على مدى العقدين الماضيين، اعتادت البنوك الصينية على إعادة هيكلة ديون أفريقيا، ثم وقعت الجائحة وتفاقمت أزمة الديون الأفريقية، فماذا تفعل الصين وغيرها من الدول الدائنة الآن؟ 

لاستكشاف الوضع في القارة السمراء، نشرت صحيفة «واشنطن بوست» تحليلًا أعده كيفن أكير، وديبورا برواتيجام، ويوفان هوانج، شددوا في مستهله على أن تفاقم الأزمة الاقتصادية في البلدان ذات الدخل المنخفض في أفريقيا نتيجة أزمة فيروس كورونا المستجد يحتِّم تخفيف ديون هذه الدول، مستشهدين بآراء الاقتصاديين وخبراء آخرين.

العالم والاقتصاد

منذ 4 سنوات
إفريقيا ليست كما تتصور.. دول سمراء نجحت في الانتقال الاقتصادي

وعلى عكس الشكوك التي أثارتها إدارة ترامب ودول أخرى حيال استعداد الصين لإعفاء الدول المثقلة بالديون، يُظهر البحث الذي أجراه الباحثون الثلاثة أن هذه المخاوف قد تكون مبالغًا فيها؛ ذلك أن البنوك الصينية أتاحت للبلدان الأفريقية مساحة كبيرة لإعادة هيكلة الديون قبل ظهور الفيروس واستمرت على هذا النهج بعد تفشي الجائحة.

وعلى الرغم من عدم شعبية فكرة التعاون مع الصين داخل الكابيتول هيل، يلفت التحليل إلى أن فهم كيفية عمل المؤسسات المالية الصينية في أفريقيا قد يساعد، على صعيد بلورة السياسة الأمريكية تجاه القارة، في إثراء النقاش حول طرق مساعدة الأفارقة على التعافي من التداعيات الاقتصادية للجائحة.

مبادرة دول العشرين في أفريقيا

تحركت مجموعة العشرين، التي تضم أكبر اقتصادات العالم ومن بينها الصين، بسرعة في أبريل (نيسان)، ومرة ​​أخرى في نوفمبر (تشرين الثاني)، لتعليق خدمة الديون على جميع القروض الرسمية ثنائية الأطراف الممنوحة للبلدان ذات الدخل المنخفض. هذا يعني أن تلك البلدان، بما في ذلك العديد من البلدان في أفريقيا، لن تضطر مؤقتًا إلى سداد أصل الدين أو الفائدة على تلك القروض.

لكن برنامج الإعفاء من الديون يستمر فقط حتى يونيو (حزيران) 2021. صحيحٌ أن العديد من المقترضين سوف يتعافون بفضل هذه المساعدة المؤقتة، لكن آخرين مفلسون تمامًا الآن. من أجل ذلك، أطلقت مجموعة العشرين برنامجًا خاصًّا في شهر نوفمبر للتعامل مع هذه الحالات.

ما نطاق جهود مجموعة العشرين في أفريقيا؟

إجمالًا، هناك 38 دولة أفريقية مؤهلة للاستفادة من مبادرة مجموعة العشرين لتخفيف الديون. وهذه الدول مجتمعة مَدينة بـ25 مليار دولار لتغطية المدفوعات المستحقة في عام 2021 فقط. وحتى الآن، طلبت 31 دولة منها إغاثة. وتشارك الصين لأول مرة في مبادرة متعددة الأطراف لتخفيف الديون كتلك التي أطلقتها مجموعة العشرين.

Embed from Getty Images

والصين أكبر مُقرِض للديون ثنائية الأطراف في أفريقيا؛ إذ تمتلك ما لا يقل عن 21% من الديون الأفريقية، وتمثل المدفوعات التي تتلقاها الصين ما يقرب من 30% من خدمة ديون عام 2021، كما هو موضح في الشكل أدناه. وتسدد أنجولا وحدها ما يقرب من ثلث هذه المدفوعات.

مدفوعات الديون الأفريقية لعام 2021

تستند الإحصائية إلى ديون 38 دولة أفريقية مؤهلة للاستفادة من مبادرة تخفيف الديون التي أطلقتها مجموعة العشرين (بيانات جنوب السودان غير متوفرة).

– المصدر: تحليل أجرته «مبادرة الأبحاث الصينية-الأفريقية» (CARI) التي أطلقتها كلية الأبحاث الدولية المتقدمة (SAIS)، في جامعة جون هوبكنز، استنادًا إلى بيانات البنك الدولي.

لكن مشكلة الديون الأفريقية لا تقف عند هذا الحد؛ ذلك أن المقرضين متعددي الأطراف – مثل: البنك الدولي، وصندوق النقد الدولي، وغيرهما – يستحوذون على 20% من مدفوعات خدمة ديون أفريقيا هذا العام.

وحتى لو بذل هؤلاء المقرضون بعض الجهود لمساعدة الدول المدينة على سداد قروضها، فإنهم لا يخففون من متطلبات السداد. وبالمثل، امتنع ملاك السندات، الذين يستحوذون على 19% من مدفوعات خدمة الديون المستحقة في عام 2021 عن تقديم أي تخفيف للديون. والحال هكذا، يحذر التحليل من أن الآثار المجتمعة لأعباء الديون التي تثقل كاهل عديد من البلدان الأفريقية وصلت إلى درجة كارثية.

كيف تعيد الصين هيكلة ديون الدول الأفريقية؟

يخلُص البحث الذي أجرته «مبادرة الأبحاث الصينية-الأفريقية» CARI، التابعة لكلية الأبحاث الدولية المتقدمة SAIS في جامعة جون هوبكنز، إلى أن الصين اضطلعت بدورٍ مهم في مساعدة البلدان الأفريقية على إدارة ديونها.

ووثق الباحثون 16 حالة لإعادة هيكلة ديون بقيمة 7.5 مليارات دولار في 10 دول أفريقية بين عامي 2000 و2019. كما ألغت الصين متأخرات متراكمة على 94 قرضًا بدون فوائد تصل قيمتها إلى 3.4 مليارات دولار على الأقل. ومع ذلك، يلفت الباحثون الانتباه إلى أن القروض الخالية من الفوائد تشكل أقل من 5% من قروض الصين لأفريقيا.

وبينما تتبع الصين نهجًا موحدًا عند إلغاء الديون للقروض المتأخرة والخالية من الفائدة، خلص البحث إلى أن عمليات إعادة هيكلة الديون الأخرى تميل إلى التعامل وفق نهج خاص مع كل حالة على حدة. ذلك أن أكثر من 30 ممولًا صينيًّا – على غرار بنوك السياسية المالية، والبنوك التجارية، والشركات الصينية – يقدمون قروضًا للحكومات الأفريقية، وكل مؤسسة تتبع نهجها الخاص عند التفاوض بشأن ديونها.

Embed from Getty Images

في معظم الحالات، شمل الإعفاء الممنوح لبلدٍ ما قرضًا واحدًا أو مجموعة مختارة من القروض من حافظة الديون الصينية. وعادة ما تنطوي إعادة هيكلة الديون على تمديد فترة السداد. وفي عدد قليل من الحالات، تغيَّر سعر الفائدة. وركز المقرضون الصينيون على التدفقات النقدية للمشروعات الأساسية الممولة بقروض، بالإضافة إلى الوضع العام للمدفوعات في الدولة.

يضرب التحليل مثالًا على ذلك: في عام 2012، طلبت النيجر من بنك الصين للاستيراد والتصدير (China Eximbank؛ واحد من ثلاثة بنوك مؤسسة تنفذ سياسات الدولة الصينية في الصناعة والتجارة الداخلية) تخفيض سعر الفائدة على قرض مصفاة أقامتها الصين، كانت الدولة الأفريقية تواجه صعوبة في سداده بسبب ارتفاع سعر المواد الخام المستخدمة وانخفاض أسعار منتجاتها – وهما عاملان تتحكم فيهما حكومة النيجر – ما تسبب في خسارة المصفاة.

في البداية، رفض البنك تخفيض سعر الفائدة، لكن عندما تسبب انخفاض أسعار السلع العالمية لاحقًا في تفاقم مشكلات النيجر، أعاد بنك الصين للاستيراد والتصدير جدولة الجزء الأخير من قرض المصفاة. كما خلص الباحثون إلى أن المقرضين الصينيين لم يرفعوا دعاوى قضائية على الدول التي تخلفت عن سداد ديونها، ولم يرصدوا أي حالة لمصادرة أصول المدينين.

ماذا حدث منذ تفشي الجائحة؟

منذ إطلاق برنامج مجموعة العشرين في أبريل 2020، علقت الجهات الرسمية التي أقرضت ديونًا ثنائية الأطراف ما لا يقل عن 5 مليارات دولار من مدفوعات خدمة الديون. لكن اعتبارًا من فبراير (شباط) 2021، أنهى الممولون الصينيون تعليق خدمة الديون لـ16 دولة أفريقية.

قبل تفشي الجائحة، تفاوضت الصين مباشرة على تخفيف عبء الديون، دون استشارة صندوق النقد الدولي أو الدائنين الآخرين. والآن، تتشارك مجموعة العشرين، بما في ذلك الصين، لوضع شروط لتخفيف الديون، والمضي قدمًا لوضع إطار مشترك لمجموعة العشرين لتنسيق مفاوضات الدائنين الرسميين أصحاب القروض ثنائية الأطراف.

ومع ذلك، من المثير للجدل أن الصين قد صنفت اثنين من الممولين بوصفهما دائنين «رسميين»، هما: الوكالة الجديدة لتقديم المعونة، المعروفة باسم الوكالة الصينية للتعاون الإنمائي الدولي (CIDCA)، والوكالة الرسمية لضمان ائتمان الصادرات، بنك الصين للاستيراد والتصدير.

Embed from Getty Images

وتعد بكين بنك التنمية الصيني المملوك للدولة، وهو جهة إقراض مهمة لأنجولا (ولكنه ليس نشطًا بالقدر ذاته في بقية أنحاء أفريقيا منخفضة الدخل)، جهة تقدم قروضًا تجارية وتشارك في تخفيف الديون طواعية. ووفق النهج ذاته، تعاملت ألمانيا من بنكها المملوك للدولة (KfW-IPEX).

ومع ذلك، قدم بنك التنمية الصيني ومقرض تجاري واحد على الأقل، هو البنك الصناعي والتجاري الصيني، إعفاء من الديون بعد تفشي الجائحة. ولمَّا أصبحت زامبيا أول دولة تتخلف عن سداد سنداتها من اليورو في نوفمبر، وافق بنك التنمية الصيني على تأجيل مدفوعاتها من خدمة الديون الزامبية لمدة ستة أشهر. وعلق بنك الصين للاستيراد والتصدير مدفوعات ديونه بالتنسيق مع خطة مجموعة العشرين.

في أنجولا أيضًا، يقدم بنك الصين للاستيراد والتصدير تخفيفًا للديون بموجب شروط مجموعة العشرين. لكن الأنجوليين تفاوضوا على نهج طويل الأجل لتخفيف ديونهم مع بنك التنمية الصيني والبنك الصناعي والتجاري الصيني. وما بين عامي 2020 و2022، ستخفف ديون أنجولا بواقع 6.9 مليارات دولار، معظمها من الصين.

اقتصاد

منذ 3 شهور
«ميدل إيست آي»: ما خيارات الجزائر للخروج من أزمتها الاقتصادية؟

وعرضت البنوك الصينية إعادة هيكلة كبيرة للديون قبل ظهور فيروس كورونا المستجد وبعد تفشي الجائحة؛ من خلال جهودها سواء تلك التي تنضوي تحت لواء ترتيبات مجموعة العشرين أو خارج إطارها. لكن نتيجة وجود عديد من أصحاب المصلحة الصينيين، فإن تخفيف عبء الديون يستغرق وقتًا.

ومع ذلك، يخلُص التحليل في الختام إلى أن الدول الأفريقية قد تشهد تخفيفًا أسرع لديون الصين مقارنة بالغرب، ويرجع ذلك إلى أن حملة السندات والدائنين الغربيين من القطاع الخاص لم ينضموا بعد إلى جهود مجموعة العشرين لتخفيف عبء الديون.

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد