نشرت صحيفة «نيويورك تايمز» الأمريكية تقريرًا لديفيد زوتشينو، ونجم رحيم، استعرضا فيه قصة تحوُّل رحمة الله أندار من صفوف طالبان إلى أن عيَّنه الرئيس الأفغاني متحدثًا رسميًّا لمجلس الأمن القومي التابع للحكومة الأفغانية.

وفي مستهل مقالهما، ذكر الكاتبان أن رحمة الله أندار كان عضوًا في حركة طالبان وقاتل ضد الحكومة الأفغانية يوما ما، ثم انقلب بعد ذلك ضد الحركة. والآن يُعيَّن متحدثًا رسميًّا بارزًا للحكومة الأفغانية. إن قصة رحمة الله أندار تُعَد مثالًا على كثير من التغيُّرات غير المتوقعة التي تقع في أحداث الحروب الطويلة.

رحمة الله أندار.. قائد في صفوف طالبان

كان رحمة الله أندار يومًا ما قائدًا مهيبًا في صفوف طالبان، إذ كان ضالعًا في شن مناورات دموية ضد القوات الأمريكية وقوات الحكومة الأفغانية في المناطق الوعرة في شرق أفغانستان. وفي عام 2007، ألقَتْ إحدى فرق العمليات الخاصة الأمريكية القبض عليه في غارة ليلية على منزل في قرية أجداده في إقليم غازني. وقضى عامين في سجن خاضع لسيطرة الإدارة الأمريكية في قاعدة باغرام الجوية الواقعة خارج العاصمة الأفغانية كابول.

دولي

منذ شهر
مترجم: مفاوضات بين طالبان والحكومة الأفغانية في الدوحة.. 5 أسئلة تشرح لك الأمر

واليوم أصبح القائد أندار المتحدث الرسمي أندار، أي المتحدث الرسمي لمجلس الأمن القومي التابع لحكومة أفغانستان المدعومة من الولايات المتحدة. وتمثل القصة الخاصة بكيفية تحوُّل أحد عناصر طالبان إلى مسؤول أمني حكومي رفيع المستوى أيضًا تسجيلًا زمنيًّا لوقائع الحرب الأفغانية ذاتها؛ تلك الحرب التي لا نهاية لها: إنه تغير الولاءات. وأصبح الأعداءُ حلفاءً، ويتبادل اللاعبون الأدوار، لكن نار الحرب لا تزال مُوقَدة.

نقلة نوعية

ويشير الكاتبان إلى أن الصراع الذي دام 19 عامًا لا يزال مستعرًا اليوم كما كان عندما تولى أندار قيادة مقاتلي طالبان منذ عدة سنوات، وفي خطوة مخيبة للآمال، نزع رحمة الله أندار يده من أيدي المسلحين وقاد واحدة من أوائل الانتفاضات المحلية في أفغانستان ضد طالبان في عام 2012. وفَقدَ أندار أباه، البالغ من العمر 75 عامًا، وأخاه، وعمه، واثنين من أولاد عمومته، بعدما قتلتهم طالبان بدافع الانتقام منه، على حد قوله.

واليوم السيد أندار عالم دين حاصل على درجتي ماجستير، ويعمل لدى الحكومة التي تعهد ذات مرة بالإطاحة بها. ويظل أيضًا هدفًا لرفقاء السلاح السابقين، الذين ينظرون إليه على أنه مرتد. «طالبان تعتزم اغتيالي»، هكذا قال السيد أندار، البالغ من العمر 41 عامًا، في مقابلة داخل مجمع القصر الرئاسي في كابول، مضيفًا: «سواء كنت عضوًا في الحكومة أم لا، لن يتركوني أبدًا على قيد الحياة».

رحمة الله أندار.. المصدر: نيويورك تايمز

وكان السيد أندار، الذي كان يتحدث بالتناوب بين لغات الباشتو والفارسية والإنجليزية، هادئًا طليق اللسان، وهو يروي تفاصيل الحياة التي قضاها في ساحة المعركة، وأثناء هروبه، وفي الجامعات، وفي السجون. وهو أحد الناجين البارعين، بحسب الكاتبين.

ووصف السيد أندار طالبان بالصامدة أمام محاولات الاختطاف ونصب الأكمنة على يد الأمريكان، وأثناء الاستجوابات عند العرض على الخاطفين الأمريكيين، وأثناء قضائه مدتي حبس في سجون الحكومة الأفغانية، وأكدت هذه الروايات سجلاتٌ رسمية، وأكدها كذلك أولئك الذين قاتلوا معه جنبًا إلى جنب.

ويضيف الكاتبان: نظرًا للحيته الكثَّة وشعره الطويل، ربما لا يزال يُعتقَد خطأً أنه أحد عناصر طالبان، على الرغم من تأكيده على أنه ينظر إلى المسلحين باحتقار – ويأمل أن يقدِّم النموذج الذي يُثْبت من خلاله أن المسلحين لا يحتكرون الولاء للدولة الأفغانية.

لماذا عُيِّن رحمة الله أندار في منصبه الجديد؟

عيَّن الرئيس الأفغاني أشرف غني السيد أندار في منصبه في مجلس الأمن القومي في 25 سبتمبر (أيلول)، وهذا يرجع إلى حدٍ كبير إلى كلٍ من مؤهلاته الدينية، إذ حصل على لقب «مولوي» الديني الشرفي، أي العالم الإسلامي، ولشهرته باعتباره مقاتلًا ضد طالبان.

ويرى الكاتبان أن تعيينه كان بمثابة رسالة واضحة من الحكومة الأفغانية، ذلك أنه من بين الأفكار الرئيسة التي تقف خلف انتقاد طالبان للحكومة هي أن الحكومة تظل غير إسلامية بالقدر الكافي، وأنها دُمية في يد الأمريكيين. واعترف السيد أندار، وفقًا لما ذكره الكاتبان، بأن تعيينًا وحيدًا لا يمكنه تلميع الصورة الدينية للحكومة بأكملها، مضيفًا: «لكن الحكومة يمكن أن تُظهر عبر قراراتها أن جمهورية أفغانستان الإسلامية أكثر من مجرد اسم».

وأوضح أندار أن طالبان، بتوقيعها على اتفاقية سحب القوات مع الولايات المتحدة في فبراير (شباط) في الوقت الذي تُجمِّد فيه علاقاتها مع الحكومة الأفغانية، قد قوَّضت ادِّعاءاتها بشأن الطُهْر الإسلامي. وأضاف: «إنهم يقولون إن المسؤولين الحكوميين كفار، لكنهم يعْقِدون اتفاقية مع الأمريكيين، الذين غزت قواتهم أفغانستان، وبناءً عليه، ليس لديهم الآن منطق في هذه الحرب» ضد إخوانهم الأفغان والمسلمين.

Embed from Getty Images

وكانت طالبان قد ذكرت أن أي حكومة جديدة تنبثق عن مفاوضات مع ممثلين أفغان في العاصمة القطرية الدوحة يجب أن تستند إلى المبادئ الإسلامية. وقد فسَّر بعض المحللين ذلك على أنه إشارة إلى تطبيق قوانين الشريعة الصارمة التي فُرِضَت عندما حكمت طالبان أفغانستان في أواخر تسعينات القرن الماضي.

وأشار السيد أندار إلى أنه لا يمكن لطالبان تغيير الدستور الأفغاني من دون موافقة لويا جيرغا، هيئة استشارية قبلية وتقليد قديم في تاريخ أفغانستان تُنَاقَش فيه المسائل ذات الأهمية الوطنية. وتنص المادة الثالثة من الدستور بالفعل على أنه «لا يمكن لأي قانون أن يتعارض مع معتقدات الدين الإسلامي الحنيف وأحكامه»، على حد قوله.

وأعربت أفغانيات كثُر عن تخوُّفهن من أن عودة طالبان إلى الحكومة ستمحو المكاسب التي حقَّقنها منذ الإطاحة بالمسلحين في عام 2001، إذ كانت طالبان تضرب النساء وتجبرهن على البقاء في بيوتهن وتمنعهن من الذهاب إلى المدارس.

موقف الإسلام من أعمال طالبان الوحشية

وأشار السيد أندار إلى أن تلك المحظورات ليست من الإسلام في شيء، ذلك أن الإسلام لا يحرِّم على الفتيات والنساء الذهاب إلى المدارس. وفي الحقيقة، وفقًا للسيد أندار، كان إغلاق طالبان للمدارس في المقاطعة التي يعيش فيها هو السبب الذي عجَّل بانشقاقه عن الحركة بعد ثلاث سنوات من إطلاق سراحه من السجون الأمريكية.

واستشهد الكاتبان بما قاله أمان الله كرمان، نائب المجلس الإقليمي في غازني، الذي صرح بأن «طالبان أغلقت المدارس وعارضت أعمال إعادة الإعمار واختطفت المهندسين وقتلتهم». وأوضح أن السيد أندار، الذي دعم تعليم المرأة وجهود إعادة الإعمار التي تقودها الولايات المتحدة، حمل السلاح ضد طالبان وساعد في تشكيل إحدى الانتفاضات المحلية الأولى في البلاد ضد التمرد.

وأكد السيد كارمان أن القتال أسفر عن مقتل 500 أفغاني وإصابة 500 آخرين، إذ أُصيب السيد أندار نفسه في المعارك التي أودت بحياة أقرب أقربائه الذكور، على حد قوله. «وفي النهاية، لم يتبقَ أي رجل على قيد الحياة في عائلة رحمة الله سوى رحمة الله نفسه»، حسبما أفاد السيد كارمان.

Embed from Getty Images

وذكر السيد أندار أنه يرعى الآن 21 طفلًا وأرملة. وحين سئل عمَّا إذا كان لا يزال بحوزته الكلاشنكوف الذي كان يحمله منذ أيام خوضه للمعارك، ضحك أندار، وقال: إن بحوزته مسدسًا فقط يستخدمه للحماية الشخصية.

وفي الأشهر الأخيرة شنت طالبان سلسلة من الهجمات المحددة الأهداف ضد مسؤولين حكوميين وأولئك الذين يُعتقَد أنهم من مؤيدي الحكومة. ولكن السيد أندار أوضح أنه غيَّر ولاءه بسبب الحكومة الأفغانية وطالبان على حد سواء، لافتًا إلى أنه انضم إلى طالبان بعد أن سجنته الحكومة لمدة شهرين في عام 2003 فور عودته من دراساته الدينية في باكستان.

وقال: «دفعتني الحكومة إلى طالبان بقراراتها ضدي». وأشار إلى أنه بعد مرور سنوات، انقلب ضد طالبان فور بدء المسلحين في إغلاق المدارس وترويع المقيمين في مقاطعته – وانتهاك القيود الإسلامية. وقال: «لكل شيء قواعد في الإسلام حتى القتال، ولكن طالبان خرقت تلك القواعد الدينية».

السيد أندار وأقاربه.. أهداف مشروعة لطالبان

وأبرز الكاتبان ما قاله المتحدث باسم طالبان، ذبيح الله مجاهد، إن السيد أندار وأقاربه الذكور كانوا أهدافًا مشروعة لأنهم تعاونوا مع الأمريكيين أثناء قيادته ميليشيات موالية للحكومة. وبعد أن أحرقت طالبان منازل السيد أندار وأقاربه، وأحرقت مصحفه الشخصي وقتلت ماشيته، أوضح السيد أندار أنه فر هاربًا إلى كابول، حيث حصل على درجة ماجستير ثانية في إدارة التعليم لاستكمال درجة ماجستير سابقة في الدراسات الإسلامية.

دولي

منذ 3 شهور
«نيويورك تايمز»: الروس دفعوا لقتل جنود أمريكيين في أفغانستان.. فماذا فعل ترامب؟

وعمل بعد ذلك مستشارًا دينيًّا لمجلس الأمن القومي. وفي منصبه الحالي يواجه السيد أندار أعداءً سابقين. وكان أسد الله خالد، القائم بأعمال وزير الدفاع، حاكمًا لإقليم غازني عندما اعتُقِل السيد أندار وسُجِن في الإقليم. وقال السيد أندار: «إنني أراه في الاجتماعات الآن، وهو يقول لي: إنه صديقي. نحن نحترم بعضنا البعض».

واختتم الكاتبان تقريرهما بالقول: «تتطلب وظيفة المتحدث الرسمي أيضًا بناء تحالف مع قادة عسكريين أمريكيين وأفغان». وعندما سئل أندار عما إذا كان مقاتلوه قد تسببوا في مقتل قوات أمريكية، وأفغانية، وإصابتهم، هزَّ السيد أندار كتفيه قائلًا: «كنا في حالة حرب، ولكل حرب ضحاياها بطبيعة الحال».

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد