قد تزعم طالبان أنها حققت الانتصار في الوقت الراهن، لكن نصرها هذا لا يُمثل نهاية القتال في أفغانستان بقدر ما يُمثل كتابة فصل جديد من تاريخ البلاد الدموي. 

نشرت مجلة «​ناشيونال إنترست» الأمريكية مقالًا كتبه مايكل روبين، زميل أول في معهد «أمريكا إنتربرايز» المتخصص في أبحاث السياسة العامة ومقره العاصمة الأمريكية واشنطن، سلَّط فيه الضوء على المخاطر الناجمة عن عودة طالبان إلى السيطرة على أفغانستان، مؤكدًا أن استيلاء طالبان على البلاد لا يعني نهاية للمعارك الدامية والقتال في أفغانستان، بل إنه قد يكون بمثابة ضربة البداية لحرب أهلية جديدة تشهدها البلاد.

مأساة إنسانية وأمريكا تتبادل اللوم

استهل الكاتب مقاله بالقول إن حركة طالبان استولت على القصر الرئاسي في العاصمة الأفغانية كابل، واستكملت هجماتها الخاطفة في جميع مدن أفغانستان. وفرَّ الرئيس الأفغاني، أشرف غني، من البلاد وهو يجر أذيال الخزي والعار. وكتب وزير الدفاع بسم الله خان محمدي على «تويتر» قائلًا: «لقد كبَّلوا أيدينا من وراء ظهورنا وباعوا الوطن. اللعنة على غني وعصابته». وفي الوقت نفسه، تشهد البلاد حاليًا مأساة إنسانية، إذ تُنفِّذ طالبان عقوبة الإعدام في حق هؤلاء الذين تعاونوا مع الولايات المتحدة، وأفادت تقارير أخرى بأن عائلات هؤلاء المتعاونين تعرَّضوا للاغتصاب.

دولي

منذ شهر
«ذا دبلومات»: هذا هو السر وراء السيطرة السريعة لطالبان على كابول 

وفي خضم ما تشهده أفغانستان، كانت الأجواء في واشنطن يسودها تبادل إلقاء اللوم والبحث عمَّنْ يتحمل مسؤولية ما حدث؛ إذ ألقى الرئيس الأمريكي، جو بايدن، باللائمة على سلفه، الرئيس الأمريكي السابق، دونالد ترامب، وحمَّله مسؤولية إبرام اتفاق السلام مع حركة طالبان الذي حدَّد موعدًا نهائيًّا لانسحاب القوات الأمريكية من أفغانستان. وصحيحٌ أن الاتفاق الذي أبرمه ترامب كان فاشلًا، لكن تبريرات بايدن تتسم بالمراوغة لثلاثة أسباب.

أولًا: لم تلتزم طالبان بالاتفاق وألْغته تمامًا، ثانيًا: انتهاء الموعد النهائي لانسحاب القوات الأمريكية قبل عدة أشهر، وأخيرًا: لم يلتزم بايدن بالصفقات والاتفاقات الأخرى التي أُبرمت في عهد ترامب، مثل اتفاق تمويل بناء الجدار الحدودي مع المكسيك، وصفقة خط أنابيب كيستون، ولذلك، فإن ادِّعاء بايدن أن ترامب كبَّل يديه لا يزيد عن كونه ضربًا من اللغو والهراء، بحسب وصف الكاتب.

ويُوضح الكاتب أنه في الوقت الذي يُرفرف فيه علم الإمارة الإسلامية الآن فوق القصر الرئاسي في كابل، فإن انتصار طالبان لا يكتب السطور الأخيرة لقصة أفغانستان.

Embed from Getty Images

ولا يمكن اعتبار تحركات طالبان الهائجة وسيطرتها على أفغانستان مقياسًا لشعبيتها، بل إنه نتيجة للدعم والزخم الباكستانيين؛ إذ من النادر أن يقاتل الأفغان حتى الموت، لكنهم بدلًا من ذلك ينزعون إلى الجانب الأقوى. وقد كان إبراز بايدن للضعف وقسوة القلب على حد سواء بمثابة منحة لقادة طالبان الذين حاولوا التأثير في حكام المحافظات الأفغانية للتنازل عن مناصبهم نظير الإبقاء على حياتهم.

هل طالبان قوية بالقدر الكافي؟

يجيب الكاتب مستدركًا: ومع ذلك، فإن حركة طالبان ليست قوية كما قد تبدو لنا. كما يسرد الكاتب قائلًا: كنتُ قد زرتُ إمارة طالبان الإسلامية في مارس (آذار) عام 2000، وفي ذلك الوقت، كانت طالبان قد سيطرت على 90% من أفغانستان. ومارست الحركة وقتئذ ضغوطًا على واشنطن للاعتراف بها، كما فعلت باكستان والمملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة، وجادلت بأنها «لم تكن أكثر تطرفًا من السعودية».

وفي هذه الأثناء، قُدتُ سيارتي عبر ممر خيبر من بيشاور في باكستان (ممر جبلي حدودي يصل بين باكستان وأفغانستان)، وبعد ذلك زرتُ مدن جلال آباد وكابل وغزنة وقندهار. وكان الشعب الأفغاني، في جميع المدن يخبرونني بأن الأمن الذي وعدت به طالبان، عندما وصلت إلى السلطة في البداية، اختفى سريعًا لأن طالبان نفسها بدأت في استهداف المدنيين والشعب الأفغاني.

وأردف الكاتب قائلًا: وبينما زعم بعض التقدميين والانعزاليين وآخرون من منتقدي السياسة الخارجية الأمريكية التقليدية أن إدارة رونالد ريجان هي التي شكَّلت حركة طالبان، فإن هذا هراء عفا عليه الزمان: كانت الولايات المتحدة آنذاك تدعم المجاهدين مثل أحمد شاه مسعود وآخرين ممن أصبحوا نواة تحالف الشمال (ائتلاف من أطراف أفغانية تشكل في عام 1996 ضد حكومة طالبان) الذي قاتل طالبان.

وتشكَّلت حركة طالبان نفسها في عام 1994. ومن الإنصاف أن نوجه سهام النقد إلى ريجان ووكالة المخابرات المركزية في أمور أخرى، لكنهما لم يوفرا السلاح لهؤلاء الذين كانوا في بداية نشأتهم خلال الغزو السوفيتي لأفغانستان.

ويتابع الكاتب أنه خلال هذه الحقبة، صمد تحالف الشمال في وجه طالبان، وعَبَر عديدٌ منهم الحدود الطاجكستانية التي كانت من بين الحدود القليلة المفتوحة أمامهم. وفي عام 1997، زرتُ أيضًا مدينة مزار الشريف، التي كانت في ذلك الوقت تحت سيطرة الجنرال عبد الرشيد دوستم.

Embed from Getty Images

وبعد ذلك، دخلتُ مدينة ترميز في أوزبكستان، التي كانت الممر الذي كانت أوزبكستان وتركيا تدعم من خلاله أمراء الحرب بالوكالة عنهم. وفي عام 1999، كادت إيران وطالبان أن يخوضا حربًا بعضهما ضد بعض، بعدما قتلت قوات طالبان بعض الدبلوماسيين الإيرانيين وبعض عملاء المخابرات عند استيلائها على قنصلية مزار الشريف. وفي حين أن إسماعيل خان، القائد العسكري والسياسي في أفغانستان، لم يسيطر على الأراضي، كانت إيران تدعمه بوصفه أميرًا للحرب بالوكالة.

كيف ترى الدول المجاورة عودة طالبان إلى كابل؟

ويخلُص الكاتب إلى أن كل الدول المجاورة لأفغانستان تخشى طالبان فيما عدا باكستان. ونتوقع خلال الأسابيع القادمة أن يدعم كل من هذه الدول المجاورة المليشيات وأمراء الحرب الذين سيحاولون الاستيلاء على الأراضي الواقعة على طول الحدود لتكوين منطقة عازلة. وبالتأكيد، ستدعم روسيا الجمهوريات السوفيتية السابقة المتاخمة لأفغانستان؛ لأن روسيا تخشى من انتشار التطرف بين سكانها المسلمين المتزايدة أعدادهم.

ونظرًا إلى أن طالبان اعتمدت على الزخم أكثر من اعتمادها على القوة العسكرية الفائقة، فهذا يعني أنها قد تفقد قريبًا بعض المحافظات الأفغانية الحدودية، مثل ولاية هرات ذات الثقافة الفارسية، والتي كانت بالفعل جزءًا من إيران. وإذا بذلت إيران جهودًا منسقة لوضع وكيل لها في السلطة هناك، فمن المحتمل أن تنجح في السيطرة على الولاية. وقد تفرض طهران أيضًا سيطرتها على محافظتي فراه ونمروز التي تشترك معهما في الحدود. وينطبق الأمر ذاته على محافظة بدخشان الواقعة في شمال شرق أفغانستان المتاخمة لطاجيكستان.

ويوضح الكاتب أنه عندما تُصبح الدول المجاورة لأفغانستان نشطة وتدعم وكلاءً جددًا، فقد يستغرق الأمر عامًا أو عامين تستمر فيها المعارك والقتال المنخفض الحدة مع طالبان قبل أن تؤسس الحركة لنفسها مناطق نفوذ خاصة، وتُقسِّم أفغانستان مرةً أخرى على غرار تقسيمها لها خلال حقبة الحرب الأهلية التي شهدتها البلاد في تسعينيات القرن الماضي.

بيد أن تركيا يمكن أن تلعب دور البطاقة الرابحة البديلة؛ إذ لم يُخفِ الرئيس التركي رجب طيب أردوغان أنه ليس لديه أي مشكلة أيديولوجية مع برنامج طالبان المتطرف.

Embed from Getty Images

وكانت تركيا، قبل وصول أردوغان إلى الحكم، تدعم أمراء الحرب الأتراك في شمال أفغانستان وقدمت لهم الدعم الطبي واللوجستي عبر أوزبكستان وتركمانستان. ومن غير الواضح هل سيسمح أردوغان باستمرار ذلك الدعم أم لا مع أنه قد يحاول اللعب على كلا الجانبين لتحقيق أقصى مصلحة تجارية.

استعدوا لحرب أهلية في أفغانستان!

ونوَّه الكاتب إلى أن مكاسب باكستان تضخمت حاليًا، لكنها قد تندم على ذلك. وكانت طالبان التي تشكَّلت بوصفها حركة شعبية محلية في عام 1994 استولت عليها وكالة الاستخبارات الباكستانية.

وفعلت الاستخبارات الباكستانية ذلك لأن وكيلها السابق، قلب الدين حكمتيار، لم يكن يحظى بشعبية كبيرة، ولذلك فإن طالبان كانت خيارًا أفضل على الأقل في البداية. لكن طالبان كانت قريبة أيديولوجيًّا من جماعة تحريك طالبان باكستان (مجموعة مسلحة تابعة لطالبان ومقرها باكستان) التي كانت مسؤولة عن مقتل الآلاف من الجنود والمدنيين الباكستانيين.

وعانت جميع الدول التي دعمت الجماعات الجهادية من أجل تصدير أيديولوجيتها فحسب من ردة فعل سلبية معاكسة، ولن تكون باكستان في مَنَعة من ذلك. إن نهاية الوجود الأمريكي يعني أيضًا عدم وجود قوة لردع الأفغان المناهضين لحركة طالبان من شن حملة تمرد وإرهاب داخل باكستان. وقد وعدني جميع الأفغان، الذين تحدثت إليهم على مر السنين في زياراتي إلى أفغانستان، أن يفعلوا ذلك- بحسب الكاتب.

وخلاصة القول، كما يختم الكاتب مقاله، قد تزعم طالبان أنها حققت الانتصار الآن، لكن هذا النصر لا يشكل نهاية للقتال في أفغانستان بقدر ما يمثل كتابة فصل جديد من تاريخ طالبان الدموي. ولذلك، استعدوا للمرحلة القادمة من الحرب الأهلية الأفغانية.

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد