة حمص، حيث اختفى أصدقاؤها وأقاربها في غياهب سجون نظام الأسد، وعاشت أسرتها معظم الوقت من دون كهرباء، وكانت تكافح من أجل تأمين الغذاء والدواء. وطيلة هذا الوقت، ظل سلاح الجو التابع لنظام بشار الأسد يلقي على المنطقة السكنية التي يعيشون فيها براميل متفجرة وذخائر عنقودية.

وتوضح المراسلة أنه عندما سقطت مدينة حمص في أيدي قوات الأسد، كانت سارة بين خيارين أحلاهما مُر وكان لا بد أن يختار الملايين من السوريين خيارًا واحدًا منهما أثناء الحرب الأهلية: إما البقاء في المدينة ومواجهة قوات الأسد التي ستتعامل معهم على أنهم إرهابيون، وإما الفرار إلى محافظة إدلب غير المستقرة أيضًا، لكنها على الأقل خارج سيطرة نظام الأسد.

بين قوتين غاشِمتين

يضيف التقرير: تقول سارة، وهي طالبة تبلغ من العمر 21 عامًا: «اعتقدتُ أننا نستجير من الرمضاء بالنار؛ إذ كان علينا أن ننتقل من جحيم الحرب في المنطقة التي نعيش فيها إلى جحيم آخر في منطقة أخرى. لكن بمجرد وصولنا إلى إدلب، استطعت، على أقل تقدير، أن أُركز اهتمامي على الدراسة من جديد، وعلى كيفية المساعدة في إعادة إعمار سوريا مرةً أخرى. ولا يزال جيلي من الشباب يحمل الآمال نفسها لتحقيق العدالة والحرية، ولن نتخلى عن الحلم الذي بدأته الأجيال السابقة».

ويُشير التقرير إلى أن نظام الأسد تمكَّن من استعادة السيطرة على معظم أنحاء البلاد، بعد 10 سنوات من الحرب، بمساعدة حلفائه من الروس والإيرانيين، وأصبح حلم «سوريا الحرة» مقتصرًا على مدينة إدلب والريف المحيط بها؛ تلك المنطقة التي تقع في شمال غربي البلاد.

Embed from Getty Images

وكانت «جبهة النصرة»، جماعة إسلامية على صلة بتنظيم القاعدة، قد انتزعت السيطرة على المنطقة من فصائل المعارضة الأخرى في عام 2019؛ حيث لا تزال الغارات الجوية التي يشنها نظام الأسد وإمكانية شن هجوم واسع النطاق تُشكل تهديدًا دائمًا.

وذكر التقرير أنه لم يتبقَّ من الوظائف سوى القليل، وأدَّى استمرار عمليات خفض المساعدات إلى زيادة صعوبة الحياة بالنسبة لنحو 3 ملايين من المدنيين السوريين المحاصرين بين القوتين. ومع ذلك، لا تزال مجموعات من الناس تحتشد، أسبوعيًّا كل يوم جمعة، في الساحات والميادين بالمدن والقرى لترديد الشعارات ورفع اللافتات الداعمة للثورة السورية، وتأكيد المطالب ذاتها، التي كان يرددها المحتجون قبل عقد من الزمن.

ثورة باهظة الثمن

وأبرز التقرير أن أهالي إدلب نظموا تظاهرة حاشدة يوم الإثنين 15 مارس (آذار)، لإحياء الذكرى العاشرة لاندلاع الثورة السورية ونزول عشرات المتظاهرين إلى شوارع دمشق في عام 2011، وتحدي النظام السوري والمطالبة بالحرية.

وفي هذا الصدد، أكدَّت حسناء عيسى، البالغة من العمر 36 عامًا وهي ناشطة تعرضت للاعتقال سابقًا، وتعمل حاليًا على برامج المساواة بين الجنسين والقيادة النسائية في منظمة «كش ملك»، قائلة: «لم يكن ثمن الانضمام إلى الثورة زهيدًا. لقد دفعنا ثمنًا باهظًا وتكبَّدنا خسائر فادحة. لكننا لسنا مجرد ضحايا ونحن ناجون منها».

وأضافت حسناء: «نحن نربي الجيل القادم بطريقة مختلفة عن أي شيء يمكن أن نتصوره من قبل. تبلغ ابنتاي التوأم من العمر تسع سنوات، لم أربِّهما على أنه يمكنهما التصويت في انتخابات حرة في المستقبل فحسب، بل ربَّيتهما على أن لكل منهما الحق في الترشح لأي منصب».

وأبرز التقرير أن منظمة «كش ملك»، وهي منظمة مجتمع مدني تعمل في شمال غرب سوريا، وأُنشئت في الأيام الأولى للثورة السورية، تنظم ورش عمل للشباب السوري لتثقيف الأجيال الشابة من الجنسين والتعرف إلى مبادئ الديمقراطية وحقوق الإنسان والمقاومة السلمية، التي استندت إليها الثورة السورية. كما يرى المنسقون في المنظمة أن برنامجها يُعد بمثابة حصن مهم ضد التطرف.

كش ملك.. حلم الحرية ما زال ينبض

وفي السياق ذاته، صرَّح محمد بركات، مدير مجتمعي في منظمة «كش ملك» في قرية كللي، قائلًا: «لم أكن أعتقد أننا سنواصل القتال من أجل الحصول على الحقوق الأساسية بعد هذا الوقت الطويل. وعندما بدأت الثورة، اعتقدتُ أن ما حدث في دول أخرى، مثل تونس سيحدث في سوريا أيضًا. واعتقدت أن النظام السوري سيتنحى ويستسلم لمطالب الشعب بالحصول على الحرية».

Embed from Getty Images

واستدرك بركات قائلًا: «لكن النظام السوري، بدلًا من ذلك، أطلق حملة عسكرية وغارات، وأدركتُ حينها أننا سنكافح لمدة طويلة. وعلينا أن نحافظ على الحلم حيًّا للجيل القادم.. لأن لديهم حافزًا كبيرًا. إن العمل مع الشباب يُثير لديَّ الأمل ويبعث في نفسي السرور».

ويعاني الشباب السوري جروحًا وندوبًا جسدية ونفسية عديدة. ويجد الشباب ومن هم في العشرينيات من أعمارهم، صعوبةً بالغة في رأب الصدع بين ذكرياتهم في الطفولة في زمن السلم وبين ما يحدث في الوقت الحاضر – بحسب التقرير – إذ تحدثت المُصوِّرة هبة بركات، البالغة من العمر 23 عامًا، عن معاناتها قائلة: «فقدتُ الكثير في الحرب الأهلية، ومنهم والدي وأخي وسنوات شبابي. وأحبُ عملي بصفتي مصورة فوتوغرافية، لكن من الصعب كسب ما يكفي من النقود، والوضع هنا غير مستقر وخطير».

الحياة لا تُطاق

وأردفت هبة قائلة: «خلال الحملة العسكرية على إدلب في العام الماضي، ذهبتُ لتوثيق عملية قصف على إحدى المدارس، وهو اليوم الذي استهدف فيه نظام الأسد خمس مدارس في يوم واحد. ويجب أن أفعل شيئًا في مثل هذا الموقف، ويجب عليَّ أن أروي هذه القصة، لكن الحياة هنا لا تطاق، لذلك، يتقدم جميع الناشطين والصحفيين والأخصائيين الاجتماعيين بطلب اللجوء إلى أي دولة أخرى».

واستشهد التقرير بما قالته ديمة غنوم، مديرة مدرسة في مدينة دار تعزة، إن جميع طلابها سيغادرون سوريا على الفور دون تفكير إذا سنحت لهم الفرصة. وتوضح ديمة قائلة: «يشعر الأطفال الصغار بالفضول الشديد لمعرفة كيف كانت تسير الحياة قبل الحرب. إذ تسألني ابنتي: هل ذهبتِ حقًّا إلى المطاعم حيث يمكنكِ طلب الطعام والجلوس لتناول الطعام؟ هل كانت الكهرباء متوفرة فعلًا طوال الوقت؟ صحيحٌ أنهم الجيل الأول الذي وُلد أثناء سعينا للحصول على الحرية، لكنهم لا يدركون ماهية هذا الشيء الآن، أو الثمن الذي دفعناه مقابل ذلك».

وتضيف ديمة: «لقد كنا نعيش في ظل النظام في مجتمع غير متكافئ تمامًا. ولا يمكنني أن أصف على النحو اللائق كيف يكون شعور التدريس داخل خيمة، أو كيف ينبغي لي في بعض الأحيان التوقف عن شرح الدرس، من أجل معانقة الطلاب فحسب؛ لكي أُشعِرَهم بالدفء وأحميهم من الارتعاش بسبب الخوف والبرد. لكنني لن أعود إلى سيطرة النظام أبدًا. وصحيح أننا نعيش في ضنك وخوف.. لكن حالنا الآن لا يزال أفضل من الحياة التي كنا نحياها إبان نظام الأسد».

حماسة الناشطين.. هل يمكن توحيد سوريا من جديد؟

وفي ختام التقرير، أكد المحرر أن إعادة توحيد مناطق سوريا مرةً أخرى لا يزال حلمًا بعيد المنال. ووفقًا لبحث أجرته منظمة «أنقذوا الأطفال»، أن واحدًا من كل ثلاثة أطفال ينتمون إلى الجيل الجديد، ونازحين داخل البلاد يريد مغادرة سوريا، وأن 86% من الأطفال اللاجئين، الذين أجرت معهم المنظمة مقابلة في الأردن ولبنان وتركيا وهولندا، قالوا إنهم لا يريدون العودة إلى الدولة التي رحل عنها آباؤهم.

عربي

منذ سنة واحدة
صراع بشار الأسد مع «حيتان المال».. لماذا انقلب على مواليه؟

وأعربت سارة قاسم قائلة: «في الوقت الراهن، نواجه أمورًا مختلفة عن التي واجهها الجيل القديم من الناشطين. لقد دُمِّرت طفولتنا تمامًا، لكن لدينا مهمة يجب علينا أن نؤديها ولدينا القدرة على الاستمرار.. إن الجهود التي نبذلها من أجل أن تصبح سوريا مكانًا أفضل تستحق الدعم من العالم الخارجي».

وأكدت أنه: «لولا الثورة السورية، لما كنتُ الشخص الذي أنا عليه الآن».

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد