عبد الرحمن طه

33

عبد الرحمن طه

33

1,564

كثيرٌ من الناس يعرفون تشارلز داروين وكتابه «أصل الأنواع» الذي يقدِّم فيه نظرية التطوُّر الشهيرة. لكن هذه لم تكن الفكرة الثورية الوحيدة التي خرج بها داروين. بعد 12 عامًا من نشر «أصل الأنواع» خرج داروين بكتابٍ آخر عنوانه «نشأة الإنسان»، يحمل فكرةً أكثر ثورية بكثير لدرجة أساء معها الكثيرون فهمها، بل وقمعها البعض مباشرة.

ألَّف ريتشارد برام، عالم الطيور بجامعة ييل، كتابًا بعنوان «تطور الجمال: كيف تشكِّل نظرية داروين المنسية عن اختيار الزوج عالم الحيوان – وعالمنا». يتمحور الكتاب حول فكرة داروين التي تقضي بأن «الحيوانات لا تخضع فقط للقوى الخارجية من التنافس البيئي والافتراس والمناخ الجغرافي وغيرها من عوامل تصنع الانتخاب الطبيعي. لكن الحيوانات يُمكنها لعب دورٍ متميز فعال في تطورها عن طريق اختياراتها الجنسية والاجتماعية».

عن كتاب ريتشارد برام، وما يعنيه تطور الجمال لعالم الحيوان وعالمنا، يكتب د. ألفا نو بموقع الإذاعة الوطنية العامة (NPR).

اقرأ أيضًا: تطور الديناصورات لعصافير، الميمز، وأشياء أخرى.. ما الذي تفعله البيولوجيا التطورية؟

ذيل الطاووس

من المعروف، وفقًا لدكتور نو، أن داروين احتار كثيرًا في مسألة التنوع فائق الجمال في مظاهر التزين في عالم الأحياء. في رسالةٍ لصديقٍ كتب داروين إن «منظر الريشة في ذيل الطاووس كلما حدقت فيه يصيبني بالغثيان!».

ينبع غثيان داروين من أن ذيل الطاووس في ظاهره عديم القيمة فيما يتعلق بالتكيف وتحسين فرص بقاء الطاووس؛ لا يُساعده على الطيران، أو يُعينه على القتال، أو يحسن فرصه في جمع الطعام أو يخفيه عن الحيوانات المفترسة.

ذيل الطاووس يبدو مثالًا من أمثلة عديدة تدحض افتراض أن الخصائص البيولوجية هي محض عوامل تكيف يتم انتخابها على أساس قيمتها في تحسين فرص البقاء والتكاثر.

ما يميز ذيل ذكر الطاووس هو أنه يُعجب أنثى الطاووس. يجذبها بجماله. لهذا السبب اكتسب ذكر الطاووس ريشًا ينفشه ويتباهى به، لا لقيمته في التكيف مع البيئة، بل لأن الأنثى انتقته بنفسها. هي فكرة ثورية تهدم أسس النظام البطريركي الأبوي، لدرجة تجعل علماء التطور يميلون إلى التقليل من دور أهمية الانتقاء الجنسي أو يُفسرونها بمنطق التكيف. يرى هذا المنطق أن الذيل ما هو إلا إشارة إلى أن الطاووس مؤهل للارتباط. زينة الطاووس هي مجرد استهلاك مظهري من وجهة النظر هذه، تُعجِب الإناث لأنهن لا يقدرن على مقاومة النفوذ الذكوري الطاغي.

إلا أن هذا التفكير يغفل تمامًا فكرة داروين الثورية: اللذة الجمالية التي تجدها الحيوانات في بعضها البعض هي لذة اعتباطية تمامًا، لا تقوم على ما هو أكثر من الرغبة وإشباعها. والتجارب الحسية الواعية عند الحيوانات – خاصة الإناث – والخيارات التي تتخذها نتيجة لها هي واحدة من القوى الحاكمة للتطور الطبيعي.

التطور المشترك للجمال

يقول د. نو إن المؤلف ريتشارد برام في الصفحات الأخيرة من الكتاب يدعو إلى استخدام نظرية التطور الجمالي في رؤية أن ما تفعله الحيوانات وما يفعله موزارت وفان جوخ هما الشيء ذاته: ضربٌ من ضروب الفن.

يرى برام أن الجمال ينشأ من عملية تطور مشتركة، قائلًا إن «التغيرات في مواصفات الشريك المفضلة غيرت من الذيل، والتغيرات في الذيل غيرت مواصفات الشريك المفضلة». بالمثل فإن استجابتنا للفن واللذة التي نجدها فيه مرتبطة ارتباطًا وثيقًا بالفن ذاته عبر عمليات التطور المشترك. أي أن تفضيلاتنا تشكل الفن والفن يشكل تفضيلاتنا ويعيد تشكيلها مرارًا.

إحدى نقاط القوة في هذه الرؤية، وفقًا لكاتب المقال، هي أنها تفسر التغيرات الجذرية في تقييمنا للجمال. يُمكن أن تصبح أعمال الفنانين جميلة لأنها تُساهم في تغيير معايير تقييمنا لجمال العلم الفني (أعمال آندي وارهول مثالًا). كذلك تضع تلك الرؤية في اعتبارها الفارق بين الإعجاب بالشيء وبين أن تجده جميلًا. وربَّ جمالٍ متوارٍ، في إثباتٍ رياضي أنيق أو في أعمال بيتهوفن الأخيرة، لا يُتاح إلا لمن ينظر إليه من أعلى جبل التوافقات والتواصلات السابقة على تذوقه جمال العمل.

اقرأ أيضًا: مترجم: الجمال والانتقاء الجنسي.. كيف تفسر نظرية التطور دور الجمال؟

الفن ليس كله «جَمالًا»

لا يشكك د. نو في أن أنثى الطاووس تجد لذة لدى رؤية طاووس وسيم، وترى فيه جمالًا. لكن هل نستمتع نحن البشر بلذة من هذا النوع حين نرى عملًا فنيًا؟ ليس الفن كله جمالًا. وتجربة الفن نادرًا ما ترتبط بالشهوة والرغبة حين النظر إليها. يضرب د. نو مثلًا بلوحات الفرنسي نيكولا بوسان، والتي يشعر بمتعة حين ينظر إليها، لكنها متعة تستند إلى حقيقة أن الرسمة بكل ما فيها ومن فيها ليست حقيقية. لا تتبدى أهميتها سوى عبر الانفصال عنها. هكذا استمتع جمهور موزارت حين أفسد توقعاتهم المسبقة عن المقطوعات الموسيقية. لقد فهموا مزاحه وفكره، ولم يقتصر الأمر على أن آذانهم طربت لسماع ألحانه.

يخشى د. نو أن نظرية برام، باعتبارها نظرية فنية، تقع في خطأ التعميم أكثر من اللازم، وتذهب إلى أن كل نشاط اجتماعي وكل تقنية هي محدودة بما يعجبنا، حتى وإن كانت تتيح لنا الفرصة لنغير تفضيلاتنا. لكن الفن ليس نشاطًا مجتمعيًا أو مجرد تقنية حتى وإن بدا كذلك. الفن دائمًا ما يحدث اضطرابًا في طبائع الأمور، وقيمته لا تأتي من عمليات التطور المشترك أو الحوار بين ما نُبدع وما نحب، لكنها تأتي من ممارسة استقصاء هذه العمليات واستجوابها وتحديها.

ينتهي د. نو إلى أن المشكلة ليست في إصرار برام على وجود البُعد الجمالي في حياة الحيوانات، فهو لا يشكك في الثراء الجمالي الموجود في العالم الطبيعي. لكن المشكلة، كما يراها من قراءته لأعمال برام، هي أنه ينفي وجود الفن.

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

تعليقات الفيسبوك