نشرت صحيفة «نيويورك تايمز» الأمريكية مقالًا للناقدة فرح نايري عن خطورة أن تكون فنانًا في أفغانستان، وتقول إنه على الرغم من هذه المخاطر استطاع الفنانون الأفغان توظيف إبداعاتهم لنقل صورة بلدهم وأوجهها المتعددة.

وفي بداية مقالها ذكرت الناقدة أنه بعد ظهر يوم 26 فبراير (شباط) 2015، تقلَّدت الفنانة كوبرا خادمي بدلة مصممة من المعدن فوق ملابسها وخرجت إلى الشارع. وكان لهذه البدلة المصفَّحة التي اكتشفتها مصادفةً في ورشة حداد محلي ثديان منتفخان ومؤخرة كبيرة. وكانت هذه البدلة محور عرضٍ في الشارع مخطط له بعناية.

لكن ذلك الشارع لمن يكن مجرد شارع عادي، بل كان شارعًا رئيسًّا مزدحمًا في العاصمة الأفغانستانية كابول. وكانت السيدة كوبرا خادمي، مرتديةً ملابسها الضيقة المنتفخة، تمشي على طول الطريق في عرضٍ تمثيلي صامت لمدة ثماني دقائق. وفي الوقت الذي غادرت فيه الشارع توقفت حركة المرور واحتشدت مجموعة من المهددين المتوعدين.

دولي

منذ سنة واحدة
مترجم: 17 عامًا على خروجه من قندهار.. هل سترحب عاصمة «طالبان» السابقة بعودته؟

دروع واقية ضد الاعتداء الجنسي

وأشارت الكاتبة إلى أنه في مقابلة عبر الهاتف من العاصمة باريس، حيث تعيش الفنانة، تجول بذاكرتها في الماضي وتقول: «كانوا يسبونني ويسخرون مني، قائلين: إنها مجنونة، إنها أجنبية، لقد فقدت عقلها، وهي عاهرة. ومع ذلك، لو لم أؤدِّ هذا الأداء التمثيلي، لشعرتُ بالأسى والحزن. كان نجاحا باهرًا. وهز الأداء شعور الجميع؛ مما أدى إلى إثارة جدال وقح على الملأ».

فنانة الأداء التمثيلي الأفغانية، كوبرا خادمي، أثناء عرضها الفني في شوارع كابول. مصدر الصورة: المقال الأصلي.

وقالت كوبرا: إن أداءها كان يعكس الواقع اليومي للنساء في أفغانستان، اللاتي تعرضن للتحرش والاعتداء الجنسي في كل مكان؛ في المنزل، وفي العمل، وفي الشارع. وقالت إنه «ليس هناك امرأة واحدة في أفغانستان لم ينتهك حقها في مرحلة ما من حياتها. إننا نعيش ثقافة الانتهاك». وتذكرت المعاناة التي تجرعت مرارتها جرَّاء الاعتداء الجنسي الذي تعرضت له في سن الخامسة من عمرها، والحنين، كطفلة، إلى دروع واقية تحميها من مثل ذلك.

أدرجت البدلة المعدنية التي ارتدتها كوبرا خادمي، وشريط الفيديو الذي سجَّل أداءها التمثيلي، من بين 60 عملًا فنيًا، في معرض «كارموهرا: الفن تحت النار في أفغانستان»، والذي يستمر في متحف موسيم بمدينة مرسيليا الفرنسية حتى غُرَّة مارس (آذار). ويقدم المعرض لوحات ورسومات وصور وتماثيل وأشرطة فيديو من أعمال 11 فنانًا أفغانيًّا، لا يزال معظمهم يعيشون في وطنهم.

الفن المعاصر في أفغانستان

وأوضحت الناقدة قائلةً: «إلى الآن، تحمَّل هذا الوطن نحو أربعة عقود من الصراع؛ إذ احتل الاتحاد السوفيتي أفغانستان في الفترة من عام 1979 إلى عام 1989، ثم استولت حركة طالبان على زمام الأمور، ثم غزت الولايات المتحدة وحلفاؤها أفغانستان في عام 2001. واليوم، أصبحت البلاد على شفا حرب أهلية، إذ تسيطر الحكومة في كابول على نصف الأراضي تقريبًا، بينما تسيطر حركة طالبان على النصف الآخر. ولهذا، تمثل صناعة الفن هناك مسعًى محفوفًا بالمخاطر».

«لا يحظى الفن المعاصر باحترام كبير في أفغانستان».

وقالت جيلدا شافيردي، أمينة معرض كارموهرا الإيرانية المولد، وهي تشير إلى الأعمال في متحف مرسيليا: «لا يحظى الفن المعاصر باحترام كبير في أفغانستان. ويُنظر إليه على أنه معول هدم للدين والأخلاق وانتهاك للتقاليد الأفغانية. وأي شيء يهدم صرح هذه التقاليد غير مُرحَّب به ويجب القضاء عليه».

وقالت جيلدا، التي عاشت وعملت في كابول في الفترة من عام 2005 حتى عام 2013، إنه بسبب ارتباط الفن والثقافة (في الأذهان) بالغرب «النجس»، لطالما كانا «هدفين واضحين لحركة طالبان».

عصر ذهبي قصير

وأردفت الناقدة المتخصصة في مجال الفن والثقافة قائلةً: طوال عقد من الزمن تقريبا، انتشرت قوات التحالف بقيادة الولايات المتحدة في أفغانستان، وشهدت البلاد «عصرًا ذهبيًا قصيرًا».

وانتشرت المراكز الثقافية الغربية والمعارض وورش العمل. وقبلت مدرسة فنية جديدة، هي مركز الفن المعاصر الذي افتتح في أفغانستان، في البداية الطلاب من كلا الجنسين وأصبحت فيما بعد مؤسسة للنساء فقط. ونظَّم دوكومنتا (أهم معارض العالم في الفن الحديث)، المعرض الألماني للفن الدولي الذي يُقام كل خمس سنوات، حدثًا عبر الأقمار الصناعية من كابول في عام 2012، استقطب 27 ألف زائر.

وأُعيد افتتاح المعهد الفرنسي في كابول، الذي أدارته جيلدا شافيردي من عام 2010 إلى عام 2013، خلال هذه الفترة، واستضاف فعاليات أسبوعية في مساحات العرض الخاصة به، فضلًا عن مسرحين وقاعة احتفالات تضم 450 مقعدًا.Embed from Getty Images
من معرض رسوم كاريكاتورية أقيم في المعهد الفرنسي في كابول عام 2014.

وأضافت: لكن مع بدء انسحاب القوات الغربية، أصبح المعهد هدفًا للهجمات. وفي ديسمبر (كانون الأول) 2014، تعرض عمل مسرحي حول الإرهاب لهجوم شنه مراهق انتحاري، أسفر عن مقتل ثلاثة أشخاص. وعلى الرغم من المخاطر، استطاع الفنانون الأفغان باستمرار نقل صورة بلدهم وأوجهها المتعددة».

كابوس

وألمحت الكاتبة إلى أن: «الرسام مهدي حامد حسن زادة عاد إلى أفغانستان من إيران المجاورة في عام 2009 للمشاركة في نهضتها الإبداعية. وقال في مقابلة عبر الهاتف: «كانت هناك جيوش دولية وأشخاص من جميع أنحاء العالم، وقد استثمروا بعض الأموال، وكانت هناك بعض الفرص».

وأضاف زادة: لكن تدريجيًّا، بدأ انعدام الأمان يلقي بظلاله على الحياة اليومية في أفغانستان، وخاصة بالنسبة لمثليي الجنس من أمثاله. ودرَّس زادة في مركز الفن المعاصر، حيث تلقى تهديدات منتظمة من المسلحين الذين عدُّوه من أعداء الإسلام. وأصبحت التفجيرات الانتحارية حدثًا يوميًّا في العاصمة كابول.

ويتذكر زادة ما عايشه قائلًا: «كنت أعيش في كابوس». وتوضح لوحته لعام 2015، والتي كانت بعنوان «كابوس»، شخصية مذعورة جاحظة العينين، وقال الفنان إنها تمثل شخصه.

وفي عام 2016، دُمِّرت جدارية صممها زادة بطول 66 قدمًا لمقهى «كاكتوس»، وهو عبارة عن ساحة في كابول يديرها الفنانون لتنظيم المعارض والحفلات الموسيقية والقراءة، على يد مرتادي المقهى بعد أن قال متطرفون دينيون إن الوحوش المرسومة في اللوحة كانت صورًا كفرية للشيطان. وفي تلك السنة انتقل زادة إلى مدينة إسطنبول ومنها إلى شيكاغو، حيث يعيش ويعمل الآن».

كفاح دائم و«احتجاج»

وتابعت الناقدة قائلةً: «أما بالنسبة لأولئك الذين لا زالوا قابعين في أفغانستان، وخاصة النساء، قد تكون حياتهم عبارة عن كفاح دائم، كما يوضح بجرأة العمل الذي قامت به الفنانات في المعرض. وتظهر صورة «احتجاج Protest» لفرزانة وحيدى، الصادرة في 2008، جذعًا عاريًا لامرأةٍ نجت من الانتحار، مغطى بإصابات معقدة، وهي صورة لواحدة من عدة نساء أفغانيات أشعلن النار في أنفسهن هربًا من حياة العنف المحلي والاحتجاز».

وفي صور أخرى لفرزانة تظهر عروس ترتدي ثوبًا أبيض طويلًا وسط أنقاض مدمرة، وتجلس أخرى على سرير بجانب زوجها الجديد، وتحدق محبطةً في الكاميرا.

وحوَّلت الفنانة زليخة شيرزاد الحجاب الأزرق أو البرقع، الذي يغطي المرأة من رأسها حتى أخمص قدميها والمعروف في أفغانستان باسم الشادور ويراه البعض في الغرب رمزًا لمحاصرة المرأة، إلى تمثال منحوت. والعمل، المسمى «Hawa–ye Azad» أو «الهواء الطلق»، عبارة عن قطعة كبيرة ملفوفة من حرير أزرق ذي ثنيات تتدلى من السقف. وكما أوضحت الفنانة في كتالوج المعرض، فإن الحجاب للمفارقة ثوب وفَّر للأجيال الأكبر سنًا من النساء حرية الخروج من المنزل.

عنف مميت

وأوضحت الكاتبة أن «الموضوع الآخر البارز للمعرض كان العنف المميت الذي ابتليت به أفغانستان في السنوات الأخيرة، وحظي بتغطية إعلامية دولية. وكان الهجوم الذي شنته طالبان على مطعم «تافيرن دو لوبون Taverne du Liban» في كابول خلال شهر يناير (كانون الثاني) 2014 – والذي أودى بحياة 21 شخصًا – موضوعَ عرضٍ فني للفنان كافي آيريك.

وبعد يومين من الهجوم المنسق، انضم إلى مسيرة السلام التذكارية. وسقط على الأرض ثلاث مرات أثناء المسيرة، ممثلًا أنه ينازع سكرات الموت، بينما كان أحد أعضاء فريقه المسرحي يحدد محيط جسده على الرصيف. (توضح الصور الفوتوغرافية والصور الظلية المرسومة على أرضية المعرض ذكريات هذا الأداء).

وكانت حادثة تجمع عدد من الغوغائين حول فرخنده مالكزادة وسحلها وقتلها في ديسمبر 2015، وهي طالبة في مجال الدراسات الإسلامية اتُهمت زورًا بحرق القرآن، موضوعَ لوحة لطيف إشراق القاتمة والتي سمَّاها «فرخنده» 2017. وتظهر اللوحة جثة فرخنده محاطة بغابة من الشخصيات المحتجَبَة.

قلة من دول العالم عانت هذا القدر من ويلات الهجمات والاضطرابات.

عبر الرسائل النصية المتبادلة من كابول، حيث يعيش ويعمل، قال إشراق إنه لم يتردد في تجسيد المحنة على لوحة قماشية، على الرغم من المخاطر التي يكتنفها هذا الفعل. وأوضح قائلًا: «يتحدث الرسام من خلال اللوحة التي يرسمها، فهل نلوذ بالصمت عندما تندلع المخاطر»؟

وقالت جيلدا: «إن قلة من دول العالم عانت هذا القدر من ويلات الهجمات والاضطرابات، لكن هذه الأحداث الأخيرة لم تُدرَّس في المدارس الأفغانية». وارتأت أنه لم يكن هناك سرد واحد مقبول بسبب الانقسامات العميقة ووجهات النظر المتضاربة.

واختتمت الناقدة مقالها مستشهدةً بقول كوبرا خادمي، فنانة الأداء التمثيلي: «إن الفصائل المتحاربة في أفغانستان قد تكون «مشغولة بالتدمير»، لكننا نكتب هذا التاريخ بسلام تام».

من الميدان

منذ 8 شهور
«نيويورك تايمز»: حيث قُمِع الجمال طويلًا.. هكذا ازدهر الفن في انتفاضة العراق

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد