نشر موقع «ڤوكس» الأمريكي تقريرًا أعدَّته نيكول ناريا، مراسلة شؤون الهجرة، سلَّطت فيه الضوء على مصير آلاف الأفغان الذين تعاونوا مع الجيش الأمريكي خلال 20 عامًا من الحرب في أفغانستان، مشيرةً إلى أن الرئيس الأمريكي جو بايدن أمامه طريق طويل لإعادة توطينهم في الولايات المتحدة.

إشكالية جلب اللاجئين الأفغان

في مستهل تقريرها، تُشير المراسلة إلى أن أغلب الأمريكيين من مختلف الأطياف السياسية (90% من الديمقراطيين و76% من الجمهوريين) يُؤيدون إعادة توطين الأفغان المستضعفين في أمريكا بعد سيطرة طالبان على أفغانستان. ولإنجاز هذه المهمة، تعمل إدارة بايدن على مضاعفة الموارد وتسريع إجراءات حصول الأفغان، الذين استعانت بهم الحكومة الأمريكية لدعم جهودها الحربية في أفغانستان طيلة 20 عامًا، على التأشيرات وتزويد اللاجئين بالمساعدات الإنسانية.

دولي

منذ شهرين
«فورين بوليسي»: تقييم إدارة بايدن في 6 أشهر.. ما مدى نجاح السياسة الخارجية؟

وتستدرك الكاتبة قائلةً: لكن العديد منهم في ما يبدو سينتظر طويلًا قبل التمكن من بدء حياة جديدة في أمريكا. ويُوجد حوالي 88 ألف شخص عملوا مع الحكومة الأمريكية أثناء الحرب، إلى جانب عائلاتهم، بدأوا عملية الحصول على تأشيرات الهجرة الخاصة. ونُقل بعضهم إلى دولة ثالثة لانتظار معالجة طلباتهم، بينما يُنقل آخرون إلى الولايات المتحدة مباشرةً لإعادة توطينهم.

ويوجد أيضًا عدة آلاف غير مؤهلين للحصول على هذه التأشيرات، لكنهم ربما يحاولون الحصول على وضع لاجئ من خلال برنامج أمريكي أنشئ مؤخرًا. لكن يتعين عليهم الذهاب إلى دولة ثالثة والبقاء فيها لأشهر أثناء معالجة طلباتهم. وقد تسهم متطلبات فحص الطلبات، والقدرات المحدودة لوكالات إعادة توطين اللاجئين، بالإضافة إلى توفر عدد محدود من المواعيد وفقًا للحد الأقصى الحالي لقبول اللاجئين، في تأخير وصولهم إلى أمريكا. وربما كان من الممكن تجنب هذا التزاحم بإنشاء بنية تحتية لاستقبال اللاجئين الأفغان.

أوضحت يائيل شاشر، محامية أمريكية بارزة في المنظمة الدولية للدفاع عن اللاجئين، أن «هذا الأمر كان متوقعًا تمامًا. وكان بمقدورنا جلب هؤلاء الأفغان منذ شهور. لكن الأمر حاليًا أصبح إشكالية».

الخيارات المطروحة

نوَّه التقرير إلى أن إدارة بايدن وضعت ثقتها في برنامج تأشيرات الهجرة الخاصة على اعتبار أنه وسيلة أساسية لنقل الأفغان إلى الولايات المتحدة. لكن عملية تقديم الطلبات المكثفة المكونة من 14 خطوة والتراكم الهائل للطلبات خلال الأشهر الأخيرة من حكم إدارة ترامب جعل عملية الهجرة مسارًا مضنيًا لعديد ممن ساعدوا في المجهود الحربي الأمريكي، حتى قبل سقوط كابل في أيدي طالبان.

Embed from Getty Images

ويشرح التقرير أن المتقدمين يُطلب منهم تقديم وثائق مهمة، منها خطاب توصية من مشرفهم الأمريكي. ونظرًا لصعوبة الحصول على هذا الخطاب، لن يتمكن عديدٌ من الأفغان من التقديم للبرنامج مع أنهم مؤهلون له. وحتى إذا تمكن المتقدمون من جمع الأوراق المطلوبة، يستغرق الأمر طويلًا قبل الموافقة على الحصول على التأشيرة. وتستغرق معالجة طلبات برنامج تأشيرات الهجرة الخاصة عادةً حوالي تسعة أشهر، لكنها كانت تستغرق دائمًا وقتًا أطول.

وكانت إدارة ترامب قد منعت استخدام البرنامج؛ ما يعني أن هناك طلبات لم تُعَالج منذ مارس (آذار) 2020 وحتى يناير (كانون الثاني) 2021. وبعدما رفع آلاف المتقدمين للتأشيرة دعاوى قضائية، أمر قاضٍ فيدرالي الحكومة الأمريكية بوضع خطة لمعالجة هذه الطلبات في الوقت المناسب. لكن الطلبات لم تزل تحتاج إلى حوالي عامين للانتهاء من معالجتها.

وتعمل إدارة بايدن حاليًا على مضاعفة الموارد لتسريع معالجة الطلبات، خاصة هؤلاء الذين نُقلوا إلى دول أخرى مؤقتًا قبل جلبهم إلى الولايات المتحدة. وأفادت وزارة الخارجية الأمريكية أن الحكومة كانت تُصدر تأشيرات الهجرة الخاصة بمعدل يزيد عن 800 تأشيرة أسبوعيًّا.

يقول متحدث باسم وزارة الخارجية «حتى قبل بدء عملية الإخلاء، كنا نبذل جهودًا مشتركة بين الوكالات للتخلص من عبء تراكم المتقدمين، وتحديد كيفية نقل المتقدمين لتأشيرات الهجرة وأماكنهم في مراحل مختلفة من عملية تقديم الطلبات، والعمل مع الكونجرس لمراجعة المؤهلات الخاصة لبرنامج تأشيرات الهجرة الخاصة».

وأضافت وزارة الخارجية الأمريكية أن المتقدمين للتأشيرات يُقيمون في عدد من المحطات ومنها قاعدتي «العُديد» و«السيلية» العسكريتين في قطر، وقاعدة «رامشتاين» الجوية الأمريكية في ألمانيا وإيطاليا وإسبانيا والكويت والإمارات والبحرين. وتتسع القواعد في ألمانيا، وإيطاليا، وإسبانيا، لاستيعاب حوالي 15 ألف شخص.

ما هي مدة بقاء الأفغان في الدولة الثالثة؟

وألمح التقرير إلى أن مدة بقاء هؤلاء الذين نُقلوا إلى دول أخرى غير محددة. لكن بعض المدافعين الحقوقيين يشعرون بالقلق من بقاء هؤلاء الأفغان هناك طويلًا، وطالبوا بضرورة نقلهم إلى الولايات المتحدة مباشرةً، من خلال ما يسمى بـ«الإفراج المشروط»، واستكمال عملية معالجة الطلبات على الأراضي الأمريكية.

وبدأت إدارة بايدن في السماح للمتقدمين الذين اجتازوا بالفعل فحوصات التحري عن الخلفية والفحص الطبي، ولم تصدر تأشيراتهم بعد، بالقدوم إلى الولايات المتحدة بشروط. وفي 23 أغسطس (آب) أشارت مذكرة أصدرتها وزارة الأمن الداخلي إلى أن الأشخاص المؤهلين لبرنامج تأشيرات الهجرة الخاصة سيُسمح لهم مؤقتًا بالدخول إلى الولايات المتحدة على أساس كل حالة على حدة.

Embed from Getty Images

ويُنقل اللاجئون إلى واحدة من ثلاث قواعد عسكرية في الولايات المتحدة: «فورت بلس» في تكساس، و«فورت ماكوي» في ويسكونسن، و«فورت لي» في فيرجينيا. وتستعد هذه القواعد لاستقبال حوالي 22 ألف أفغاني؛ لتزويدهم بالسكن المؤقت، والفحص الطبي، والطعام، والدعم الديني، والضروريات الأخرى.

بيد أن بعض المدافعين الحقوقيين من المهاجرين الأفغان أعربوا عن قلقهم بشأن احتمالية بقائهم في هذه القواعد لأجل طويل قبل نقلهم إلى وجهتهم النهائية. ويُثير اختيار قاعدة «فورت بلس»، التي تستضيف آلافًا من الأطفال المهاجرين، قلقًا بالغًا، نظرًا لأن المنشأة تخضع لتحقيقات رقابية حكومية مستمرة بسبب مزاعم عن سوء المعاملة والظروف السيئة فيها.

ويُوضِّح التقرير أن المتقدمين لتأشيرات الهجرة الخاصة يُمكنهم أن يختاروا وجهتهم النهائية، إما باختيار القرب من أفراد الأسرة الذين يعيشون في الولايات المتحدة أو بالاختيار من قائمة تضم 19 مدينة تمتد من مدينة فينيكس بولاية أريزونا إلى مدينة سانت لويس بولاية ميزوري. ويمكنهم أيضًا ترك الأمر لوكالة إعادة توطين اللاجئين لاختيار المكان الملائم.

وبمجرد إصدار التأشيرة، يصبح هؤلاء المتقدمون مؤهلون للاستفادة من الخدمات المقدمة للاجئين لمساعدتهم في الحصول على موطئ قدم في الولايات المتحدة وتحقيق الاكتفاء الذاتي في غضون ستة أشهر: ضرورات أساسية، وإسكان مؤقت، ومساعدة نقدية، والتدريب على العمل، والتوظيف، وتعلم اللغة الإنجليزية، وغيرها من المساعدات.

عقبات أمام وكالات اللاجئين!

لكن توفر هذه الخدمات قد يكون شحيحًا بسبب القيود المفروضة على وكالات اللاجئين التي تدير هذه البرامج، التي دمر ترامب كثيرًا منها، وقلَّل الحد الأقصى السنوي لقبول اللاجئين من 110 ألف إلى 15 ألف لاجئ فقط. وفي عهد ترامب انخفض تمويل وكالات اللاجئين؛ ما اضطرها إلى تقليص نطاق بنيتها التحتية وموظفيها للمحافظة على برامجها لإعادة التوطين.

وفي الوقت الحاضر يتعين على هذه الوكالات البحث عن أصحاب العقارات المستعدين لتأجير مساكن بأسعار معقولة في ظل ندرة الإسكان الوطني. وينبغي عليهم أيضًا إعادة بناء العلاقات مع أصحاب العمل المستعدين لتوظيف اللاجئين. كما يتعين عليهم توظيف المتطوعين وتدريبهم للمساعدة في تجهيز الشقق للعائلات الأفغانية الوافدة حديثًا ونقلهم إلى المواعيد الطبية ودروس اللغة الإنجليزية ومقابلات العمل.

Embed from Getty Images

وفي هذا الصدد أكدَّ دان كوستين، عضو منتدى الهجرة الوطني، على ضرورة تخصيص الكونجرس تمويلًا إضافيًّا لهذه الوكالات لاستيعاب آلاف الأفغان. وقال: إن «وكالات اللاجئين أعادت توطين عشرات الآلاف من اللاجئين سنويًّا، ويمكنها فعل ذلك. لكن بنيتهم التحتية تقلصت على مدى السنوات الماضية، ويحتاجون إلى الموارد قبل التجديد السريع لهذه البنية التحتية».

طريق طويل أمام اللاجئين الأفغان

يُشير التقرير إلى أن بعض الأفغان يتمتعون بخيار التقدم بطلب للحصول على وضع لاجئ في الدولة الثالثة التي ينقلون إليها. إذ فتحت إدارة بايدن مؤخرًا مسارًا جديدًا للأفغان و(عائلاتهم) الذين عملوا في برنامج ممول من الحكومة الأمريكية، أو وسائل إعلام أمريكية، أو منظمات غير حكومية للقدوم إلى الولايات المتحدة بوصفهم لاجئين. لكن يتعين عليهم التغلب على بعض العقبات الكبيرة.

أولًا: معايير التأهل لبرنامج «الوصول المباشر بي2» تظل خانقة تمامًا. ولا يمكن للأفراد التقدم للبرنامج بأنفسهم، بل يتعين على أصحاب العمل في أمريكا إحالة طلب شخص مؤهل للبرنامج لمعالجته. ويعني هذا أن طاقم البناء المحلي الذي بنى مدرسة تديرها منظمة ممولة أمريكيًّا قد لا يتمكن من الحصول على حماية اللاجئين. وهذا ما دفع بعض المدافعين الحقوقيين المقيمين في أمريكا للمطالبة بتوسيع نطاق البرنامج.

لكن حتى هؤلاء المؤهلين للبرنامج بموجب المعايير الحالية يتعين عليهم ترتيب السفر خارج أفغانستان بأنفسهم، وقد لا يتمكن كل المعرضين للخطر من ترتيب هذه الرحلة المكلِّفة والخطيرة، خاصةً إذا كانوا يعيشون في المحافظات الخارجية لأفغانستان، حيث عزَّزت الدول المجاورة مؤخرًا حدودها لردع اللاجئين المحتملين.

منطقة الشرق

منذ شهر
«فورين أفيرز»: كيف ستحكم طالبان أفغانستان؟

وأبرز التقرير أن باكستان، وإيران، وأوزبكستان، وطاجيكستان، وتركيا استقبلت أكبر عدد من الأفغان النازحين. ولكن حتى إذا كان هؤلاء الأشخاص مؤهلين للحصول على وضع لاجئ، فقد يجدون أنفسهم عالقين لمدة تتراوح بين 12 و14 شهر من دون مساعدة إنسانية. وخلال مؤتمر صحافي في البيت الأبيض في 20 أغسطس، قال بايدن إن الإدارة ناقشت ضرورة «العمل مع المجتمع الدولي لتوفير المساعدة الإنسانية للاجئين الذين عبروا الحدود إلى الدول المجاورة للفرار من طالبان». وخصَّص بايدن مؤخرًا 500 مليون دولار لتلبية الاحتياجات الطارئة للاجئين.

أسئلة في حاجة إلى إجابات!

بيد أن هناك أسئلة كثيرة في حاجة إلى إجابات بشأن الدعم الذي قد يحصل عليه اللاجئون الأفغان فور وصولهم إلى الدولة الثالثة، وكيف ستبدأ الولايات المتحدة في معالجة طلباتهم. تُوضح يائيل أنه «قد يكون مسارًا جيدًا لآلاف اللاجئين، لكنه ليس فوريًّا. ومن المحتمل ألا يتمكن كثير منهم من إيجاد فرص عمل وإعالة عائلاتهم. لذا قد يكون التمويل الأمريكي مفيدًا إذا طال الانتظار».

Embed from Getty Images

واقترح التقرير أن تضاعف الولايات المتحدة عدد موظفي خدمات الجنسية والهجرة الأمريكية في الخارج الذين يجرون المقابلات مع اللاجئين الأفغان، أو إجراء مزيد من المقابلات من أجل تسريع معالجة الطلبات. لكن هناك عقبة في الجانب الأمريكي، وهي أن الحد الأقصى لاستقبال اللاجئين السنوي يبلغ 62 ألفًا و500 في هذه السنة المالية التي تنتهي في أكتوبر (تشرين الأول).

ويخلص التقرير إلى أن هذا يعني أن معظم الأفغان المتقدمين للحصول على وضع لاجئ سينتظرون حتى أكتوبر على الأقل، في الوقت الذي تعهد فيه بايدن بزيادة الحد الأقصى للاجئين إلى 125 ألف شخص. وربما يضاعف النسبة المخصصة للأفغان. ولكن مدى سرعة إعادة توطين الأفغان الذين حصلوا على الموافقة قد يعتمد أيضًا على قدرة وكالات إعادة توطين اللاجئين.

وتختتم المراسلة تقريرها بالإشارة إلى أن بايدن ربما يتمكن من تنفيذ برنامج يسمح بالكفالة الشخصية للاجئين الأفغان. وفي هذه الحالة يمكن للأفراد والمجموعات المحلية، وليس فقط وكالات إعادة توطين اللاجئين، التي تتلقى تمويلًا حكوميًّا، دعم مزيد من اللاجئين الأفغان الذي تتجاوز أعدادهم الحد الأقصى 125 ألف شخص.

تقول يائيل شاشر: «يتطوع كثير من الأمريكيين لرعاية اللاجئين، لذلك أعتقد أنه سيكون من الجيد توجيه هذه الطاقة إلى برنامج تجريبي خاص لإعادة التوطين».

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد