نشرت صحيفة «واشنطن بوست» الأمريكية تقريرًا لعدد من مراسليها في أفريقيا بشأن ما تعانيه القارة السمراء من ارتفاع عدد الإصابات مع عدم توافر اللقاحات، مما دعا بعض المسؤولين إلى التنديد علانيةً بالدول الأوروبية التي حرصت على تطعيم مواطنيها ممن ليسوا في وضع خطير، وتجاهل شعوب الدول الأفريقية الفقيرة التي اعتمد كثير منها على مبادرة كوفاكس المتعثرة.

ويستهل المراسلون تقريرهم بالإشارة إلى استمرار تفشي فيروس كورونا في شكل سلالة دلتا التي حذَّر منها مسؤولو الصحة العامة في جميع أنحاء أفريقيا منذ شهور – ويأتي ذلك في ظل عدم وجود الزيادة الكبيرة الضرورية في حصول القارة السمراء على اللقاحات.

ويمضي التقرير إلى أن متحور فيروس كورونا الجديد المعروف باسم «دلتا» يتسبب في زيادة حادة في الإصابات في كل المناطق الرئيسة في أفريقيا، مع وصول عدد قليل فقط من التطعيمات التي جرى التبرع بها من البلدان الغنية. وقال مسؤولون إن التحركات الرئيسة لتسريع طرح اللقاح التجاري في جميع أنحاء القارة جاءت متأخرة للغاية، حتى بات من الصعب أن تمنع وقوع الكوارث.

صحة

منذ 5 شهور
«واشنطن ب.»: ماذا نعرف عن «سلالة دلتا» الجديدة شديدة العدوى المُتحوِّرة من كورونا؟

وقال جون نكينجاسونج، رئيس المراكز الأفريقية لمكافحة الأمراض والوقاية منها، في مقابلة: «أي شخص يهتم بهذه الجائحة بالمعنى الحقيقي للكلمة يجب أن يشعر بالإحباط. ومنذ أسبوع واحد، طعمنا 1.1% من سكانِنا في أفريقيا. وإذا ربطنا ذلك بعدد سكان أفريقيا البالغ 1.2 مليار، فسنرى أنه لا يزال أمامنا طريق طويل يجب أن نقطعه للوصول إلى 60% إذا استمر تعاطي اللقاح على هذا النحو».

بطء توزيع اللقاحات في أفريقيا

يشير التقرير إلى أنه حتى الآن، تلقى 41.5 مليون أفريقي جرعة واحدة على الأقل وتلقى 11.5 مليون جرعتين من اللقاحات. وفي يوم الخميس، أعلن مركز مكافحة الأمراض في أفريقيا أن أولى شحنات لقاحات «جونسون آند جونسون» الأحادية الجرعة من صفقة تجارية ستُسلَّم في أغسطس (آب)، وستبدأ شحنات اللقاحات الأولى من التبرعات الأمريكية عبر مبادرة كوفاكس إلى 51 دولة في أفريقيا الأسبوع المقبل. ووصف نكينجاسونج الإعلان بأنه «منحة إلهية للإنقاذ».

لكن كبار المسؤولين الآخرين كانوا غاضبين من عدم إحراز تقدم، ولجأوا إلى التنديد العلني بالدول التي تلقح حتى أولئك الذين يعيشون في أوضاع منخفضة المخاطر، في حين أن عديدًا من البلدان الأفريقية تشهد زيادة في الحالات الشديدة والوفيات، والتي جرى تجنبها منذ مدة طويلة.

انتقاد الدول الأوروبية لتأخرها في نشر اللقاحات عبر كوفاكس

وانتقد سترايف ماسييوا، وهو من كبار رجال الأعمال من زيمبابوي، ومبعوث الاتحاد الأفريقي الخاص لشراء اللقاحات، القادة الأوروبيين بسبب التأخير في توزيع اللقاحات من خلال مبادرة كوفاكس.

Embed from Getty Images

وقال ماسييوا في بيان يوم الخميس: «لم تخرج جرعة واحدة ولا قارورة واحدة من أي مصنع أوروبي متجهة إلى أفريقيا. لقد قدَّموا التطعيم لكثير من أفراد شعوبهم بحيث أصبح بوسعهم الآن مشاهدة كرة القدم بدون كمامات. وشعبنا لم يجد أي تطعيمات».

وينقل التقرير عن مايك رايان، كبير خبراء الطوارئ في منظمة الصحة العالمية، قوله إن الفكرة القائلة إن التردد المفترض بين الأفارقة في تعاطي اللقاح هو الذي أدَّى إلى هذا النقص يُظهِر أن تيارًا من العنصرية يسري خلف المقولات المبتذلة لقادة العالم حول العمل معًا.

وأضاف: «إنه مستوى النزعة الأبوية، والمستوى الذي وصلت إليه العقلية الاستعمارية التي تقول (لا يمكننا أن نقدم لك شيئًا لأننا نخشى أنك لن تستخدمه). أعني، بجدية، هل يمكن أن يحدث ذلك في خضم جائحة»؟ وقال تيدروس غيبريسوس، الإثيوبي الذي يشغل منصب المدير العام لمنظمة الصحة العالمية، أثناء مخاطبته الصحافيين: «ما عليكم إلا أن تعطونا اللقاحات».

ناميبيا صاحبة ثاني أعلى معدل إصابة في العالم

وأفاد التقرير بأن بعض البلدان الأكثر تضررًا، مثل ناميبيا، التي تعاني من ثاني أعلى معدل إصابة في العالم، وصلت إلى استخدام جرعاتها الأخيرة. ومثل معظم الدول الأفريقية الأخرى، رهنت ناميبيا خطة التطعيم الخاصة بها بمبادرة كوفاكس، لكن قيود التصدير الهندية في أعقاب الطفرة الخاصة بها أوقفت المبادرة على نحو أساسي.

الحالات الجديدة التي يبلَّغ عنها يوميًّا في ناميبيا

سُجلت ما لا يقل عن 92869 منذ 29 فبراير (شباط) 2020

وقال وزير الصحة الناميبي، كالومبي شانجولا، في مؤتمر صحفي يوم الأربعاء إن: «الموجة الثالثة التي نشهدها حاليًا أثرت في جميع أنحاء بلادنا بشراسة مدمرة. ولا تكاد توجد عائلة أو مجتمع في هذا البلد لم يتأثر. وبلادنا في حالة صراع وجودي حرفيًّا ضد هذه الجائحة».

وتلقت ناميبيا في شكل تبرعات 100 ألف جرعة من لقاح سينوفارم من الصين، و30 ألف جرعة من لقاح أسترازينيكا من الهند. وعلى الرغم من الدفع لكوفاكس، تلقت ناميبيا 24 ألف جرعة فقط من أصل 108 آلاف جرعة خصصتها لها كوفاكس. وعند القياس على المستوى القاري، ارتفعت الحالات بوتيرة متزايدة كل أسبوع منذ بداية مايو (أيار)، عندما بدأ الباحثون يلاحظون تكرارًا أكبر لمتحور دلتا في الجينوم المتسلسل.

سلالة دلتا تسيطر على جنوب أفريقيا

قال توليو دي أوليفيرا من منصة كوازولو- ناتال للابتكار البحثي والتسلسل بجنوب أفريقيا، وهو واحد من وحدات التسلسل الرئيسة في المنطقة: «إنه أمر سيئ بقدر ما كنا نخشى». وقال إنه في غضون أسابيع قليلة فقط، فرضت سلالة دلتا سيطرتها الكاملة على جنوب أفريقيا لتحل محل سلالة بيتا التي كانت سائدة من قبل، والتي اكتشفها مختبر دي أوليفيرا لأول مرة في العينات المحلية.

ويوضح التقرير أنه وفقًا لأرقام الإصابات الهائلة، لا تزال جنوب أفريقيا مسؤولة عن غالبية الحالات الجديدة في أفريقيا، وهو ما يرجع جزئيًّا إلى قدرتها الأفضل على الفحص ونظام صحي أقوى نسبيًّا. وتقترب الحالات الجديدة اليومية من ذروة العدد البالغ 21 ألفًا التي ضربت البلاد خلال الموجة الثانية في يناير (كانون الثاني)، وقال دي أوليفيرا إنه يتوقع أن تكون هذه الموجة أكبر. وفي المنطقة المحيطة بجوهانسبرج، بلغت معدلات الإصابة أكثر من ضعف ما شوهد خلال الموجة الثانية.

الحالات الجديدة التي يُبلَّغ عنها يوميًّا في جنوب أفريقيا

سُجلت ما لا يقل عن 2046311 منذ 29 فبراير 2020

وشدد رئيس جنوب أفريقيا، سيريل رامافوزا، يوم الأحد على القيود المفروضة على البلاد لمدة 14 يومًا، وحظر بيع الكحول وأغلق المدارس ومدد حظر التجول على مستوى البلاد؛ حيث اقترب عدد الوفيات في البلاد من الجائحة من 60 ألفًا.

وقال في خطاب بثه التلفزيون: «يبدو أن ذروة هذه الموجة الثالثة ستكون أعلى من الموجتين السابقتين. واستمرت الموجة الأولى 15 أسبوعًا، واستمرت الموجة الثانية تسعة أسابيع. ولا نعرف إلى متى ستستمر هذه الموجة، ولكن المؤشرات تدل على أنها قد تستمر لمدة أطول».

وتعرَّض رامافوزا لضغوط سياسية مكثفة من حزب «مقاتلون من أجل الحرية الاقتصادية» من المعارضة اليسارية المتطرفة، لدفع الموافقة التنظيمية على اللقاحات الروسية والصينية، على الرغم من أن فعالية الأخيرة أصبحت موضع شك. وقال دي أوليفيرا إنه لو جرى تطعيم المزيد من الأشخاص، «لكان لدينا عدد مماثل أو عدد كبير من الإصابات، ولكن الأشخاص الذين يصابون بالعدوى لن يجري نقلهم إلى المستشفى. لسوء الحظ، لن أتفاجأ خلال الأسابيع القليلة المقبلة بأن سلالة دلتا ستبدأ في السيطرة على جنوب قارة أفريقيا بالكامل».

موجات مماثلة في دول أخرى ولكنها لم تصل إلى الذروة بعد

وقال نكينجاسونج إنه على الرغم من أن معدلات الإصابة في ناميبيا وجنوب أفريقيا مقلقة، تعاني دول أخرى مثل الكونغو وليبيريا وسيراليون وأوغندا وزامبيا من موجات مماثلة. وقال: «لم يبلغ أي منهم حد الذروة بعد».

ويذهب التقرير إلى أن الخطة الوحيدة الوشيكة لتوسيع نطاق الحصول على اللقاحات هي صفقة الاتحاد الأفريقي مع شركة «جونسون آند جونسون»، التي تنتج بعض لقاحاتها في جنوب أفريقيا. ويجرى دفع جداول التسليم إلى الأمام لأسابيع أو حتى أشهر، لكن عمليات الإغلاق العقابي بدأت تتضح ويسهل فهمها بالفعل في عديد من البلدان.

ولم يمضِ على أوغندا سوى الثلث من عملية إغلاق وطني لمدة ستة أسابيع، حيث لا يُسمح إلا للعمال الأساسيين بمغادرة منازلهم. ومتاجر التسويق الوحيدة التي يُسمح لها بأن تظل مفتوحة هي متاجر الطعام، وذلك شريطة أن ينام البائعون في متاجرهم، والتي غالبًا ما تتكون من عربة خشبية أو كشك.

وأعلنت الحكومة برنامجًا للتحويلات النقدية من شأنه أن يمنح نصف مليون أسرة في المناطق الحضرية حوالي 28 دولارًا لكل منها لتخفيف وطأة فقدان الدخل، لكن عديدًا من سكان العاصمة كمبالا المهجورة الآن قالوا إن المدفوعات التي تقدَّم لمرة واحدة لا تكاد تكفي لتلبية احتياجات أسرهم. وفي أحد مقاطع الفيديو المشوشة التي انتشرت على نطاق واسع على وسائل التواصل الاجتماعي، واجهت الشرطة رجلًا كسر قيود الإغلاق لمواصلة بيع العطور على جانب الطريق، على الرغم من عدم وجود أي شخص تقريبًا ليبيع له.

وعندما توقف أربعة ضباط عنده، انخرط الرجل، الذي يُدعى رشيد موكيسا، في البكاء، وبدأت حملة تمويل جماعي لمساعدته. وبكى قائلاً: «غادرتُ المنزل لأنه لم يكن هناك طعام، ولا حتى عملة معدنية. أنا هنا لأجد شيئًا لأكله وأنتم تطاردونني. ما الذي تعتقدون أنه يجب علي فعله»؟ 

Embed from Getty Images

حل الصراخ من أجل الحصول على الحقن محل التردد في البداية في الحصول على اللقاح. ومشى تورياتيمبا ويليام، 58 عامًا، أكثر من ميل إلى مركز صحي في كمبالا بعد سماعه الأخبار التي تفيد بأن فرنسا قد تبرعت بـ175 ألف جرعة من لقاح أسترازينيكا لأوغندا، على الرغم من أن الحكومة قالت إنها ستُخصَّص جميعها للاستخدام بوصفها جرعات ثانية، مع أنه لم يحصل بعد على جرعته الأولى.

لقد فاته الحصول على أول جرعة لأن العيادة التي ذهب إليها نفدت الجرعات منها بينما كان لا يزال يقف في الطابور. وقال أثناء انتظاره مرةً أخرى: «أعرف ما يعنيه الحصول على لقاح، ولهذا أريد الحصول عليه».

الموجات الثالثة كانت أبطأ في غرب أفريقيا

كانت الموجات الثالثة أبطأ في الظهور في غرب أفريقيا، ويعزو الباحثون ذلك إلى أنماط السفر: فالمنطقة لديها روابط أوثق مع أوروبا، على سبيل المثال، بينما تميل دول شرق وجنوب أفريقيا إلى الترحيب بالمزيد من الزائرين من مناطق سلالة دلتا الساخنة في جنوب آسيا. ومع ذلك، يكتسب عدد الحالات زخمًا في بعض المناطق، كما يحذِّر الأطباء.

وفي سيراليون وليبيريا، كانت الاختبارات الإيجابية نادرة لعدة أشهر حتى يونيو (حزيران). وكان يمكن لمسؤولي الصحة حساب المتوسطات الأسبوعية على أصابع اليد الواحدة. ومن ثم ارتفعت الحالات الجديدة بنسبة تزيد على 1000%. يقول موسوكا فلاح، المدير السابق للمعهد الوطني للصحة العامة في ليبيريا، إن: «جميع غرف الطوارئ لدينا تقريبًا ممتلئة الآن. وهذه مجرد البداية، وقد خرجت الأمور بالفعل عن نطاق السيطرة».

وقال إنه نظرًا إلى أن اختبارات فيروس كورونا تستغرق عادةً من 10 إلى 12 يومًا لمعرفة نتيجتها في ليبيريا، فمن المحتمل أن يكون عدد الإصابات والوفيات أعلى بكثير مما يمكن للأرقام الرسمية مواكبته. وقال فلاح: «كانت منشوراتنا على وسائل التواصل الاجتماعي عبارة عن (عيد ميلاد سعيد) أو (ذكرى سنوية سعيدة). والآن يقول الجميع:(ارقد بسلام، ارقد بسلام)».

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد