نشر موقع المنتدى الاقتصادي العالمي تقريرًا أعده كريستوفر أوتشيينج أوجيو، أحد العلماء الأساسيين بالمعهد الدولي لبحوث محاصيل المناطق الاستوائية شبه القاحلة، وروهيت بيلاندي، كبير مسؤولي الاتصالات بالمعهد، سلطا فيه الضوء على الأزمة الغذائية التي تواجهها القارة الأفريقية بسبب فيروس كورونا المستجَد، مشيرين إلى بعض الحلول التي ربما تساعد في الحد من هذه الأزمة.

تواجه أفريقيا جنوب الصحراء إحدى أكبر الأزمات الزراعية في تاريخها الحديث. وكورونا يوجه ضربة إلى المزارعين الذين يعانون بالفعل من الفيضانات والجفاف والأمراض المدمرة، مثل: نخر الذرة الفتاك، والآفات، مثل: دودة الحشد الخريفية (دودة القطن)، والجراد الصحراوي، التي أضعفت جميعها إمدادات المنطقة الغذائية، حتى قبل تفشي جائحة كورونا، وفرض تدابير الحظر. ويبدو أن مشكلة أكبر تلوح في الأفق.

يضيف الباحثان: كل هذه العناصر الكارثية لا تضر المحاصيل الحالية فقط، بل تعطل توفير بذور ذات جودة لمواسم الحصاد في المستقبل. ونتيجة لذلك، يُتوقَّع أن يتجاوز الطلب على البذور العرض المتاح بما يقارب الضعفين في المواسم المقبلة، وفقًا لآراء خبراء من سبعة بلدان أفريقية جمعها مشروع «AVISA» البحثي.

سياسة

منذ سنتين
مترجم: الوطن الجديد للجهاد.. لماذا تزدهر الجماعات الإرهابية في إفريقيا؟

أكبر قدر من القيمة الغذائية

ويشدد التقرير على أهمية توفير بذور ذات جودة عالية لمواسم الحصاد القادمة في المستقبل، وألا تكتفي الإغاثة الطارئة بتقديم طعام يُستهلَك آنيًّا. ويوضح الباحثان أن توفير بذور معتمَدَة للمحاصيل المغذية، الموجودة في الأنظمة الغذائية التقليدية، هو أحد أرخص طرق تحقيق الأمن الغذائي المستقبلي وأكثرها فعالية.

اختيرت هذه الحبوب ذات الجودة، وهُجِّنَت وعولجَت من أجل مقاومة الجفاف والأمراض وزيادة الإنتاجية، والنمو خلال فترة قصيرة من غرس البذور. كما يمكنها مضاعفة إنتاج الحبوب والبقوليات.

وسيكون التحدي الذي ستواجهه المنظمات الإغاثية والحكومات هو ضمان توفُّر بذور ذات جودة عالية للمحاصيل التي تحتوي على أكبر قدر من القيمة الغذائية، وتسهيل الحصول عليها، حتى يستطيع المزارعون إطعام أنفسهم ودولهم. ويمكن أن يسفر الفشل في فعل ذلك عن دائرة مفرغة من انخفاض المحاصيل، وسوء التغذية والفقر.

ويستعرض الباحثان فيما يلي ما يمكن أن تقدمه منظمات الإعانة والحكومات والمعاهد البحثية لتفادي الأزمة الوشيكة، وبناء مستقبل مستدام للمزارعين الأفارقة:

Embed from Getty Images

الغذاء وتحدي الحبوب

في أزمة على غرار التي نواجهها الآن، تواجه البرامج التي تساعد في توفير البذور فجأة ارتفاعًا حادًّا في الطلب. ومع ذلك، يستغرق إنتاج البذور اللازمة وتوفيرها ما لا يقل عن موسم زراعيٍّ، بمجرد استنفاد المخزونات؛ أي في فترة تتراوح ما بين ثلاثة إلى تسعة أشهر، اعتمادًا على نوع المحصول.

وفي الوقت ذاته، من المرجح أن يلجأ المزارعون إلى زراعة حبوب عادية، كان الغرض منها بالأساس أن تكون غذاءً وليس بذورًا. وبالعين المجردة، يوجد تشابه بين الحبوب المخصصة للاستهلاك والبذور ذات الجودة العالية في موسم الحصاد القادم. وبالتالي لن يعرف المزارع الفارق، خلال الأيام أو الأسابيع التي تلي زراعة محصوله، وأحيانًا لا يعرف حتى وقت الحصاد.

يضيف الكاتبان: العديد من المزارعين الأفارقة عانوا في الحصول على حبوب ذات جودة حتى قبل الجائحة. وكانت هناك حالات فيها شحنات بذور أرز في مالي، وذرة بيضاء في بوركينا فاسو، وذرة شامية في أوغندا، ذات قدرة إنباتية وقوة ونقاء جيني أكثر انخفاضًا من المتوقع في البذور ذات الجودة. ويشير أحد التقديرات إلى أن ما يزيد على 95% من بذور البقوليات والحبوب التي تُزرَع في أرض جافة في أفريقيا تأتي من مصادر غير معلومة الجودة.

ويمكن أن تؤدي هذه البذور ذات الجودة الرديئة إلى استمرار انعدام الأمن الغذائي؛ نظرًا إلى النتائج المخيبة للآمال التي يقدمها المحصول تلو الآخر. ومن المرجح أن تفاقم أزمة فيروس كورونا هذه المشكلة. ويحتمل انخفاض إنتاج المزارع في الموسم الزراعي المقبل في جميع أنحاء أفريقيا بسبب الحظر والفيضانات في شرق أفريقيا.

ويشير الكاتبان إلى أن المنظمات الإغاثية والحكومات كانت قد اعترفت بضرورة التدخل لتفادي أزمة زراعية يمكن أن تسفر عن مجاعات، وأعلنت أنها تستعد لسد عجز هائل في البذور. وبحسب شركاء يعملون مع المشروع البحثي الذي أعدته «AVISA»، فإنها أكبر الجهات التي توفر البذور في أفريقيا. وقد طولبت المنظمات المنتجة للبذور والمعاهد البحثية الزراعية في جميع أنحاء أفريقيا، تأهبًا لطلبات الإغاثة التي تعقب الجائحة. وفي نيجيريا، توزع الحكومة والمعهد الدولي لبحوث المحاصيل للمناطق الاستوائية شبه القاحلة بذورًا على 10 آلاف مزارع لحمايتهم من تأثير كورونا وتدابير الحظر.

ويشدد التقرير على أن أي جهود قصيرة الأجل لزيادة الإمداد بالبذور يجب أن تضمن الجودة، إن كنا لا نريد أن نتسبب في مشكلة طويلة المدى. ولكن كيف يمكننا تحقيق هذا في خضم زيادة الطلب وأزمة عالمية؟

التغذية بالفول والمكسرات

ويجيب الكاتبان: إن أحد الحلول هو إقامة تعاون أفضل بين الوكالات الإنمائية ومؤسسات إنتاج البذور – الخاصة والعامة والمجتمعية – ومنظمات البحث الزراعي على الصعيد الوطني والدولي. وهذه الصلات قائمة، وإن كانت بطريقة محدودة، وتسبق كورونا. ويمكن أن تتدخل الحكومات والوكالات الإغاثية لتعزيز هذه الصلات، وتيسير إقامة تعاون سلس.

ويمكن أن يساعد التعاون بين المنظمات البحثية ومؤسسات إنتاج البذور الوكالات الإغاثية في الحصول على مصادر بذور ذات جودة عالية. ويمكنه كذلك أن يتصدى لتحدٍ آخر، وهو: مساعدة المزارعين في زراعة أنسب المحاصيل لتحقيق أمن غذائي على المدى الطويل.

وأنسب المحاصيل، في الأزمة الحالية، بحسب التقرير هي: الحبوب والبقوليات الغنية بالمواد المغذية. ويمكن أن تساعد البقوليات الأفريقية، مثل الذرة البيضاء، والدخن الأصبعي، والدخن اللؤلؤي، والبقوليات الأخرى مثل الفول السوداني، والحمص، والفاصوليا، واللوبيا، والبازلاء الهندية، في معالجة أي تهديد يواجه الأمن الغذائي والتغذوي.

على سبيل المثال، يحتوي الحمص على نسبة عالية من الحديد والزنك والمغنيسيوم، ويمكن لمقدار يتراوح بين 100 إلى 200 جرام فقط أن يلبي احتياجات الشاب اليومية من هذه المواد المغذية. وتحتوي أيضًا على نسبة مرتفعة من البروتين والألياف. وتوجد أصناف يمكن زراعتها وحصدها خلال 90 يومًا من تاريخ وضع بذورها في الأرض. هذه المحاصيل المغذية شديدة الأهمية في العديد من الأنظمة الغذائية الأفريقية، وهي جزء من النظم الغذائية التي اعتمد عليها أبناء القارة جيلًا بعد جيل.

ويشيع أكل الحمص، على سبيل المثال، في إثيوبيا في شكل شيرو، وهي حساء بخبز مخمَّر. ويعد حساء الفول السوداني مكونًا أساسيًّا من وجبة الماتوك (طبق شعبي يتكون أساسيًّا من ثمار موز الجنة). ويُخلَط الحمص والبازلاء الهندية والفاصوليا واللوبيا والفول السوداني بنسب متباينة مع الذرة الشامية لتشكل طبق جيزيري، الذي يعد طعامًا شهيًّا في العديد من المنازل الريفية.

وزراعة هذه البقوليات، إلى جانب الحبوب أو فيما بينها، تقدم مجموعة كبيرة من الفوائد للمزارعين، إذ يمكن أن تساعد البقوليات في تناوب المحاصيل، وتثبيت النيتروجين في التربة، وتغطية التربة وحمايتها، ووقف دورة الآفات والأمراض والحشائش التي تترتب على زراعة محصول واحد. وعادة ما تستهلَك البقوليات، التي غالبًا ما تزرعها النساء، في المنازل، مما يحقق توازنًا بين الحبوب والبروتينات والفيتامينات والمغذيات الدقيقة. ويباع الفائض منها بأسعار عالية.

Embed from Getty Images

مرونة البذور

ويستدرك الكاتبان: يتطلب إنتاج الحبوب وتوفيرها لزراعة محاصيل مغذية ومناسبة وقوية جهودًا للبحث والتطوير الزراعي. ويمكن أن تساعد المؤسسات البحثية الزراعية الوكالات الإغاثية في تعزيز المحاصيل المناسبة، والصنف المناسب في المكان المناسب، حتى نصل إلى أفضل الممارسات لإدارة فترة ما بعد الحصاد، على غرار تكييف مناخ للمحاصيل وتنظيفها وتجفيفها وتخزينها ومعالجتها.

تعاون الفريق الاستشاري للبحوث الزراعية الدولية، وهو عبارة عن شراكة أبحاث عالمية من أجل مستقبل آمن غذائيًّا، مع حكومات أفريقية عبر مراكزه، مثل المركز الدولي للبحوث الزراعية في المناطق القاحلة، والمعهد الدولي لبحوث المحاصيل للمناطق الاستوائية شبه القاحلة لدعم أنظمة الحبوب التي ضربتها الأزمة. وفي إثيوبيا، تكفل المعهد الإثيوبي للبحوث الزراعية بتوفير بذور الحمص ذات الجودة العالية بعد الجفاف. وفي شمال أوغندا، ركزت الجهود الإغاثية بعد الحرب على توزيع بذور فول سوداني ذات جودة عالية.

وإذا استمر هذا النهج إلى ما بعد انتهاء كورونا، يمكن أن يتمتع هذا النوع من التعاون على مستوى المنطقة بقدرات على التحذير المبكر لتوقع حدوث زيادة في طلب البذور ذات الجودة العالية في بعض المناطق. وسيقيم أيضًا صلات مع الأسواق اللازمة لإنشاء سلاسل إمداد مرنة بعد الإغاثة الطارئة.

واختتم المسؤولان بالمعهد الدولي لبحوث المحاصيل للمناطق الاستوائية شبه القاحلة تقريرهما بالقول: سيكون النظام التعاوني المترابط مهيئًا تمامًا لتحفيز الطلب على الأطعمة المغذية وتعزيز الأنظمة الغذائية المغذية بناءً على تفضيلات الناس التقليدية. وفي نهاية المطاف، يمكن أن يساعدنا النظام المدروس جيدًا والمتماسك ليس فقط في الاستجابة لهذه الجائحة، بل يمكن أيضًا أن يساعد أفريقيا في تحقيق أهداف تنميتها المستدامة، والعمل لبناء مستقبل مزدهر.

مجتمع

منذ شهر
«واشنطن بوست»: نسبة الحضر في أفريقيا ترتفع.. كيف سينعكس ذلك على السياسة؟

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد