كتب توني ووكر، كاتب عمود في صحيفة «ذا أيج» وسيدني هيرالد مورنينج، تحليلًا نشره موقع «ذا كونفرزيشن» الأسترالي بشأن تداعيات الانسحاب الأمريكي من أفغانستان، وتأثير ذلك على الشرق الأوسط الأوسع، وتأثير الولايات المتحدة في العالم، وكذلك حلف الناتو بالتبعية. 

ويستهل الكاتب مقاله بالقول: إنه في القرن التاسع عشر، جرى استخدام عبارة «اللعبة الرائعة» لوصف المنافسة على السلطة والتأثير في أفغانستان، ومناطق وسط وجنوب آسيا المجاورة، بين الإمبراطوريتين البريطانية والروسية. ولم ينتصر أي طرف في هذه المنافسة فيما أصبح يعرف باسم «مقبرة الإمبراطوريات».

دولي

منذ شهر
ما السر وراء سياسة روسيا والصين الناعمة تجاه طالبان؟

وبعد مضي قرنين جرى تذكير قوة عظمى أمريكية بحقيقة مماثلة. يضيف التحليل «إن معضلة أفغانستان، التي انهار فيها الجيش الأفغاني المدرب والمجهز على يد الولايات المتحدة والبالغ قوامه 300 ألف جندي خلال ساعات، هي بمثابة تذكير بحدود القوة الأمريكية في الشرق الأوسط الأوسع. وقد يتحمل الرئيس الأمريكي جو بايدن أشد انتقادات بسبب الانسحاب الذي نُفِّذ تنفيذًا كارثيًّا، ولكن هناك كثيرًا من اللوم الذي يمكن توجيهه، والذي يعود تاريخه إلى القرار الأصلي المشؤوم بـ(بناء الدولة) في بلدٍ قاوم التدخل الأجنبي على مدار آلاف السنين».

التأثير سيشمل كل ركن من أركان الشرق الأوسط

وبعد سقوط كابول والانسحاب الأمريكي المتسرع من بلد أنفقت أمريكا عليه تريليون دولار أمريكي، يبقى السؤال: ما التطور التالي في الشرق الأوسط؟

وهذا سؤال يمتد قوسه من المغرب غربًا حتى باكستان شرقًا، ومن تركيا شمالًا حتى الخليج وعبر القرن الأفريقي. وسيتأثر كل ركن من أركان الشرق الأوسط وشمال أفريقيا بطريقة ما بسبب فشل السلطة الأمريكية في أفغانستان، وفي أطول حرب خاضتها في تاريخها. ويشترك في حسابات أمريكا في هذا الجانب أيضًا حلفاء الناتو ودول مثل أستراليا. إن مشاركة أستراليا غير المدروسة في الالتزام المفتوح في أفغانستان يجب أن يوجه له اللوم.

هل هي سايجون جديدة؟

يؤكد التحليل أنه لا مفر من إجراء الموازنات والبحث عن أوجه الشبه بين انسحاب أمريكا المذعور من كابول والمشاهد المماثلة التي حدثت في مدينة سايغون الفيتنامية قبل 46 عامًا. ومن بعض النواحي، فإن الوضع الأفغاني أكثر إثارة للقلق لأن جزءًا كبيرًا من الشرق الأوسط معرض لخطر الانزلاق إلى الفوضى. وربما تكون هزيمة الجيش الفيتنامي الجنوبي في عام 1975 قد أثَّرت على التطورات في الدول الهندية والصينية المجاورة، ولكن جرى احتواء التداعيات إلى حد كبير.

Embed from Getty Images

وتختلف أفغانستان من حيث إنه في الوقت الذي تضررت فيه مصداقية أمريكا وثقتها بنفسها في فيتنام، ظلت هي القوة العسكرية المهيمنة في غرب المحيط الهادئ قبل صعود الصين. وفي الشرق الأوسط، ستجد واشنطن المتضائلة – التي اهتزت الثقة في قدرتها على الوفاء بالتزاماتها، إن لم تكن قد تحطمت – أن سلطتها ستكون موضع شك كبير. ويأتي ذلك في وقت تختبر فيه الصين وروسيا العزيمة الأمريكية على المستوى العالمي. وفي المنطقة نفسها تسعى تركيا وإيران بالفعل لملء الفراغ الذي كشفه الفشل الأمريكي.

الصين وروسيا والمستقبل الأفغاني

ولفت الكاتب إلى أن هناك مصلحة لبكين وموسكو، لأسبابهما الخاصة، في مستقبل أفغانستان. وفيما يخص الصين تتجاوز هذه المصلحة مجرد مشاركة الحدود، بينما تشعر روسيا من جانبها بمخاوف تاريخية من انتقال التطرف الأفغاني إلي سكانها المسلمين، وسكان الدول القومية الواقعة على حدودها. وفي الآونة الأخيرة كانت الصين تعمل على استمالة قادة طالبان. وعقد وزير خارجيتها وانج يي اجتماعًا حظي بتغطية إعلامية مع الزعيم السياسي لحركة طالبان الأفغانية الملا عبد الغني برادر الشهر الماضي.

وهناك أيضًا باكستان التي دعمت طالبان في السر والعلن على مر السنين. وسترى إسلام أباد في عدم الارتياح الشديد للولايات المتحدة فرصًا لنفسها للاضطلاع بدور إقليمي أكثر أهمية. وهذا لا يعني أن ننسى علاقات باكستان الوثيقة مع الصين، وعلاقتها المتصدِّعة مع الولايات المتحدة.

وفي أفغانستان نفسها قد تفي طالبان بتعهداتها بأنها قد تغيرت، وأنها ستسعى إلى إقامة حكم توافقي في بلد تمزقه الانقسامات العِرقية والقبلية الدموية. وبالنظر إلى الدلائل المبكرة على أعمال انتقامية وحشية من جانب طالبان ضد أعدائها ورد الفعل المذعور من قبل السكان الأفغان المصابين بالإجهاد من القتال، فسوف يتطلب الأمر قفزة من الإيمان للاعتقاد بأن الكثير قد تغير.

ما الآثار المترتبة على ذلك في الشرق الأوسط؟

وتساءل الكاتب قائلًا: هل سيُسمح لأفرع تنظيمي «القاعدة» و«الدولة الإسلامية (داعش)» بإعادة تأسيس نفسها في أفغانستان التي تسيطر عليها طالبان؟ وهل ستبرز طالبان مرةً ثانية بوصفها دولة راعية للإرهاب؟ وهل ستستمر في السماح باستخدام أفغانستان وكأنها حديقة سوق عملاقة لتجارة الأفيون؟

بمعنى آخر هل ستغير طالبان أساليبها وتتصرف بطريقة لا تشكل تهديدًا لجيرانها والمنطقة بوجه عام أم لا؟

Embed from Getty Images

من وجهة نظر أمريكا، يعني خروجها من أفغانستان التخلي عن محاولاتها لبث الروح في الاتفاق النووي مع إيران باعتباره الجزء الرئيس من أعمالها غير المكتملة في الشرق الأوسط – وذلك إذا وضعنا جانبًا النزاع الإسرائيلي الفلسطيني الذي يبدو أنه يستعصي على الحل.

وشكَّلت المحاولات الرامية إلى إحياء «خطة العمل الشاملة المشتركة (JCPOA)» حجر الزاوية في جهود إدارة بايدن للانخراط على نحو بنَّاء أكثر في الشرق الأوسط. وكان التقدم متعثرًا. ويزيد انتخاب رئيس إيراني متشدد جديد من تعقيد الجهود المبذولة للتوصل إلى حل وسط. وسيؤدي الفشل في إنعاش الاتفاق النووي، الذي تخلى عنه الرئيس دونالد ترامب، إلى إضافة طبقة جديدة من انعدام اليقين – والمخاطر – إلى حسابات الشرق الأوسط.

إيران وطالبان أبعد ما يكونان عن الشراكة

وألمح الكاتب إلى أنه لن يكون هناك طرف معني بالتطورات في أفغانستان المجاورة أكثر من القيادة في طهران. وكانت علاقة إيران مع طالبان مشحونة في بعض الأحيان، وميَّالة إلى التعاون في أحيان أخرى، بالنظر إلى القلق في طهران من سوء معاملة السكان الشيعة في أفغانستان. وإيران الشيعية وحركة طالبان السنية الأصولية ليستا شريكتين طبيعيتين.

وعلى مسافة أبعد من ذلك، سوف تستحوذ التطورات الأخيرة في أفغانستان على اهتمام دول الخليج. وقدَّمت قطر ملاذًا دبلوماسيًّا لطالبان خلال محادثات السلام مع حكومة غني المهزومة. إن مبادرة السلام هذه، برعاية الولايات المتحدة، يُنظر إليها الآن على أنها كانت بمثابة إحباط لطموحات طالبان في العودة إلى السلطة بقوتها الذاتية. أما كيف يمكن لأي مراقب عاقل أن يعتقد خلاف ذلك فهو أمر محير، بحسب تعبير مُعدَّي التحليل. وستشعر السعودية بالقلق من التطورات التي حدثت في الأيام القليلة الماضية لأنه ليس من مصلحة الرياض تقويض السلطة الأمريكية في المنطقة. لكن السعوديين لديهم روابط طويلة الأمد مع طالبان.

Embed from Getty Images

وفي السياسة الخارجية السعودية، أفغانستان ليست لعبة ذات محصلة صفرية. وبوجه عام سيكون ضرب مكانة الولايات المتحدة في المنطقة أمرًا مقلقًا لحلفائها العرب المعتدلين. ويشمل هذا مصر والأردن. ومن وجهة نظر كليهما، ومع كمون النسخة المصرية والأردنية من طالبان في الظل، لا تمثل الأحداث في أفغانستان أخبارًا جيدة للدولتين. وسيكون لنجاح طالبان في أفغانستان أيضًا تداعيات على الركن الأكثر قابلية للاشتعال في الشرق الأوسط. وفي كل من العراق وأجزاء من سوريا؛ حيث تحتفظ الولايات المتحدة بوجود عسكري، سيكون الخروج الأمريكي مقلقًا. وفي لبنان، الذي أصبح وفقًا لجميع النوايا والمقاصد دولة فاشلة، ستضيف كارثة أفغانستان إليه مزيدًا من الكآبة.

وستحسب إسرائيل تداعيات النكسة التي عانى منها حليفها الرئيس. ولا يبدو أن زعزعة الاستقرار المتزايدة في الشرق الأوسط سيكون لصالحها. وفي المرحلة القادمة ستنسحب أمريكا بلا شك من جميع التزاماتها في الشرق الأوسط باستثناء التزاماتها الأكثر إلحاحًا. وسيوفر هذا وقتًا لها للتفكير في الدروس التي يمكن تعلمها من تجربة أفغانستان المؤلمة.

ويختتم الكاتب مقاله قائلًا: إن أحد الدروس التي يجب أن تكون ذات أهمية قصوى لأمريكا وحلفائها أن: خوض حروب «الدولة الفاشلة» قضية خاسرة.

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد