نشر موقع هيستوري نت تقريرًا لـ باميلا تولير، كاتبة ومؤلفة مهتمَّة بالتاريخ والفن، استعرضت فيه حقائق تاريخية عن «سِجَّاد الحرب» في أفغانستان ودوره في تصوير الصراعات التي شهدتها البلاد منذ أن احتلَّها السوفيت، مشيرةً إلى أن هناك أنواعًا كثيرة من السجَّاد الذي تنسج خيوطه نساءٌ أفغانيات توارثن هذه المهنة عن أسلافهن، وأن صُنَّاع سِجَّاد الحرب الأفغاني يستخدمون أساليب مهنتهم وموادها التقليدية لتصوير تجربة الحرب الحديثة التي شهدتها البلاد.

تستهل الكاتبة مقالها بالقول: عندما غزا الاتحاد السوفيتي أفغانستان في 24 ديسمبر (كانون الأول) 1979، استقدم السوفيت أسلحة حديثة إلى منطقة مزَّقتها الحرب الأهلية بالفعل، ولم تقتصر تداعيات ذلك على تحوُّلِ طبيعة تلك الحرب فحسب، بل حوَّلت أيضًا صورة أحد الفنون التقليدية في البلاد.

أفغانستان.. خلفية تاريخية

وألمح التقرير إلى أنه في عام 1978، استولى فصيل تابع للحزب الشيوعي الأفغاني على السلطة بعد مرور مدة طويلة على وقوع اضطرابات داخلية. ونظرًا لمواجهتهم مقاومة مُسلَّحة من السكان المسلمين التقليديين في البلاد، لجأ قادة الحكومة الجديدة إلى السوفيت طلبًا للمساعدة. بيد أنَّ المساعدة لم تأخذ الشكل الذي توقَّعوه. وانطلاقًا من تخوُّفِهم من أن يفقدوا نفوذهم في المنطقة، احتل السوفيت أفغانستان، وأطاحوا حكومتها الشيوعية المحلية، وعيَّنوا زعيمَ فصيلٍ تابعًا للحزب الديمقراطي الشعبي الماركسي رئيسًا للحكومة الجديدة.

وواجه السوفيت ودولتهم العميلة الجديدة مقاومة متجددة من جانب السكان المسلمين التقليديين في البلاد. واستفادت مجموعة (مقاتلون من أجل الحرية الإسلامية)، المعروفة بصفة جماعية باسم (جماعة المجاهدين)، من تأقلمها مع التضاريس الجبلية الوعرة ومن تاريخها الحافل بحرب العصابات ضد الغزاة الأجانب في إقضاض مضاجع القوات السوفيتية بنجاح، إذ استخدمت في البداية أسلحة استولت عليها من البريطانيين في الحرب الإنجليزية الأفغانية الثالثة عام 1919، ثم استخدمت لاحقًا أسلحة استولت عليها من المحتلِّين السوفيت.

Embed from Getty Images

ووصل الصراع إلى طريق مسدود استمر حتى عام 1987، عندما زوَّدت الحكومة الأمريكية جماعة المجاهدين سرًا بصواريخ ستينجر من طراز FIM-92 المضادة للطائرات. واستخدمت جماعة المجاهدين هذه الصواريخ الحرارية البسيطة المحمولة على الكتف في إسقاط الطائرات التي تُحلِّق على ارتفاع منخفض والطائرات المروحية المقاتلة التي كانت تُمثِّل السلاح الأكثر فاعلية لدى الجيش الأحمر (وهو الجيش السوفيتي الذي أسَّسته الحكومة الشيوعية بعد الثورة البلشفية عام 1917) ضد الأفراد المشاركين في حرب العصابات. وبدأ السوفيت الانسحاب من أفغانستان بعد مرور عام، وغادر آخر الجنود السوفيت البلاد في 15 فبراير (شباط) 1989.

تداعيات ضخمة

وتضيف الكاتبة: أسفرت تسع سنوات من الحرب الوحشية عن وقوع خسائر فادحة في كلا الجانبين. وقُتل ما يُقدر بنحو مليون مدني أفغاني، بالإضافة إلى 90 ألفًا من المجاهدين، و18 ألف جندي أفغاني، و15 ألف جندي سوفيتي. ولاذ ملايين من المدنيين الأفغان بالفرار إلى مخيمات اللاجئين في البلدان المجاورة.

دولي

منذ 7 شهور
مترجم: أمريكا وعدت بإرساء الديمقراطية في أفغانستان.. لماذا فشلت في تحقيق ذلك؟

ولم يسفر الانسحاب السوفيتي عن انتهاء العنف. واستمرت الحرب الأهلية بين الجيش الأفغاني وجماعة المجاهدين خلال تسعينيات القرن الماضي، ما مهَّد الطريق ليس فقط أمام سيطرة حركة طالبان على البلاد في عام 1996، ولكنه أفسح المجال أيضًا لجيل جديد من المُحتلِّين الأجانب.

وأدَّى الغزو السوفيتي والوضع الذي أعقبه إلى استمرار الاضطرابات السياسية وعدم الاستقرار الاقتصادي في المنطقة، ولكنه كان أيضًا مصدر إلهام لشكل فني غير مألوف، وهو: سِجَّادة الحرب الأفغانية.

سجاد الحرب الأفغاني

ترى الكاتبة أن سِجَّادة الحرب الأفغانية تُمثِّل تطويعًا حديثًا لأحد أشكال الفن التقليدي. ونظرًا لصناعته على أيادي نساء يعملن في منازل ريفية أو يعملن في ورش حضرية صغيرة، غالبًا ما يُوصَف السِجَّاد الأفغاني التقليدي بأن سِجَّاد قَبَلي، على عكس ما يعتقده معظم الناس بشأن السِجَّاد الإيراني/العجمي (من الناحية التقنية، ينقسم إلى نوعين سجاد إيراني قَبَلي وسِجَّاد المدن)، إذ يتمتع تصميمه بمزيد من التفصيل، وغالبًا ما يكون منسوجًا بمزيد من الدِقَّة، ويتَّسم بكِبَر حجمه، بهدف تغطية أرضية الغرفة.

وتتميز تصميمات السِجَّاد الأفغاني، على عكس تصميمات السِجَّاد الإيراني، بأنها هندسية أكثر منها زهرية وتتمتع بمساحة مفتوحة. ويحيط بالسِجَّاد الأفغاني إطار واحد أو أكثر، إما إطار مع زخارف في الوسط أو نمط هندسي متكرر، وعادةً ما يكون هذا التصميم على خلفية حمراء داكنة.

Embed from Getty Images

وغالبًا ما يتضمن سِجَّاد الصلاة شكل محراب في أحد طرفيه، وهو المحراب المنحوت في جدار المسجد ويشير إلى اتجاه القبلة في مكة. وتُرتّب العناصر في جميع أنواع التصاميم هذه ترتيبًا متناسقًا حول محور مركزي.

وظهرت الأسلحة الحديثة، وعلى رأسها الطائرات العسكرية، مرسومة على السِجَّاد الأفغاني في وقت مبكر من ثلاثينيات القرن الماضي، أي قبل وقتٍ طويلٍ من الغزو السوفيتي، ولكن كان هذا النوع من السِجَّاد نادرًا. ولم يبدأ عدد متزايد من النسَّاجين الأفغان في صناعة السِجَّاد الذي يجمع بين التصميمات التقليدية والزخارف الجديدة والأشكال المعاصرة، والمعروف في أفغانستان باسم كلاشينكوف، حتى وقوع حرب العصابات في ثمانينيات القرن الماضي، بعد البنادق الآلية السوفيتية التي تُمثِّل عنصرًا محوريًّا شائعًا في تصاميم هذا السِجَّاد.

كيف يصوِّر صُنَّاع السِجَّاد تجربة الحرب الحديثة؟

وتشير الكاتبة إلى أن صُنَّاع سِجَّاد الحرب الأفغاني يستخدمون أساليب مهنتهم وموادها التقليدية لتصوير تجربة الحرب الحديثة، أو على الأقل الأسلحة التي استُخدِمَت فيها. (يصف إنريكو ماسكيلوني، وهو خبير في فن آسيا الوسطى الذي نظَّم بعض المعارض الأولى لسِجَّاد الحرب الأفغاني، السِجَّاد بأنه يشبه «كتالوج الأسلحة؛ حيث تُكدَّس تشكيلة من الأسلحة في مستودعات سرية»).

وتُعد عناصر تصميم سِجَّاد الحرب تقليدية في معظمها أيضًا. وتحيط إطارات زخرفية حيِّزًا من الأنماط المتكررة على طول محور مركزي قوي، ولكن تحل الدبابات والطائرات المروحية وقذائف القنابل وبنادق الكلاشينكوف والقنابل اليدوية محل الزخارف التقليدية أو تتداخل معها داخل ذلك الهيكل.

ومع إدخال تعديلات طفيفة فقط، أصبح شكل بوته (وهو المكوِّن السائد في النمط المعروف في الغرب باسم بيزلي) قنبلة يدوية أو طائرة مروحية. وتحوَّلت الميداليات ذات الأضلاع الثمانية المعروفة باسم غول (göls) بسهولة إلى دبابات فنية، بالإضافة إلى صفوف من الماس أو النجوم المزخرفة مثل الإطارات الخاصة بها.

Embed from Getty Images

وعلى غرار الإطارات التقليدية، غالبًا ما تتماشى هذه الدبابات مع نمط متكرر يمتد على طول الإطار المركزي داخل إطارات السِجَّادة، على سبيل المثال، توصَف السِجَّادة التي تحتوي على صفَّين مركزيين ويوجد في كلٍ منهما خمس دبابات بأنها سِجَّادة «الدبابات الـ 10». وفي سياق الدبابات، تشير الزخارف التقليدية للنجمة والزهرة إلى الانفجارات. وتكون البنادق الآلية والطائرات الشديدة التجريد، المرسومة من بداية السجادة إلى نهايتها، بمثابة إطارات السِجَّادة أو تُمثِّل نمطًا هندسيًّا مركزيًّا.

سِجَّاد الصور

وترى الكاتبة أن سِجَّاد الصور، الذي يركز على الصور المبسطة ولكن يمكن التعرف عليه والذي يشير إلى حدث ما، هو أحد أنواع سِجَّاد الحرب الأقل شيوعًا، ذلك أنه يقل ارتباطه على نحوٍ واضح بالسِجَّاد التقليدي في صورته، على الرغم من أن صُنَّاعه يستخدمون أسلوب نسْج العُقَد (خيوط ملونة من الصوف أو الحرير تُلَف حول خيط السدى) ذاته (المُستخدَم في السِجَّاد التقليدي) على أساس متين من السدى (خيوط طولانية متوازية من القطن) واللحمة (خيوط عرضانية مفردة أو مزدوجة، وتدخل اللحمة بواسطة المكوك يدويًّا فوق خيوط السدى وتحتها بالتناوب).

وقبل صعود حركة طالبان، التي فرضت نسختها الخاصة من الشريعة الإسلامية، بما في ذلك فرض حظر صارم على تمثيل البشر في أي مادة فنية، تضمنت بعض أنواع سِجَّاد الصور لوحات فنية فاخرة لقادة عسكريين وسياسيين أفغان وصورًا للمجاهدين الأبطال أثناء هجومهم على الدبابات السوفيتية. ووثَّقت أنواع أخرى من السِجَّاد الخروج السوفيتي من البلاد من خلال وضع خريطة تجريدية لأفغانستان في وسط إطار السِجَّادة، ويحيط بها صور للأسلحة والمركبات.

وهناك نوع آخر من السِجَّاد، يشبه في أسلوبه سِجَّاد الخرائط، ويتميز بصورة كبيرة الحجم لسلاح واحد، ويكون هذا السلاح بصفة عامة على هيئة بندقية كلاشينكوف من طراز AK-47 أو صاروخ ستينجر (المضاد للطائرات)، داخل إطار تقليدي. وعلى غرار سِجَّاد الخريطة، تُرتَّب صور ذات حجم أصغر لأسلحة أخرى حول الصورة المركزية. وتُصوِّر بعض الأمثلة الأكثر إثارة لسِجَّاد الصور مساجدَ أو مبانيَ أخرى تحيط بها طائرات مروحية. وتوصَف هذه الأنواع من السِجَّاد بصفة عامة بأنها تصور المساجد التي تتعرض لهجوم تشنُّه طائرات مروحية مقاتلة سوفيتية.

كيف تطورت أيقونة سِجَّاد الحرب؟

تنوِّه الكاتبة أن أيقونة سِجَّاد الحرب تطورت منذ ثمانينيات القرن الماضي لتعكس التغييرات التي أُدخِلَت في تجربة أفغانستان المُكتسبَة من الحرب الحديثة. وعندما أصبحت صواريخ ستينجر رمزًا لمكانة وحدات حرب العصابات بعد عام 1986، أصبحت صور هذه الصواريخ إضافة شائعة إلى «كتالوج الأسلحة» المُصوَّرة على السِجَّاد. وعندما غزت الولايات المتحدة البلاد في عام 2001، حلَّت طائرات مقاتلة من طراز F-16 ودبابات من طراز M1 Abrams محل الصور المرتبطة بالغزو السوفيتي.

ووجد صنَّاع السِجَّاد أيضًا مصدر إلهام آخر في المنشورات الدعائية التي أسقطتها الطائرات العسكرية الأمريكية، والتي تضمنت صورًا مثل العلم الأمريكي بل وحتى الكلمات والعبارات، التي غالبًا ما تحتوي على أخطاء إملائية، مثل «القنبلة اليدوية» و«الصاروخ» وبيبسي وطريق الإرهاب والولايات المتحدة الأمريكية.

Embed from Getty Images

كما أنتج النسَّاجون سِجَّادا يتَّسم بمزيد من الإثارة للجدل مُستوحى من هجمات 11 سبتمبر (أيلول) على بُرْجَي مركز التجارة العالمي في نيويورك، والتي وصفها تُجار سِجَّاد باعتبارها «سِجَّاد الحرب على الإرهاب»، على الرغم من أن صورها تتَّسم في أحسن الأحوال بالغموض.

صناعة شعب

وتؤكد الكاتبة أن سِجَّاد الحرب يمثِّل صناعة شعب نادرًا ما يكون له صوت في المناقشات العامة بشأن الأمور المتعلقة بالحرب والسلطة، ناهيك عن أن معظم النسَّاجين من النساء الفقيرات والأُميَّات في الغالب، وقد تعلَّمن مهارات النسج التي توارثتها أجيال من الأمهات والبنات من أسلافهن. (حاول بعض الرجال كسب لقمة العيش من نسج السِجَّاد في السنوات التي شهدت تدفُّق اللاجئين الأفغان إلى مخيمات في باكستان).

ولا يحتفل نسَّاجو سِجَّاد الحرب بالانتصارات التي تحققها البلاد ولا يكرمون الموتى أو ينتقدون السياسات التي أغرقت بلادهم في ويلات الحرب، ولكنَّها جميعًا أمور شائعة في أشكال أخرى من الفن المرتبط بالحرب.

دولي

منذ 7 شهور
«فورين بوليسي»: بعد الانسحاب من أفغانستان.. ما مصير القوات الأمريكية في الشرق الأوسط؟

ولكنْ يعمل النسَّاجون بدلًا من ذلك في إطار أدواتهم وفي إطار الوسائل التي تفرضها العقيدة الإسلامية التي تحرم التمثيل المادي لكل طبيعي، على حد تعبير الكاتبة، وتتَّسم رؤيتهم بالضرورة بأنَّها مُجرَّدة وهندسية، وتركِّز بصفة عامة على الأسلحة بدلًا من الجنود الذين يحملون تلك الأسلحة.

وتختتم الكاتبة مقالها بالإشارة إلى أن تجار السِجَّاد ونُقَّاد الفن ليسوا متأكدين بشأن أول مصدر إلهام للأفغان كي يصنعوا هذا السِجَّاد. ويُعد معظم السِجَّاد الذي صُنِع على مدار الأربعين عامًا الماضية في ورش العمل المنزلية التي تملكها عائلات أفغانية وبِيعَ في الأسواق، على صعيد محلي وفي إيران وباكستان، تقليديًّا بكل ما تحويه الكلمة من معنى.

وإذا كان الهدف من صناعته هو بيعه، بدلًا من صناعته بوصفه بيانًا شخصيًّا، لكان صناعة سِجَّاد الحرب الأول يشكِّل مقامرة ضخمة لصنَّاعه، ما يتطلب استثمارًا جادًا للوقت والمال لصناعة سِجَّادة من دون توفير سوق مضمون لبيعها. واليوم، أصبح السوق الرئيس لسِجَّاد الحرب خارج أفغانستان، حيث يمثِّل جزءًا من نقاش أكبر حول تداعيات الحرب على ذلك البلد والعلاقات المضطربة بين الغرب والعالم الإسلامي. وهذ يمثِّل تذكيرًا ملموسًا بالفصل الأخير في تاريخ أفغانستان الحافل بمقاومة الغزاة الأجانب.

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد