تُعَتبر شركة أدوبي من أشهر الأسماء في عالم التكنولوجيا، إذ ابتكرت مُنتجاتٍ رائعةٍ تُهيمنُ على أسواقها المُنفصلة دون أدنى مُنافسة. ولا شك أنك استخدمت واحدةً من هذه المنتجات مثل فوتوشوب وبريميير وفلاش وغيرها.

وإذا كُنت تعتقد أنك بمنأى عن سطوة تلك الشركة، فأنت مُخطئٌ على الأرجح، لأن أدوبي هي الشركة التي اخترعت نسق المستندات المنقولة (PDF) الذي يُمكِّنك من قراءة الكُتب والملفات والوثائق على حاسوبك وهاتفك الذكي.

ومع هذه المُنتجات الفريدة من نوعها، يأتي كمٌ هائلٌ من البيانات التي تنوي الشركة الاستفادة منها في تحوُّلها إلى شركةٍ تسويقيةٍ بحسب التقرير الذي نشرته وكالة «بلومبرج» الأمريكية.

«فاينانشال تايمز»: من سيملك بياناتك إذا أفلست «فيسبوك»؟

وذكرت الوكالة أن عشرات المُجتهدين من شركة أدوبي اجتمعوا داخل غرفة اجتماعاتٍ كئيبةٍ بمكتبٍ يقع بأحد أبراج مدينة سان خوسيه في سبتمبر (أيلول) من أجل التخطيط لمُستقبل الشركة. وقدَّم الباحثون وعلماء البيانات عروضهم التي لا تتعلَّق بمُساعدة مُستخدمي الهواتف الذكية على تعديل الصور أو تطوير طريقةٍ جديدةٍ لصناعة الفنون الرقمية، بل تركَّزت أفكارهم عوضًا عن ذلك على الطُرِقِ التي يُمكن أن تستخدمها الشركة لاستغلال الذكاء الاصطناعي، بناءً على الكم الهائل من بيانات المُستخدمين لدى الشركة، وذلك من أجل جعل الإعلانات أكثر إقناعًا.

لكن الوكالة قالت إن السمعة الراسخة لشركة أدوبي باعتبارها المنتجة لبرنامج فوتوشوب لم يصل إلى مسامعها ما أصبحت عليه الشركة الآن: قناة مُهمة في شبكة الشركات التي تجمع البيانات عن الأشخاص العاديين وتُتاجر بها من أجل زيادة مُعدَّلات الاستهلاك.

والمُشكلة الأكبر في هذا الأمر، بحسب الوكالة، هي أن فريق أدوبي اتَّفق خلال اجتماع الخريف للبحوث والتطوير على أنَّ الشركة لا تتحرَّك بالسرعة الكافية في هذا الصدد. وأطلع كريس كاليس، وهو مُدير في قسم علم البيانات لمُنتجات «أدوبي إكسبيرينس كلاود»، زملاءه بخطةٍ لتسريع الأمور عن طريق تسليم برنامجٍ تجريبيٍ إلى عملاء الشركة لاختباره.

وقال كاليس: «لدينا أشخاصٌ خارقي الذكاء وقادرون على تقديم الابتكار التالي. ويعتمد الأمر على تقديم الابتكار للناس وإثبات فاعليته في بيئة السوق لنرى ما سيحدث فعلًا».

ويأتي إصرار أدوبي في ظل المُنافسة الجديدة التي تشهدها من برامج التسويق والتجارة الإلكترونية، بحسب الوكالة. إذ أعادت الشركة اكتشاف نفسها ببراعةٍ لتُواكب اللحظة المُعاصرة، لكنها ليست مُعتادةً على القتال في أرضٍ غير مُستقرةٍ مثل شركات «آي بي إم» و«أوراكل» و«ساب إس إي» و«سيلزفورس دوت كوم».

وتحوَّلت الشركة إلى اسمٍ كبيرٍ بفضل منتجاتها التي احتكرت السوق في تصنيفاتها: برنامج فوتوشوب لتعديل الصور وبرنامج أكروبات لقراءة الوثائق وبرنامج فلاش للرسوميات. لكن الأمور ليست بتلك السهولة حين نتحدَّث عن سوق التسويق، إذ يقول أنوراج رانا، مُحلِّل البرامجيات بوحدة التحليل «بلومبرج إنتليجانس»: «لن يكون المكسب سهلًا ومضمونًا بالنسبة لهم، وسيتعيَّن عليهم أن يُحاربوا ضد ساب وسيلزفورس من أجل الحصول على كل دُولار».

وعلى غرار ما فعلته أدوبي مع فوتوشوب وفلاش، ذكر تقرير الوكالة أن الشركة تُحاول استخدام الأموال لتتمكن من الوصول إلى موقع مُهيمن وسط عالم التسويق والتحليلات الذي تُسيطر عليه شركة «سيلزفورس» بوصفها مُستودعًا لقوائم العملاء وشركة «ساب» التي تستفيد من سجلات العملاء المُحاسبية.

إذ اشترت أدوبي شركة «ماجنتو» للتجارة الإلكترونية في مايو (أيار) مُقابل 1.7 مليار دولار أمريكي قبل أن تشتري شركة «ماركيتو»، شركة التسويق التابعة لشركة «ياس» التي تستهدف الشركات الأخرى على الأغلب، بعد بضعة أشهرٍ فقط مُقابل 4.8 مليار دولار.

ووفق الوكالة فإن استحواذ أدوبي على «ماركيتو» هو الأكبر على الإطلاق في تاريخ الشركة، ويُعادل ضعف قيمة بيع «ماركيتو» قبل عامين فقط. وقالت أدوبي يوم 26 مارس (آذار) إنها تُخطِّط لإنشاء محورٍ مركزيٍ لكافة بيانات الاستهلاك الخاصة بالعميل وإنها ستتعاون مع صُنَّاع البرامج الآخرين لضمان توافق النظام مع مخازن بياناتهم، بحسب الوكالة.

وبحسب تقرير الوكالة، فقد حوَّل شانتانو ناريان، الرئيس التنفيذي، نموذج أعمال أدوبي إلى نموذج أعمال شركة تسويق بكل هدوء.

وتعمل أدوبي على مدار الساعة من أجل تسجيل كل تفاعلٍ للمستهلك مع العلامة التجارية: من خلال حصر زياراته إلى المتاجر في الحياة اليومية وما يشتريه، واستخدام ملفات تعريف الارتباط (Cookies) لمراقبة نشاطه على مواقع الإنترنت والتعرُّف على عدد الأجهزة التي يمتلكها، وتحليل مدى اهتمامه برسائل البريد الإلكتروني عن المبيعات والعروض الترويجية، ودمج مراقبات الشبكات الاجتماعية لمعرفة آرائه بشأن العلامة التجارية.

وتستطيع أدوبي جمع كل تلك المعلومات بالإضافة إلى بيانات الشركات الأخرى بشأن دخل الفرد وبيئته السكانية من أجل مُحاولة التنبؤ بما قد يُشجِّعه على شراء هاتفٍ جديدٍ أو زوجٍ من الأحذية، حب التقرير. وبعبارةٍ أخرى، تُحاول أدوبي التعرُّف على عملية صنع القرار لدى المُستهلِك وإدراكها أكثر من المُستهلك نفسه.

وترى الوكالة أن هذه الاستراتيجية هي استراتيجيةٌ عمياء، خاصةً في وقتٍ تُقدِّم لنا فيه صناعة التكنولوجيا فضائح مُتعلِّقةً بالخصوصية يوميًا. وتقول أدوبي إنها تُساعد على تقديم تجارب أفضل للعملاء، حتى يرى العُملاء الإعلانات ويُشاهدوا عروضًا تُثير اهتمامهم أكثر.

وتقول أيضًا إن العملاء لديهم طُرُقٌ يُمكنهم استخدامها حتى لا يجري استهدافهم عن طريق برامج الشركة. لكن جين كينج، مُديرة قسم خصوصية المُستهلك بمركز ستانفورد للإنترنت والمجتمع، ترى أن الأمر يُشكِّل  انقضاضة هائلة: «سأُفاجأ إذ عَرِفَ العامة بهذا الأمر بطريقةٍ خلَّاقة. إنَّه أشبه بمؤامرة من رجل مجهول».

ونقل تقرير «بلومبرج» عن أبهاي باراسنيس، كبير مسؤولي قسم التكنولوجيا بأدوبي، قوله إن جهود التسويق بالشركة هي تطوُّرٌ طبيعيٌ في تاريخها الذي يتميَّز بـ«تجاوز حدود التعبير الإبداعي ورواية القصص»، وهي الميزة التي يعود تاريخها إلى ظهور نسق المستندات المنقولة (PDF) الذي اخترعته أدوبي: «إذا تعاملت مع العالم على أنه مليءٌ بالمُنافسين الذين سيقومون بعملٍ أفضل منك، سيدفعك ذلك إلى البحث عن ابتكارٍ يتخطَّى ابتكاراتهم».

وتقول الشركة إنها تُدرِكُ المخاوف بشأن الخصوصية وإنها تُعالج بيانات عملائها فقط، دون التحكُّم بها أو استغلالها ماديًا. وقال المُتحدِّث باسم الشركة: «شَهِدَ العام الماضي دعوةً لإيقاظ صناعة التكنولوجيا. والشركات بحاجةٍ إلى بذل المزيد من الجهد لبناء (أو استعادة) الثقة، والأهم هو إدراك أن الكثير من المُستهلكين لا يفهمون حقوقهم وكيفية استخدام بياناتهم».

وفي أعقاب نشر تقرير وكالة «بلومبرج»، أصدرت الشركة بيانًا قالت فيه: «نُؤمن أن الخصوصية هي عُنصرٌ ضروريٌ لكسب ثقة المُستهلك، وأن ممارسات الخصوصية المسؤولة تمنحك تجارب رائعة».

ولا تُرجِّح الوكالة أن تُغيِّر شركة أدوبي استراتيجيتها، إذ قضت أعوامها السبع وهي تُغيِّرُ توجُّه نموذج أعمالها نحو الاشتراكات وتزيد قدراتها التسويقية، وحلَّت أسهمها في المركز التاسع للأسهم الأفضل أداءً على مؤشِّر «إس وبي 500»، مما يضعها في نفس تصنيف شركاتٍ مثل «أمازون» و«نتفليكس».

ويقول بايرون ديتر، أحد مُلَّاك «بيسمر فينشر بارتنرز» التي تستثمر في شركات الحوسبة السحابية: «لا يُدرِكُ الناس حجم الابتكار الذي وصلت إليه الشركة من مقرها الهادئ في سان خوسيه». وتعتقد الوكالة أن أدوبي ستُحاول الحفاظ على هدوئها بالنظر إلى الاهتمام المُتزايد بمخاوف الخصوصية عبر الإنترنت.

مترجم: تعرف إلى 7 خدمات يمكنك أن تطلبها من «هاكر» وسعر كل منها

 

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد