نشرت صحيفة «واشنطن بوست» تقريرًا أعدَّه إيشان ثارور، كاتب العمود بالصحيفة الأمريكية، عن تطورات الأوضاع في أفغانستان، وذلك عقب الانهيار المفاجئ الذي شهدته البلاد مؤخرًا. وأشار الكاتب إلى أن التفكُّك السريع لقوات الأمن الأفغانية سمح بسيطرة حركة طالبان على عِدَّة مدن أفغانية، مؤكدًا أن الرئيس الأمريكي جو بايدن علَّق آمال إنهاء الصراع في أفغانستان على إجراء تسوية سياسية بوساطة بين الأطراف المتناحرة في البلاد.

انهيار مفاجئ

يقول الكاتب في مستهل تقريره: يبدو أن انهيار أفغانستان كان مفاجئًا للغاية؛ إذ اجتاحت قوات طالبان معظم أنحاء البلاد في غضون الأشهر المعدودة للصيفِ الحارق. ووفقًا لما ذكره زملاء الكاتب استولى المُتمرِّدون على المراكز الإقليمية في جميع أنحاء المنطقة الشمالية والغربية في البلاد، مركزًا تلو الآخر، في ظل تفكُّك مقاومة الحكومة.

دولي

منذ شهر
«ستراتفور»: لماذا تعد سيطرة طالبان على كابول مغامرة؟

وعندما استولى المُسلَّحون على مدينة غانزي يوم الخميس، كانت هذه المدينة عاشر عاصمة من عواصم الولايات الأفغانية التي سقطت خلال أسبوع. وبعد ذلك وفيما قد تكون ضربة قاصمة لحكومة الرئيس أشرف غني المنكوبة، بدا أن قوات طالبان سيطرت على مدينتي هرات وقندهار الرئيستين، فضلًا عن سيطرتها على مدينة لشكرجاه عاصمة ولاية هِلمند التي تقع جنوبي البلاد.

والآن وبعد أن أصبحت العاصمة كابول في مرمى نيران طالبان، تجد الحركة نفسها فيما يمكن القول إنه أقوى موقف لها منذ عام 2001، قبل أن يطيح بها الغزو الذي قادته الولايات المتحدة من السلطة. وهناك تقارير واردة بالفعل من المناطق الخاضعة لسيطرة حركة طالبان عن شَن مُسلَّحين هجمات على المدنيين، وإجبار الفتيات على الزواج.

الجيش الأفغاني يعاني

وفي الوقت ذاته – بحسب التقرير – أضحى الجيش الأفغاني – الذي بُني على مَرِّ سنوات من التدريب والدعم المالي الكبير الذي قدَّمته الولايات المتحدة – يعاني، وانخفضت معنوياته. واستسلم الجنود في مدينة بعد أخرى، أو هربوا من مواقعهم. وفي بعض الحالات قادت حركة طالبان حملتها ضد القوات الحكومية بالمُعدَّات العسكرية الأمريكية، بما في ذلك الأسلحة والمركبات.

وأفادت تقارير أن المسؤولين الأمريكيين فكَّروا في نقل سفارتهم بالقرب من المطار، وشجَّعوا المواطنين الأمريكيين في البلاد على المغادرة فورًا. وسوف ترسل السلطات الأمريكية الآلاف من قواتها الإضافية مؤقتًا لتأمين طاقمها في أفغانستان تحسُّبًا لاحتمالية إجراء عملية إجلاءٍ. وتحاول إدارة بايدن جاهدة أن تحشد الأطراف الإقليمية المتباينة، بداية من جيران أفغانستان، مرورًا بالاتحاد الأوروبي، وصولًا إلى روسيا والصين، من أجل تشكيل جبهة دبلوماسية مُوحَّدة في خِضمِّ إجراء مباحثات مع مبعوثي طالبان في قطر.

Embed from Getty Images

وبينما يزداد نفوذ المُسلَّحين في كابول عام 2021، تتردُّد أصداء سقوط العاصمة الفيتنامية السابقة سايجون عام 1975 (في إشارة إلى الحرب التي اندلعت بين قوات فيتنام الشمالية ونظيرتها الجنوبية. وكانت القوات الشمالية قد سيطرت بدعم من الاتحاد السوفيتي والصين على مدينة سايجون، عاصمة الجنوب التي كانت مدعومة من الولايات المتحدة. وأسفر ذلك عن انقسام فيتنام إلى دولتين: شمالية وجنوبية، لنحو نصف قرن).

السيطرة على كابول

وعلى الرغم من نقل الكاتب لتوقعات الاستخبارات الأمريكية بأن سيطرة الحركة على العاصمة كابول قد يستغرق بضعة أشهر، بل ربما أسابيع، فإن الحركة أعلنت اليوم الأحد حصار كابول، ومطالبة الجيش الأفغاني بالانسحاب. وكان الرئيس الأمريكي جو بايدن قد أعلن هذا العام أن نجاح هجوم طالبان تزامن مع انسحاب آخر كتائب القوات الأمريكية، و«قوات حلف شمال الأطلسي (الناتو)» في البلاد. وقد حدَّد البيت الأبيض موعد الانسحاب في البداية ليتزامن مع الذكرى العشرين لهجمات الحادي عشر من سبتمبر (أيلول)، التي دبَّرها مُسلَّحو «القاعدة» الذين وفَّرت لهم حكومة طالبان الأفغانية آنذاك ملاذًا.

ومع صعود حركة طالبان مرةً أخرى يقود بايدن الآن تنسيقاتٍ كئيبة. ففي أوائل يوليو (تموز) سَخِرَ الرئيس بايدن من احتمالية أن «تتجاوز حركة طالبان كل الصعاب»، وعلَّق آماله على إجراء تسوية سياسية بوساطة بين الأطراف المتناحرة في أفغانستان. وجادل النُّقاد الأكثر تشدُّدًا بأن الولايات المتحدة كان يجب أن تحافظ على مكانتها باعتبارها تُمثِّل تهديدًا رادعًا ضد حركة طالبان التي استعادت نشاطاتها.

Embed from Getty Images

وينوِّه التقرير إلى أن المعارضين لهؤلاء النُقَّاد أشاروا إلى أن استمرار عدم الاستقرار في البلاد حتى بعد مرور عقدين على الاحتلال الأمريكي كان دليلًا كافيًا على وجوب انتهاء هذه المهمة. وعلى مدى أسابيع دافع البيت الأبيض عن قراره الذي يقضي بالتقليص التدريجي لوجود القوات الأمريكية، وهو هدفٌ سعى الرئيس السابق دونالد ترامب أيضًا إلى تحقيقه، وأيَّدَه غالبية الأمريكيين وفقًا لاستطلاع رأي أُجري مؤخرًا، باعتبار أن هذا الأمر يُمثِّل خطوة ضرورية آن أوانها.

ماذا قدَّم الأمريكيون للجيش الأفغاني؟

وفي تصريح للصحافيين في البيت الأبيض مؤخرًا، قال بايدن: «اعلموا أننا أنفقنا أكثر من تريليون دولار على مدار 20 عامًا». وأضاف: «لقد درَّبنا أكثر من 300 ألف جندي أفغاني، وزوَّدناهم بالمُعدَّات الحديثة. ويجب أن يتكاتف القادة الأفغان بعضهم مع بعض».

ويشير التقرير إلى أنه من المحتمل أن الأعداد الصغيرة نسبيًّا من القوات الأجنبية التي لا تزال موجودة في البلاد لم يكن بوسعِها أن تفعل الكثير لإحباط تقدُّم حركة طالبان في الوقت الحالي، بغض النظر عن الإعلان عن الانسحاب. ومن وجهة نظر بايدن كانت المحنة التي شهدتها البلاد سببًا في نفاد الصبر المتزايد. ولكن فيما يخُص جموعًا كثيرة من الأفغان، بما في ذلك الأعداد المتزايدة من النازحين داخليًّا، أصبح الوضع ميؤوسًا منه.

دولي

منذ شهر
مترجم: هل تدفع باكستان ثمنًا باهظًا لدعمها طالبان؟

وأسفرت عمليات الإجلاء السريعة للدبلوماسيين الغربيين من العاصمة الأفغانية عن تفاقم الشعور بالأزمة. ومن جانبه قال مايكل كوجلمان، الباحث في شؤون جنوب آسيا في مركز ويلسون: «ينبغي أن يُعطي المجتمع الدولي الأولوية المُطلَقَة لأمن دبلوماسييه». وأضاف: «ولكن دعونا نكُن واضحين: مغادرتهم (الدبلوماسيين) سترسل لأفغانستان إشارة واقعية مفادها أن العالم سيقبل بأن يترك الأفغان ليواجهوا مصيرهم».

«حركة طالبان لن تُهزَم بسهولة»

ويؤكد الكاتب أن الأمور أصبحت واضحة منذ مدة طويلة. وكما كشف كريج ويتلوك، زميل الكاتب، في تقاريره الحائزة على جوائز بشأن مخبأ لوثائق حكومية أمريكية داخلية تُحقِّق في إخفاقات جهود شن الحروب وبناء الدولة الأمريكية في أفغانستان، أدركت الإدارات الأمريكية المتعاقبة أن حركة طالبان لن تُهزَم بسهولة، وأن الدولة الأفغانية كانت ضعيفة ومُثقَلَة بالفساد، وأن ذلك التخبُّط من دون إستراتيجية متماسكة لا يزال أفضل من الاعتراف بالهزيمة.

وأوضح ويتلوك أن «المقابلات والوثائق، التي لم يُنشر كثير منها من قَبْل، تُظهر كيف أخْفَت إدارات الرؤساء جورج بوش الابن، وباراك أوباما، ودونالد ترامب، الحقيقة على مدى عقدين من الزمان». وأضاف: «خسرت (الإدارات الثلاث) شيئًا فشيئًا حربًا دعمها الأمريكيون بأغلبية ساحقة في يوم من الأيام. وبدلًا عن ذلك اختار القادة السياسيون والعسكريون دفْن أخطاءهم، والسماح باستمرار الحرب».

وبعد أقل من نصف عَقْد من الغزو كان مسؤولو إدارة بوش يثيرون أشكالًا مماثلة لحرب فيتنام، وآية ذلك أنه أصبح من الواضح أن حركة طالبان ما زالت تُمثِّل تهديدًا. وقال أحد مسؤولي الإدارة في مقابلة حكومية في وقت لاحق: «كانت نقطة التحوُّل في نهاية عام 2005، بداية من عام 2006 عندما استيقظنا أخيرًا على حقيقة أن هناك تمردًا يمكن أن يتسبَّب في إفشالنا بالفعل». وأضاف: «كان كل شيء يسير في الاتجاه الخطأ في نهاية عام 2005». ومع ذلك، كما كتب ويتلوك «قمعت إدارة بوش التحذيرات الداخلية، وتظاهرت بأن الأمور على ما يرام، ولكنها لم تكن كذلك».

هل تنتهي أطول حرب في التاريخ الأمريكي؟

ويلمِح التقرير إلى أنه بعد مرور نحو عقْدٍ من الزمان، في نهاية عام 2014، حاول أوباما أن يشيد بنهاية المُهمَّة العسكرية الأمريكية في البلاد بعد سنوات من مكافحة التمرُّد، ليعلن في بيان أن «أطول حرب في التاريخ الأمريكي تقترب من الوصول إلى نتيجة مسؤولة».

Embed from Getty Images

غير أن المسؤولين الأمريكيين أدركوا أنه لا توجد نهاية تلوح في الأفُق، وأن إدارة أوباما، كما ذكر ويتلوك «أثارت الأوهام». وأبلغت الإدارة الأمريكيين أن القوات الأمريكية لا تزال تضطلع بأدوار «غير قتالية». واستدرك ويتلوك قائلًا: «لكنَّ البنتاجون وضع كثيرًا من الاستثناءات التي جعلت الفوارق، في واقع الأمر، بلا معنى تقريبًا».

ثم جاء ترامب، الذي دعا جهارًا إلى إنهاء الارتباطات العسكرية الأمريكية المُكلِّفة في الخارج. ولكنَّه سمح بتكثيف شَنِّ حملات القصف الجوي ضد أهداف مُتشدِّدة، والتي – وفقًا لإحدى الدراسات – أدَّت إلى زيادة سقوط الضحايا في صفوف المدنيين الأفغان بواقع نحو 330%.

ويختتم الكاتب تقريره بالقول: إن بايدن – الذي كان مخضرمًا خلال سنوات حكم أوباما – يمر الآن بلحظته الخاصة في تاريخ أفغانستان المُضطَرِب، التي هي مأساة تتبلور منذ سنوات عديدة.

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد