سيؤدي الانسحاب السريع للقوات الأجنبية من أفغانستان، بموازاة المكاسب الإقليمية التي حققتها حركة طالبان مؤخرًا، إلى اشتعال صراع على السلطة بين طالبان والحكومة الأفغانية؛ من المرجح أن يتسبب في نشوب حرب أهلية، وبالتبعية تدهور البيئة الأمنية في المنطقة؛ حسبما يحذر تحليل نشره مركز «ستراتفور للتحليلات الأمنية».

يلفت التحليل إلى أن الموعد النهائي الذي أعلنه الرئيس جو بايدن لسحب القوات الأمريكية في 11 سبتمبر (أيلول) أصبح مجرد «جدول زمني رمزي». فعلى الأرض غادر أكثر من نصف القوات الأمريكية وحلف شمال الأطلسي أفغانستان، وتشير التقارير إلى أن القوات المتبقية ستغادر البلاد في أقرب وقت، في غضون الأسبوع الأول من يوليو (تموز).

دولي

منذ 6 شهور
لعبة القط والفأر.. كيف قاتلت «طالبان» أمريكا للانسحاب من أفغانستان؟

في الثاني من يوليو أنهت القوات الأمريكية انسحابها من قاعدة باجرام العسكرية الرئيسة في أفغانستان. استغلت طالبان هذه الفرصة الإستراتيجية، بعدما أصبحت القوات الأفغانية هي المسؤولة الوحيدة عن أمن البلاد، وشنت حملة هجومية للاستيلاء على الأراضي والسيطرة عليها. منذ ذلك الحين سيطرت طالبان على 157 منطقة من مناطق أفغانستان البالغ عددها 407 في غضون شهرين فقط.

في 29 يونيو (حزيران) شن مقاتلو طالبان هجومًا على مدينة غزنة، التي تقع في منطقة حساسة على طول الطريق السريع الذي يربط كابول بإقليم قندهار الجنوبي. وإذا تمكنت طالبان من السيطرة على المدينة، فسيكون ذلك ثاني أكبر مكاسبها على صعيد قطع الحركة من وإلى الجنوب إلى كابول. وكانت الحركة قد أحرزت إنجازها الأول في وقت سابق حين استولت على دوشي يوم 21 يونيو، وهي منطقة يمر فيها الطريق الوحيد الذي يربط كابول بالأجزاء الشمالية من البلاد.

تسيطر طالبان أيضًا على نقاط التفتيش في إقليم قندوز الشمالي المتاخم لطاجيكستان؛ مما يمنحها السيطرة على طريق تجاري رئيس إلى آسيا الوسطى. وبغض النظر عن توسيع النفوذ على الأرض لتعزيز مصالح الحركة، فإن تلك المكاسب الإقليمية تمنح طالبان أوراق مساومة إستراتيجية لاكتساب المزيد من النفوذ في المفاوضات المستقبلية مع الحكومة الأفغانية.

شلل عملية السلام الأفغانية

كان انسحاب القوات الأجنبية هو أحد الشروط الرئيسة في الاتفاق الذي توصلت إليه الولايات المتحدة مع طالبان في فبراير (شباط) 2020. في المقابل وافقت طالبان على وقف إطلاق النار، وإجراء محادثات مع الحكومة الأفغانية في كابول من أجل الوصول إلى حلّ يقوده الأفغان ويمتلكون القرار فيه بشأن المشكلات السياسية والأمنية التي تعصف بالبلاد.

Embed from Getty Images

لكن تلك المفاوضات بين الأطراف الأفغانية تعثرت بسبب الشروط المسبقة المتضاربة التي وضعها الطرفان؛ إذ طالبت طالبان كابول أولًا بالإفراج عن سجناء الحركة، وضمان تمثيلها بنسبة عادلة في حكومة ما بعد الحرب. في غضون ذلك أصرت الحكومة الأفغانية على أنها لن تشارك في محادثات مع طالبان حتى توافق الحركة على وقف إطلاق النار.

يرصد تحليل «ستراتفور» الخسارة التي تتكبدها قوات الأمن الأفغانية على الأرض نتيجة إخفاقات القيادة اللوجستية والسياسية. إذ تعتمد قوات الأمن الأفغانية على المتعاقدين الذين تمولهم الولايات المتحدة لإصلاح أسطولها من الطائرات، والعربات المدرعة، وغيرها من المعدات، وصيانتها.

وبما أن هؤلاء المتعاقدين سيغادرون أيضًا قريبًا كجزء من الانسحاب الأمريكي، فهذا يجعل القوات الأفغانية عاجزة عن الاحتفاظ بعشرات الطائرات المقاتلة، وطائرات الشحن، والمروحيات، والطائرات بدون طيار أمريكية الصنع لأكثر من بضعة أشهر أخرى.

يمكن أن يؤدي هذا التطوُّر إلى شلّ حركة القوات الجوية الأفغانية، التي تعد رأس حربة كابول ضد طالبان؛ بسبب دورها في دعم العمليات البرية الأفغانية بضربات جوية فعالة، وهي قدرة تفتقر إليها طالبان. وهناك أيضًا نقص في التنسيق على الأرض بسبب القيادة السياسية غير الفعالة في كابول.

تحتَ وطأة ضعف المعنويات بسبب الموارد المحدودة، وانسحاب القوات الأمريكية، وتدني الرواتب، وانتشار الفساد الحكومي، سلَّم الجنود الأفغان مراكز المقاطعات، وتركوا القواعد العسكرية، واستسلموا لطالبان. سلموا أسلحتهم، ومركباتهم، وعتادًا حربيًا آخر بدون قتال؛ بسبب نقص العدد والعتاد. كما أدت الهجمات على المقاطعات الشمالية إلى إنهاك القوات الأفغانية المحدودة في مناطق واسعة؛ مما زاد من إضعافها.

زعزعة استقرار البلاد

يرجح «ستراتفور» أن يؤدي تدهور الوضع الأمني ​​في أفغانستان إلى اندلاع حرب أهلية فوضوية في أقل من ستة أشهر بعد انسحاب القوات الأجنبية. ولكي تتغلب الحكومة الأفغانية على عجزها عن تنسيق رد عسكري فعال تقوده كابول أطلقت مؤخرًا حملة «تعبئة وطنية» لتسليح المدنيين، والميليشيات المحلية، لمواجهة تقدُّم طالبان. لكن بفضل هجمات طالبان المنظمة ستظل الحركة قادرة على هزيمة الميليشيات المحلية بسهولة؛ بسبب افتقارها النسبي إلى التدريب والمعدات العسكرية.

ونظرًا لأن الميليشيات الأفغانية لها تاريخ طويل من تغيير الولاءات، وخوض الصراعات على السلطة، والغرق في النزاعات الإقليمية، لا يوجد ضمان أيضًا بأن الجماعات المسلحة المحلية لن تستخدم الأسلحة الجديدة للقتال ضد بعضها البعض، بدلًا عن محاربة طالبان؛ مما يؤدي إلى زيادة العنف والاضطرابات بين الطوائف الأفغانية.

Embed from Getty Images

صحيحٌ أن هذه التنظيمات المسلحة ترتبط نظريًا بالحكومة الأفغانية، لكن تنظيمها يجعلها قادرة على زيادة تقسيم الدولة التي مزقتها الحرب على أسس عرقية، وبالتبعية تعزيز حركة طالبان تلقائيًا؛ مما يؤدي إلى تعدد الجبهات وإشعال حرب متعددة الأطراف بين طالبان، والحكومة الأفغانية، والميليشيات المحلية.

يشير التحليل إلى أن أمراء الحرب الذين يقودون الميليشيات قدموا الحماية للأقليات العرقية التي غالبًا ما تستهدفها طالبان. لكن في حين أن هذه التشكيلات الميليشيوية ساعدت القوات الحكومية مؤقتًا في قتالها ضد طالبان في العديد من المناطق الشمالية، فإنها عززت أيضًا إقطاعيات أمراء الحرب؛ مما أدى إلى تآكل سلطة الحكومة في كابول، وهو تأثير يمكن أن يدوم لفترة أطول من الصراع الحالي.

يتابع «ستراتفور»: يمكن أن يصبح شمال أفغانستان ساحة قتال بين طالبان والجماعات غير البشتونية المكونة من أقليات عرقية، مثل الطاجيك والأوزبك. ومن شأن هذا العنف أن يزيد من زعزعة استقرار البلاد، وقد يؤدي إلى موجات هجرة وأزمات لاجئين في دول آسيا الوسطى. ويمكن أن يصبح جنوب أفغانستان، الذي تسكنه أغلبية من البشتون، قاعدة لمقاتلي تنظيمي «القاعدة» و«داعش»، حيث ستكون لديهم حرية تشغيلية أكبر بكثير لتنظيم مجموعة من الأنشطة، بما في ذلك التجنيد، والتدريب، والتخطيط للهجوم.

كما أن زيادة وتيرة القلاقل في أفغانستان من شأنه أن يعرض أمن البلدان المجاورة للخطر، من خلال توفير أرض تدريب خصبة للجماعات المسلحة الإقليمية.

وقد أسفرت الاشتباكات العنيفة بين طالبان وقوات الأمن عن سقوط آلاف الضحايا المدنيين، ونزوح سكان المناطق الريفية داخليًا إلى عواصم ومدن إقليمية محمية بدرجة أكبر نسبيًا. وفي الأشهر المقبلة، خاصة بعد أن تكمل الولايات المتحدة وحلف شمال الأطلسي سحب قواتهما، لا يستبعد «ستراتفور» أن تسقط المدن الكبرى أيضًا في يد طالبان.

مخاوف الغرب

قد تؤدي هذه المكاسب التي تحققها طالبان إلى اندلاع أزمة إنسانية إقليمية تصعب معالجتها في خضم أعمال العنف، وبالتالي تشكل تهديدًا مستدامًا بتوطين الاضطرابات في البلاد. كما أن الفراغ الأمني ​​وازدياد قوة طالبان قد يؤديان إلى إحياء معسكرات التدريب للجماعات الإرهابية المختلفة في المناطق النائية بأفغانستان؛ مما يعرض أمن المنطقة بأكملها للخطر.

بالإضافة إلى ذلك يمكن للمنظمات الإرهابية الدولية، والإقليمية، التعبئة والعمل انطلاقًا من المنطقة لتهديد أمن جنوب ووسط آسيا. وترسيخ أقدام تنظيمي «القاعدة» و«الدولة» في أفغانستان يمكن أن يمكّنهما من التخطيط لعمليات ضد الغرب أيضًا.

Embed from Getty Images

يمكن أن تكثف جماعة تحريك طالبان في باكستان – المتمركزة في المنطقة الحدودية بين أفغانستان وباكستان – هجماتها ضد باكستان، وهذا بدوره قد يستفز إسلام آباد لزيادة تدخلها في أفغانستان. ويتواجد 5 آلاف من مقاتلي حركة طالبان باكستان في المنطقة الحدودية بين أفغانستان وباكستان؛ مما يشير إلى أن المجموعة متأهبة للاستفادة من زيادة سيطرة طالبان، وانفراط عقد القوات الأفغانية المستنزفة في العمليات ضد الحركة.

وسيكون للجماعات الإرهابية التي تعمل ضد الهند، مثل: «جيش محمد»، و«لشكر طيبة»، عمقًا إستراتيجيًا أكبر لتنفيذ هجماتها في المنطقة؛ بسبب ارتباطاتها مع طالبان. ويمكن أن يؤدي شن هجمات ضد الهند إلى تدخل نيودلهي ضد هذه الجماعات في باكستان وأفغانستان أيضًا.

وقد يعاود تنظيم «القاعدة» العمل في أفغانستان بمجرد أن تتغلب طالبان – التي يقال إنها تحافظ على علاقات وثيقة معها – على قوات الأمن الأفغانية.

ولا يمكن أيضًا استبعاد عودة ظهور «تنظيم الدولة» في أفغانستان، بعدما أثبت قدرته على الصمود، ورسخ أقدامه وسيطرته نسبيًا في الأجزاء الجنوبية من البلاد. هذان التطوران سيؤديان إلى زيادة كبيرة في التهديد الإرهابي المحدق بالغرب، بالنظر إلى أن تنظيمي «القاعدة» و«الدولة» لديهما نية إستراتيجية لضرب أهداف في الخارج، انطلاقًا من الملاذ الأفغاني الآمن، حسبما يحذر «ستراتفور» في خاتمة التحليل.

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد