ربما تبدو التوترات وحالة عدم الاستقرار في منطقة شرق آسيا بعيدة جغرافيًّا عن الدول الأفريقية، لكنها في حقيقة الأمر قد يكون لها تأثير سلبي على طموحات القارة السمراء للتنمية، وحول هذا الموضوع نشرت مجلة «ذا دبلومات» الأمريكية مقالًا للباحث تولا أموسان، الذي يُركز على الاقتصاد الجغرافي الصيني والاقتصاد السياسي الدولي.

استهل الكاتب مقاله بالإشارة إلى أن العام الجاري شهد تصاعدًا في التوترات الجيوسياسية والجيواقتصادية في مناطق كثيرة حول العالم، ولا تتجلى هذه التوترات بشدة وتبدو بالغة الخطورة أكثر من تلك الموجودة في منطقة آسيا والمحيط الهادئ.

دولي

منذ أسبوع
«ذا دبلومات»: أين تقف دول الخليج العربي في التنافس بين الصين وأمريكا؟

ويمكن أن تؤدي المواجهات المتصاعدة بين الولايات المتحدة والصين وغيرها من الأطراف الفاعلة الإقليمية وغير الإقليمية إلى أن يرى أي شخص أن آسيا أصبحت الشرارة الأساسية لإشعال فتيل صراع محتمل بين القوى العظمى، وقد تبدو هذه التوترات وحالة عدم الاستقرار بعيدة من الناحية الجغرافية عن البلدان الأفريقية، لكنها قد يكون لها في حقيقة الأمر تأثير سلبي على طموحات أفريقيا للتنمية.

توترات آخذة في التصاعد!

يوضح الكاتب أن التوترات الجيوسياسية في آسيا كانت تختمر منذ سنوات، في ظل سعي القوى العظمى والدول الكبرى لإيجاد أرضية مشتركة بشأن عدد من القضايا المهمة، وغدَت هذه القوى شديدة العدائية والخصومة تجاه بعضها بعضًا، وتنطوي النزاعات الإقليمية السيادية المتزايدة التوتر في بحر الصين الشرقي وبحر الصين الجنوبي على إمكانية إشعال فتيل نزاعات مسلحة بين القوى العالمية.

وقد حدَّد معظم المحللين أن الخصم الرئيس في هذه القصة هي الصين، في خضم تزايد قدراتها المادية التي ترفع سقف طموحاتها العالمية كما تطالب بكين بـ 80٪ من بحر الصين الجنوبي، بينما تدعي في الوقت نفسه أن تايوان جزء أصيل لا يتجزأ من الصين، وينبغي توحيده مع الوطن الأم بحلول عام 2049.

ويضيف الكاتب أن الصين قد تجاوزت العبارات المُنمَّقة والألفاظ الطنَّانة باستخدام قدراتها العسكرية المتزايدة، وسخائها الاقتصادي لتغيير الوضع القائم في المنطقة من خلال الإكراه والتعنت بصورة أساسية، كما كانت بكين تبني جزرًا عسكرية اصطناعية في بحر الصين الجنوبي، منتهكة بذلك المناطق الاقتصادية الخالصة (EEZ) التابعة لدول مجاورة صغيرة من خلال جهات فاعلة شبه عسكرية، متجاهلة حكمًا أصدرته محكمة دولية ضدها في هذا الشأن، بالإضافة إلى أن الصين كانت تهدد بتنفيذ عمل عسكري ضد تايوان في مناسبات عدة.

Embed from Getty Images

وفي الوقت الذي كانت تردد فيه الصين أنها ملتزمة بالعلاقات السلمية مع الدول المجاورة لها، إلا أنها تبدو مثل قوة عظمى لم تزل تلتزم بالمقولة الشهيرة للمؤرخ الإغريقي ثيوقيديدس: «يقرر الأقوياء ما يحلو لهم، ويُذعِن الضعفاء لما يُفرَض عليهم». وفي عام 2010 ردَّد يانج جيتشي، وزير الخارجية الصيني السابق، عبارة ثيوقيديدس قائلًا: إن «الصين دولة كبرى، في حين أن الدول الأخرى دول صغيرة، وهذه مجرد حقيقة»، وذلك ردًا على الشكاوى المتعلقة بأنشطة الصين في بحر الصين الجنوبي.

ما هو السبب الأكبر لصراع القوى العظمى؟

ألمح الكاتب إلى أن العواقب المترتبة على الاعتداءات الصينية كانت سريعة، وبحسب نظريات توازن القوى أثارت تصرفات الصين سلسلة من ردود الفعل القوية من بعض القوى الإقليمية والعالمية، وفي الوقت الذي جرى فيه لَم شمل التحالف الرباعي (اليابان، وأستراليا، والولايات المتحدة، والهند فيما يعرف بالحوار الأمني الرباعي) الذي تكوَّن في عام 2017، نشرت القوى العسكرية العالمية مثل المملكة المتحدة، وفرنسا، وألمانيا، بعضًا من عتادها العسكري في المنطقة.

كما عزَّزت اليابان والولايات المتحدة تحالفهما، بينما وقَّع كل من الولايات المتحدة، والمملكة المتحدة، وأستراليا مؤخرًا اتفاقية «أوكوس» لتزويد أستراليا بغواصات نووية، كما سَعَت دول المنطقة إلى تعزيز قدراتها العسكرية؛ مما أفضى إلى وجود مأزق أمني محتمل يمكن أن يؤدي إلى اندلاع نزاعات بين الدول.

ويلفت الكاتب إلى أن العلاقات المتدهورة عبر المضايق بين الصين وتايوان هي السبب الأكثر ترجيحًا للصراع بين القوى العظمى الكبرى، والذي يلقي بظلاله على أطراف فاعلة إقليمية ومن خارج المنطقة، وقد بلغ عدوان الصين المتزايد على تايوان في عهد نظام شي ذروته القياسية عام 2021، بدايةً من التهديدات الخطابية التي أطلقها المسؤولون الصينيون، ووسائل الإعلام الصينية الحكومية، ووصولًا إلى ما نفذته القوات الجوية لجيش التحرير الشعبي الصيني من توغلات وصلت لأعلى مستوياتها على الإطلاق في «منطقة تحديد الدفاع الجوي التايوانية (ADIZ)».

وقد قدَّر بعض المعلقين أن الصين قد تغزو تايوان عاجلًا، وليس آجلًا؛ بسبب التحديث العسكري السريع؛ إذ توقَّع وزير الدفاع التايواني تشيو كو تشنج أن تكون الصين متأهبة لشن غزو واسع النطاق على تايوان بحلول عام 2025.

ومن أجل التصدي لهذه التوجُّهات، تعهدت بعض الدول بمساعدة تايوان، وعلى رأسها الولايات المتحدة واليابان كذلك، نظرًا لما أشارت إليه بعض التوقعات أن انخراط طوكيو سوف يستدعي عملًا عسكريًّا صينيًّا ضد اليابان كما لوحظ في مقطع فيديو جرى تداوله على نطاق واسع، وقد يؤدي الصراع عبر مضيق تايوان أيضًا إلى انخراط أطراف فاعلة مثل حلف الناتو، وربما روسيا في الصراع.

Embed from Getty Images

ويرجِّح الكاتب أن هذا الصراع سوف يتجاوز حدود الخسارة العسكرية وتحقيق النصر، كما أفاد تقرير أصدرته مؤسسة راند (منظمة بحثية تُعِد حلولًا لتحديات السياسات العامة للإسهام في جعل المجتمعات حول العالم أكثر أمانًا، وسلامة، وصحةً، وازدهارًا)، موضحًا أن «مخططي الحروب يهتمون اهتمامًا أساسيًّا بالكيفية التي يُحققون من خلالها مزية عسكرية، ولا يهتمون بكيفية تجنب الضرر الاقتصادي والسياسي، ومع ذلك يمكن أن تتجاوز العواقب المترتبة على الحروب مجرد النجاح أو الفشل العسكري: ويمكن أن يهتز الاقتصاد العالمي، كما يمكن أن ينهار النظام الدولي الحالي».

وفي عالم تهيمن عليه العولمة، سيؤثر النزاع القائم في آسيا على الاقتصادات داخل آسيا وستكون تداعياتها كارثية على الاقتصاد العالمي برمته، ويزداد هذا الأمر سوءًا مع تحول آسيا إلى مركز للنشاط الاقتصادي العالمي والنمو، مع توقع أن تمثل آسيا أكثر من 50 و40٪ من الناتج المحلي الإجمالي العالمي، والاستهلاك على الترتيب بحلول عام 2040.

ما الذي تمثله النزاعات للبلدان أفريقيا؟

يُنوِّه الكاتب إلى أن البلدان الأفريقية ترى أنه من غير المرجح أن تصل مثل هذه الصراعات إلى أراضيها، لكن تأثير هذه الصراعات من الناحية الاجتماعية والاقتصادية يجب أن يكون شاملًا لسببين؛ السبب الأول: أن آسيا تعمل بوصفها مُصدِّرًا مهمًا للعديد من الاقتصادات الأفريقية في مجال التجارة، والاستثمار، والمعونة، والتنمية، والازدهار، السبب الثاني: أن الاقتصادات الأفريقية شديدة التأثر بالاضطرابات الخارجية في الاقتصاد العالمي، لا سيما تلك التي تعتمد على قطاعات الموارد.

ويستدل الكاتب بالبيانات الصادرة في عام 2019 من برنامج الحلول العالمية المتكاملة للتجارة (WITS) التابع للبنك الدولي، والتي خلُصت إلى أن منطقة شرق آسيا والمحيط الهادئ شكَّلت 28.14٪ و19.8٪ من واردات أفريقيا جنوب الصحراء وصادراتها، على الترتيب، محتلة المرتبة الثانية بعد أوروبا ووسط آسيا، وفيما يتعلق بالاستثمارات زادت حصة آسيا من الاستثمارات في أفريقيا من 5٪ عام 2002 إلى 23٪ عام 2018، محتلة المرتبة الثانية بعد أوروبا، التي تتراجع حصتها من الاستثمار الأجنبي المباشر في المنطقة.

كما أكد معهد كيل الألماني للاقتصاد العالمي (هيئة استشارية مهمة لصنع القرارات السياسية والاقتصادية)، أن العلاقة الاقتصادية بين أفريقيا وآسيا تُعد أمرًا حاسمًا للتنويع الاقتصادي السابق والتحرك نحو صدارة «سلسلة القيمة العالمية (جي ڤي سي)»، لذلك فإن أي اضطرابات تشهدها قارة آسيا ستلحق الضرر بالقارة السمراء.

Embed from Getty Images

ويؤكد الكاتب أن نمو الجزء الأكبر من دول قارة أفريقيا تحركه عوامل خارجية، بدلًا عن العوامل المحلية، ومن ثم فإن هذا الجزء أكثر عرضة للتأثر بالظروف السياسية والاقتصادية الخارجية غير المواتية، وأفاد تقرير صادر عن «بنك التنمية الأفريقي (AfDB)» أن ثلثي الاقتصادات الأفريقية تتأثر بقوة بالأزمات الخارجية.

وكانت الأزمة المالية التي حدثت في 2008-2009، وجائحة كوفيد-19 التي تفشت في الآونة الأخيرة، قد سلَّطت الضوء على التداعيات السلبية التي يمكن أن تؤثر بها أزمات الاقتصاد العالمي على الاقتصادات الأفريقية التي لم تزل تحاول تحقيق مستويات متوسطة من التنمية.

وعندما نأخذ جائحة كوفيد-19 مثالًا على ذلك نجد أن تقريرًا أصدره برنامج الأمم المتحدة الإنمائي ذكر أن «صدمات كوفيد-19 مجتمعة ستؤثر على الدول الأفريقية على المدى الطويل؛ لأنه سيكون بمثابة عامل مضاعف لتحديات التنمية التي كانت الدول الأفريقية تواجهها قبل جائحة كوفيد-19» مع توقُّع استمرار التداعيات الاقتصادية حتى عام 2040 و2050، ويُشكل الجمع بين جائحة كوفيد-19، وعدم الاستقرار الذي تلاه في منطقة آسيا والمحيط الهادئ سببًا رهيبًا، يثير قلق العديدٍ من الاقتصادات الأفريقية.

أسباب محتملة تُفسر صمت أفريقيا

يتابع الكاتب موضحًا أن هذه النتائج الاقتصادية السلبية ستهدد الاستقرار السياسي والاجتماعي في عدة دول أفريقية، وهذا الأمر ناتج عن افتقار العديد من الدول الأفريقية إلى الموارد اللازمة لتحريك الانتعاش الاقتصادي، وصرحت أهونا إيزياكونوا، مديرة المكتب الإقليمي لأفريقيا في برنامج الأمم المتحدة الإنمائي، أنه من حيث الانتعاش نرى أن أفريقيا «في وضع لا تحسد عليه كثيرًا، ولم يزل العديد من البلدان الأفريقية تنهض بالخدمات الأساسية، مثل انتشال الناس من الفقر، وتزويدهم بالتعليم الأساسي، والخدمات الصحية، ويستنزف حاليًا الإنفاق والاستثمار، وهذا ما يُترجم إلى حالة من الفاقة والعوز».

ومن خلال أجندة 2063 للاتحاد الأفريقي، تطمح أفريقيا إلى تحقيق نمو وتنمية شاملَيْن ومستدامَيْن، وحكمًا رشيدًا، وإرساء دعائم الديمقراطية، والحفاظ على حقوق الإنسان، كما تسعى إلى أن تُصبح طرفًا فاعلًا قويًّا ومؤثرًا في النظام الدولي، ولا يتطلب تحقيق هذه الأهداف إجراء إصلاحات داخلية فحسب، بل إنه يتطلب كذلك تحقيق السلام والاستقرار العالميين.

Embed from Getty Images

هذا هو السبب الذي دفع البلدان الأفريقية لاستخدام صوتها على المنابر الدولية للدعوة من أجل تحقيق السلام والاستقرار في منطقة آسيا والمحيط الهادئ وبصفتها طرفًا «محايدًا» ترتبط مصالحه بآسيا، يجب على الدول الأفريقية، من خلال الاتحاد الأفريقي، أن تعمل علنًا لتشجيع الحد من التوترات القائمة في منطقة آسيا والمحيط الهادئ، وهذا الأمر لن يُنظر إليه على أنه انحياز لأي من الجانبين، بل هي دعوة للأطراف المعنية بعدم المخاطرة بالسلام والاستقرار العالميين سعيًا وراء تحقيق المصالح الضيقة والأطماع، حيث لن يكون هناك أي رابح في نهاية المطاف.

ويختتم الكاتب مقاله بالإشارة إلى أنه مع ذلك لم نسمع كثيرًا عن موقف قارة أفريقيا من هذه المسألة. ويُمكن أن يُفسَّر هذا الصمت بثلاثة أسباب محتملة؛ السبب الأول: أن أفريقيا لديها تاريخ من عدم الانحياز الذي بدأ خلال الحرب الباردة، ورفضها التحدث بصوت مرتفع عن هذا الأمر ناتج عن رغبتها في الحفاظ على حيادها بشأن منافسة القوى العظمى الحالية بين الصين والولايات المتحدة، والسبب الثاني: أن أفريقيا لديها مشكلاتها الخاصة التي تهتم بها وتتعامل معها من حيث السلام والأمن.

دولي

منذ أسبوع
مترجم: عن طريق أفريقيا.. هذه خطة أمريكا لمحاربة بكين وموسكو

وذكر مؤشر السلام العالمي لعام 2021، أن (22 دولة) من دول المنطقة شهدت انخفاضًا في مستوى الهدوء والطمأنينة موازنةً بـ(21 دولة) شهدت زيادة في مستوى الهدوء والطمأنينة، وفي الوقت نفسه سلَّط مؤشر الإرهاب العالمي لعام 2020 الضوء على أن سبعة من 10 دول سجَّلت أكبر زيادة في عمليات الإرهاب كانت توجد في أفريقيا جنوب الصحراء الكبرى.

والسبب الثالث والأخير هو أن مملكة إسواتيني هي الدولة الوحيدة التي تعترف بتايوان بصفتها دولة مستقلة وفقًا لسياسة «صين واحدة»، ولذلك فقد يكون هناك شعور بأن العلاقات المتوترة عبر المضايق ليس لها صلة بأفريقيا، لكن هذا الأمر أبعد ما يكون عن الحقيقة.

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد