يجرى تشكيل تحالفات جديدة، وإحياء عداواتٍ قديمة، في وقتٍ تقاتل فيه الحكومة الأفغانية ضد طالبان.

أعدَّ كيم سنجوبتا، مراسل الدفاع والأمن في صحيفة «الإندبندنت» الذي غطى كثيرًا من الصراعات في جميع أنحاء العالم، بما في ذلك الحرب في أفغانستان، والعراق، وسوريا، وليبيا، والبلقان، وأوكرانيا، وجورجيا، تقريرًا عن الأوضاع الحالية في أفغانستان بعد مدة قصيرة من انسحاب القوات الغربية بقيادة الولايات المتحدة. ويبدو الموقف الأمني في البلاد، بل في الدول المحيطة بها أيضًا، سيئًا ومثيرًا للقلق؛ حيث أعربت الصين، وباكستان، وطاجيكستان، عن قلقها من تفاقم الأوضاع، بل اتخذت بعضها إجراءات على الأرض.

ويقول الكاتب في مستهل تقريره: بعد انسحاب الولايات المتحدة والغرب من أفغانستان، يجرى اجتذاب لاعبين جدد إلى الصراع العنيف في البلاد، وسياساتها المثيرة للانقسام في أحدث نسخة من «اللعبة الكبرى»، مع عواقب غير متوقعة وخطيرة للغاية على المنطقة وما حولها.

مواقع صديقة

منذ شهرين
«الجارديان»: 5 دول تتوق إلى دخول أفغانستان بعد انسحاب أمريكا

ويجرى تشكيل تحالفات جديدة وإحياء عداوات قديمة بين الدول والجماعات المُسلَّحة التي تحوم لتقسيم الغنائم وسط استمرار الصراع في البلاد. وتكافح الحكومة الأفغانية لمواجهة هجوم طالبان بعد انسحاب القوات التي كانت تقودها الولايات المتحدة، بحسب التقرير.

وأحد الأمثلة على الواقع الجديد يتمثل في ما يحدث على الحدود بين أفغانستان وطاجيكستان. وردَّت الحكومة الطاجيكية على تسليم طالبان الأفغانية لطالبان الطاجيكية شريطًا إستراتيجيًّا داخل أفغانستان من خلال إرسال 20 ألف جندي إلى الحدود بين البلدين.

وهناك مثال آخر وهو التأثير على المسلحين الباكستانيين؛ فقد أعلنت حركة طالبان الباكستانية أن «انتصار» حلفائها – أي حركة طالبان الأفغانية، التي لطالما حظيت بدعم الجيش والمخابرات الباكستانية – ألهمها لتصعيد «جهادها» ضد الدولة الباكستانية.

طالبان حكومة مسؤولة مرتقبة

ويشير التقرير إلى عامل الصين المتزايد الأهمية. وفي الوقت الذي التقت فيه حركة طالبان الأفغانية بوزير الخارجية الصيني، وانج يي، باعتبار ذلك جزءًا من سعيها الدبلوماسي لإثبات أنها حكومة مسؤولة مرتقبة، كانت الجماعة الإسلامية تستضيف أيضًا مقاتلين من شينجيانج، الإقليم الصيني الذي تنفذ فيه بكين حملة قمع وحشي ضد ما تسميه بالتطرف الإسلامي.

وتتكشف فصول السيناريو المعقد، والمتضارِب في بعض الأحيان، مع تحقيق طالبان مكاسب سريعة في أعقاب قرار الرئيس الأمريكي جو بايدن سحب القوات الأمريكية بسرعة. وأصبحت مناطق واسعة من الريف الآن تحت سيطرة المسلَّحين الذين شنُّوا هجمات على مدن، من بينها هرات، وقندهار، ولاشكر جاه.

Embed from Getty Images

ويشير الكاتب إلى أن الحدود البرية لأفغانستان أصبحت الآن تحت سيطرة طالبان. وبدأت الحركة الآن أيضًا في ضرب المطارات على نحو ممنهج؛ مما يجعل من الصعب على الحكومة نقل القوات، ويزيد من عزلة الشعب الأفغاني عن العالم الخارجي.

كما بدأت المواجهة الطاجيكية عندما استولت طالبان على المناطق الحدودية ووضعت السيطرة على خمس مقاطعات في إقليم بدخشان بأفغانستان – هي كوف آب، وخولان، ومايماي، ونوساي، وشيكاي – في أيدي جماعة أنصار الله، المعروفة أيضًا باسم طالبان الطاجيكية، المحظورة باعتبارها منظمة إرهابية في طاجيكستان.

أنصار الله وتنظيم ولاية خراسان

ولفت التقرير إلى أن السلطات الطاجيكية والأفغانية اتَّهمت جماعة أنصار الله بالعمل إلى جانب «تنظيم الدولة الإسلامية (داعش)» – ولاية خراسان التابع الإقليمي لـ(داعش). وظهرت لقطات مصورة مؤخرًا على وسائل التواصل الاجتماعي لمقاتلين مسلحين يتحدثون بلهجة طاجيكية وهم يعدمون جنودًا أفغانيين.

ومع تزايد وجود أنصار الله أرسلت حكومة دوشنبه وحدة عسكرية قوامها 20 ألف جندي إلى الحدود. وأجرت بالفعل تدريبات عسكرية بمشاركة 230 ألف فرد من قواتها المسلَّحة أثناء تجمع حركة طالبان الأفغانية في المنطقة.

ويمضي الكاتب إلى أن طاجيكستان طلبت المساعدة من حكومة فلاديمير بوتين. وألقى وزير الدفاع الروسي سيرجي شويجو، خلال زيارة إلى دوشنبه، باللوم في تدهور الوضع الأمني ​​على الانسحاب «المتسرِّع» من جانب القوات الدولية بقيادة الولايات المتحدة. وأعلن الكرملين الأسبوع الماضي إرسال حوالي ألف جندي للمشاركة في مناورة مشتركة مع القوات المسلَّحة لطاجيكستان وأوزبكستان، بالإضافة إلى إرسال إمدادات عسكرية عاجلة إلى طاجيكستان.

طالبان باكستان والمعضلة الجديدة

وأفاد التقرير أن حركة طالبان باكستان تعهدت بتكرار النجاح الذي حققه حلفاؤُها الجهاديُّون عبر الحدود في أفغانستان. كما تعهد زعيم حركة طالبان باكستان، نور والي محسود، بالجهاد ضد حكومة عمران خان، وقال إنه يأمل في الحصول على دعم من حركة طالبان الأفغانية التي دعمتها جماعته في كفاحها المسلَّح.

Embed from Getty Images

وقال محسود لشبكة «سي إن إن» الإخبارية: إن «انتصار طالبان الأفغانية انتصار للمسلمين جميعًا، والعلاقات معهم تقوم على الأخوة والتعاطف والعقيدة الإسلامية. ومعركتنا الآن مع باكستان. نحن في حالة حرب مع القوات المسلَّحة الباكستانية». وقال محسود، الذي تولى مؤخرًا منصب زعيم حركة طالبان باكستان، وهي منظمة نفذت سلسلة من الهجمات في باكستان ومحظورة في البلاد: إن المرحلة الأولى من الحملة ستكون انتزاع السيطرة على المناطق القبلية في خيبر بختونخوا.

ومع الحشد العسكري الواضح في جانبهم، تلتقي حركة طالبان الأفغانية بوزراء ومسؤولين من دول أخرى، بما في ذلك الصين، وروسيا، وإيران، وحتى الهند، أي الخصوم اللدودين لرُعاتِهم الباكستانيين، بحسب التقرير.

أمريكا تعتقد أن تدخُّل الصين يمكن أن يكون إيجابيًّا

ألمح التقرير إلى أن وفد من طالبان التقى بوزير الخارجية الصيني وانج يي في مدينة تيانجين، حيث يعتقد وزير الخارجية الأمريكي أنتوني بلينكين أن تدخل بكين في أفغانستان يمكن أن يكون شيئًا «إيجابيًّا» إذا أدَّى إلى «حل سلمي للنزاع»، ومهَّد الطريق من أجل إقامة حكومة «تمثيلية وشاملة حقًا» للبلاد.

وبحسب التقرير فإن وجود مقاتلين أجانب في البلاد سيُعيق فرص «الحل السلمي للنزاع». وليس الطاجيك وحدهم هم مَنْ وقفوا جنبًا إلى جنب مع حركة طالبان الأفغانية في بدخشان، ولكن وقف أيضًا مقاتلون من الشيشان والإيجور من شينجيانج إلى جانبهم، وفقًا لعدد من المسؤولين بمن فيهم أختر محمد خير زاده، نائب حاكم الإقليم.

وقال مسؤول أمني أفغاني كبير: «تدَّعي طالبان أن مقاتليها مدافعون عظماء عن المسلمين، لكنهم لم ينددوا أبدًا مما يحدث للسكان الإيجور في شينجيانج. وفي غضون ذلك تستمر لعبتهم المزدوجة باستضافة (متطرفين) من الإيجور».

التخطيط لإقامة «إمارة إسلامية»

وأضاف: «حقيقة أنهم يسمحون (للمتطرفين) الطاجيك بالسيطرة على مناطق في أفغانستان يكشف أن هدفهم الحقيقي هو إنشاء إمارة إسلامية في عديد من البلدان. وهناك جماعات متطرفة أخرى تتبنى الهدف نفسه، وهذا هو السبب في أن الدول التي تتدخل بنشاط في أفغانستان، مثل باكستان، قد تعض أصابع الندم على ما تفعله». فيما نفذت حركة طالبان الباكستانية 32 هجومًا داخل باكستان منذ بداية العام.

Embed from Getty Images

واعترف مؤيد يوسف، مستشار الأمن القومي الباكستاني، بأن الوضع الأمني ​​في أفغانستان «سيئ للغاية»، وادَّعى أنه «خارج عن سيطرة باكستان». وقال الجنرال بابار افتخار متحدثًا باسم جيش البلاد إن الحرب الأهلية الأفغانية لا بد أن تمتد عبر الحدود. وأضاف: «نحن على علم بالوضع واتَّخذنا عدة إجراءات للتعامل معه. إن (داعش) وحركة طالبان، باكستان، والجماعات التابعة لهما تستخدم قواعدها في أفغانستان للتخطيط لشن هجمات على القوات المسلَّحة الباكستانية».

وكررت الحكومة الصينية مؤخرًا انتقادها للولايات المتحدة لشطبها حركة «تركمانستان الشرقية الإسلامية»، التي تغلب عليها العضوية الإيجورية، بوصفها جماعة إرهابية. وشدَّد مسؤول في بكين على أنه «في يوليو (تموز) 2020 حددت الأمم المتحدة هوية الآلاف من مقاتلي الدولة الإسلامية الإيجور في سوريا وأفغانستان».

الصين تحذر من صراع محتمل

وفي نهاية الأسبوع الماضي دعا الرئيس الصيني شي جين بينج القيادة العسكرية لبلاده إلى تعزيز تضامنها مع الحزب الشيوعي، حيث حذر من صراع مسلَّح محتمل إلى جانب مخاوف أمنية على حدود البلاد مع أفغانستان.

ويختتم الكاتب التقرير بقوله: إن التقلبات والمنعطفات والتداعيات سوف تستمر من الحروب الأهلية الطويلة في أفغانستان؛ حيث يترك الغرب أرضًا مقسَّمة وممزَّقة. إنه بالطبع شيء فعله الغرب من قبل، ومضى مبتعدًا بعد استخدام المجاهدين ضد الروس. والنتيجة – كما نعلم – كانت إنشاء مساحة غير خاضعة للحكم، وإنشاء معسكرات تدريب «إرهابية» – بما في ذلك معسكرات القاعدة – وهجمات 11 سبتمبر على أمريكا.

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد