سلَّطت مجلة «فورين بوليسي» الأمريكية الضوء على مشكلة بطالة الشباب في أفريقيا وافتقارهم إلى فرص العمل، وهو ما يهدد بتفشي أعمال السلب والنهب و«الإرهاب» والتمرد والسعي إلى الهجرة، وذلك في مقالٍ نشرته لـ أودري دونكور، كاتبة ومحللة الشؤون الدولية من غانا.

وفي بداية مقالها، توضح الكاتبة أن أفريقيا تضم أصغر سكان العالم سنًّا بمتوسط ​​عمر يبلغ 19.7 عامًا وقد يرمز هذا العدد الكبير من السكان الشباب عادةً إلى قوة عاملة وافرة وحيوية، ونِعمة ربانية لدعم آفاق التنمية في أي منطقة. لكن حالة التوظيف المزرية للشباب في جميع أنحاء أفريقيا لا تزال تقضي على إمكاناتهم.

ووفقًا لبنك التنمية الأفريقي، تراوحت أعمار ثلث الشباب في أفريقيا في عام 2015 بين 15 و35 عامًا وكان عددهم 420 مليونًا عاطلين عن العمل، ويعمل الثلث الآخر في وظائف هشة، وكان واحد فقط من أصل كل ست شباب يعمل مقابل أجر.

أدنى معدل بطالة على الورق

وعلى الرغم من أن أفريقيا بها أدنى معدل بطالة عالميًّا على الورق بين الشباب من عمر 15 إلى 24 عامًا (10.6% في عام 2021، وفقًا لمنظمة العمل الدولية)، فإن غالبية الشباب في أفريقيا يعملون بطريقة غير رسمية، ويعاني عديد منهم من نقص العمل أو من الفقر على الرغم من العمل بسبب انخفاض الأجور وعدم وجود شبكة أمان اجتماعي، مما يجعل موازنة البلدان الأفريقية بالاقتصادات الأكثر تقدمًا أمرًا صعبًا.

تاريخ

منذ 8 شهور
حين حولت بريطانيا كينيا إلى «مختبر فئران» لدراسة عقل الأفارقة

وأفاد بنك التنمية الأفريقي أنه بينما ينضم 10 إلى 12 مليون شاب إلى القوة العاملة في أفريقيا كل عام، لا يتوفر سوى 3 ملايين وظيفة رسمية سنويًّا. والحماية الاجتماعية في القارة قليلة أو معدومة ووفقًا لبنك التنمية الأفريقي، من الشائع أن نرى خريجي العلوم الإنسانية والاجتماعية يقودون سيارات الأجرة في الجزائر العاصمة، وينقل المهندسون الكاميرونيون الركُّاب على دراجات نارية تجارية في دوالا.

وعمالة الشباب في أفريقيا مشكلة عالمية، ولا يمكن للعالم أن يحقق التنمية العالمية ويحافظ عليها مع وجود شريحة كبيرة من الشباب منعزلين وغير مجهزين لقيادة قارتهم والعالم. وسوف تواصل جحافل الشباب الأفريقي الهجرة بأعداد كبيرة إلى البلدان المتقدمة. ويغذي الفقر وعدم المساواة أعمال السلب والنهب وحركات التمرد والنشاط «الإرهابي» في القارة السمراء.

Embed from Getty Images

وبسبب عدم التطابق بين المهارات الموجودة وتلك المطلوبة للعمل، تحاول الحكومات الأفريقية وشركاء التنمية تنفيذ برامجَ لتنمية المهارات من أجل التوظيف في القطاعات ذات الأولوية مثل الزراعة والتصنيع، وتعزيز ريادة الأعمال في هذه المجالات.

لكن التركيز على هذه الحلول وحدها يستبعد الشباب الذين لا يميلون إلى ريادة الأعمال، وكذلك أولئك الذين لديهم مهارات وقدرات أخرى يمكن رعايتها بوسائل دعم بديلة. وتركيز مواهب الشباب في عدد قليل من المجالات المهنية واستبعاد عديد من المجالات الأخرى يديم السبب الأساسي لمشكلة عمالة الشباب في أفريقيا.

ووفقًا لتقرير معهد بروكينجز، ليس لمثل هذه التدخلات سجل جيد في البلدان النامية. ولم ينجح سوى عدد قليل من رواد الأعمال الشباب في أفريقيا جنوب الصحراء، ونادرًا ما يتمكنون من توظيف زملائهم الشباب الأفارقة. كما أن أسواق العمل الأفريقية غير قادرة على استيعاب العمالة الماهرة المتاحة.

وتوضح عمليات المسح في المناطق الريفية في غانا وأوغندا أن الشباب في هذه المناطق غالبًا ما يكافحون للحصول على التمويل الذي يحتاجون إليه لبدء عمل تجاري أو شراء أرض لزراعتها، ولا يستفيدون من مبادرات الحكومة والمانحين. ويعيش ثلثا الباحثين عن عمل في جميع أنحاء أفريقيا في مناطق ريفية.

ونشأت أزمة البطالة في أفريقيا من تراكمات طويلة ويتطلب الحل المناسب لها معالجة سببها الجذري: الافتقار إلى توفير فرص عمل في عديد من المجالات المهنية. إن بطء وتيرة التنمية في أفريقيا ليس السبب الوحيد لمحدودية الوظائف فيها.

مجالات مهنية مفضلة

لفتت الكاتبة إلى أن المجتمعات الأفريقية تعطي أهمية لعددٍ قليلٍ من المجالات المهنية وتستبعد عديدًا من المجالات الأخرى، ولذلك لم توفر فرص عمل كثيرة في المجالات الأقل شعبية وتحظى مجالات مثل الطب والقانون والأعمال والاقتصاد بتقدير كبير، لذلك يدفع الآباء الأطفال الأذكياء لمتابعة دورات في هذه المجالات. ويتابع عديد من الطلاب الذين لم يتمكنوا في البداية من دراسة مثل هذه الموضوعات العمل في المجالات ذات الصلة، سواء من أجل المكانة أو لأن الوظائف أكثر وفرة في هذه المجالات.

وغالبًا ما تُعد المجالات الإبداعية مثل الكتابة والفن والموسيقى والدراما والأزياء بمثابة هوايات. ويثبِّط عديد من الآباء الأفارقة أولادهم أو يمنعونهم من متابعة وظائف في هذه المجالات. ولا عجب أن الكتَّاب الأفارقة المشهورين درسوا الطب في بداية حياتهم.

Embed from Getty Images

ولتغيير هذا الوضع، يجب على الحكومات الأفريقية تقديم سياسات تحوِّل التركيز التعليمي من اجتياز الاختبارات إلى استكشاف التطبيقات الفعلية للتخصص في المجتمع. ويجب على الحكومات الأفريقية، مع القطاع الخاص، أن توفر بفاعلية وظائف مرتبطة بجميع المجالات المهنية.

على سبيل المثال، يمكن توفير كثير من الوظائف للطلاب الذين يتخرجون بشهادات في علم النبات والتخطيط الحضري. وتحتاج المدن الأفريقية والمناطق الريفية إلى مزيد من الحدائق النباتية والمتنزهات. ويمكن لعلماء النبات والمخططين الحضريين تجميل الشوارع الأفريقية وجعلها أكثر خضرة من خلال تبطينها بالأشجار والنباتات الأخرى.

الأفارقة يعانون من الاكتئاب

وأضافت الكاتبة أن الأفارقة أيضًا بحاجة إلى أطباء نفسيين أكثر مما يدركون. ويعاني ما يقدر بنحو 100 مليون أفريقي من الاكتئاب، فيما أطلق عليه البعض «الوباء الصامت». وفي الوقت نفسه، ووفقًا لمجلة «لانسيت»، يوجد في أفريقيا 1.4 عمال في مجال الصحة العقلية فقط لكل 100 ألف شخص، بينما يبلغ المتوسط ​​العالمي 9 لكل 100 ألف شخص.

ويمكن للحكومات وضع سياسات تفرض تعيين متخصصين في علم النفس في جميع المدارس. وعلى غرار نظرائهم الغربيين، لا يمكن للأطفال الأفارقة الصغار والطلاب الأكبر سنًّا اللجوء دائمًا إلى أفراد الأسرة والأصدقاء في اللحظات الصعبة. كذلك يحتاج كبار السن في أفريقيا إلى خدمات الإرشاد المهني من الأطباء النفسيين.

ويحتاج الأفارقة إلى علماء آثار للحفاظ على تراثهم الثقافي الغني وتطوير المواقع التاريخية. ويمكن للأفارقة جني إيرادات ضخمة من السياحة من خلال بناء متاحف ذات شهرة عالمية لإيواء قطعهم الأثرية الثمينة، ومن بينها تلك التي أعيدت إلى الوطن من متاحف الدول الغربية.

ويمكن لمؤسسات مثل البنك الدولي ومنظمة العمل الدولية تقديم مؤشر لقياس مدى تطوير البلدان لمعارف شبابها ومهاراتهم والاستفادة منها. ومثل هذا التصنيف من شأنه أن يجبر الحكومات الأفريقية على التركيز على تسخير المهارات والمعارف والمواهب المتنوعة لدى الشباب.

ويمكن لشركاء التنمية والمؤسسات الخاصة والشركات الأجنبية مساعدة الدول الأفريقية على توفير وظائف في مجالات مهنية أخرى من خلال بناء مؤسسات عامة مثل المكتبات والمعارض الفنية، ومعاهد الموسيقى في جميع أنحاء القارة، وتمويل الفنون وورش عمل ودروس موسيقى.

مكتبات أفريقيا قليلة

وتنصح الكاتبة بزيادة عدد المكتبات في أفريقيا، وتقول إنه مع زيادة الوصول إلى الكتب، سيطور مزيد من الأفارقة اهتماماتهم بالقراءة والكتابة، مما يؤدي إلى ظهور أعداد أكبر من الكتاب والصحافيين. والمكتبات نادرة في جميع أنحاء أفريقيا، ففي كينيا، التي يبلغ عدد سكانها 55.3 ملايين نسمة، 64 مكتبة عامة فقط، وفي نيجيريا، التي يبلغ عدد سكانها 212.7 ملايين نسمة، ما يقدر بنحو 316 مكتبة عامة، في حين أن فرنسا التي يبلغ عدد سكانها 65.5 ملايين نسمة لديها 16500 مكتبة عامة.

Embed from Getty Images

ويفتقر الشباب الأفارقة إلى إمكانية الحصول على المنح لمتابعة الطموحات المهنية مثل دراسة اللغة في الخارج، وفرص التدريب الخارجية والمحلية، ومشروعات كتابة الكتب والدروس عبر الإنترنت. ويجب على الحكومات الأفريقية وشركاء التنمية إتاحة المنح للأشخاص ذوي الاهتمامات المتنوعة، وليس رواد الأعمال وحدهم. وبهذه المنح، سيكتسب الشباب الأفريقي المهارات والخبرات ذات الصلة للتأهل للوظائف التي يبحثون عنها.

ويمكن لشركاء التنمية أيضًا تشجيع مواطنيهم على توظيف الشباب الأفريقي المؤهلين في المنظمات غير الربحية والخاصة حول العالم. ويفتقر الشباب الأفريقي إلى فرص العمل في الخارج لأن بلدانهم ليس لديها وكالات تنمية تعمل في الخارج، وقليل نسبيًّا من الشركات الأفريقية لديها فروع خارج بلدانهم أو القارة الأفريقية، بحيث يمكن لشبابهم السفر للعمل.

وترعى بضع حكومات أفريقية – ومنها مصر والمغرب وجنوب أفريقيا – شبابها للانضمام إلى المنظمات الدولية مثل الأمم المتحدة بوصفهم مسؤولين محترفين ومتطوعين مبتدئين. ويشكِّل ضعف جوازات السفر للدول الأفريقية عائقًا إضافيًّا. ويتعذر على الشباب الأفريقي العاطل عن العمل السفر إلى الخارج للتواصل والبحث عن الفرص، مثلما يفعل الشاب الفرنسي أو الأمريكي الباحث عن عمل.

وإذا نفذت الحكومات الأفريقية وشركاء التنمية مثل هذه الحلول المتنوعة، فسوف ينجحون في تسخير مهارات الغالبية العظمى من الشباب الأفريقي. وإذا تمكَّن الشباب الأفارقة من العثور بسهولة على وظائف في مختلف المجالات المهنية، فسيختار عدد أقل منهم العمل في التمريض، ولن يكون لديهم فائض من العاطلين في هذا المجال.

سياسة

منذ 3 سنوات
مترجم: الوطن الجديد للجهاد.. لماذا تزدهر الجماعات الإرهابية في إفريقيا؟

إن اعتماد نهج شامل لمشكلة العمالة سيمكِّن الحكومات الأفريقية من توجيه برامج التدريب على ريادة الأعمال والمهارات بطريقة أفضل إلى أولئك الذين سيستفيدون منها أكثر، وخاصة الشباب من المناطق الريفية حيث تتم غالبية الأنشطة الزراعية والصناعية. وقد يكون هذا النهج أكثر صعوبة من النهج الحالي الذي يركِّز على ريادة الأعمال والتدريب على المهارات، لكنه يتمتع بفرصة أفضل لحل مشكلة التوظيف.

وتختتم الكاتبة مقالها بالإشارة إلى أنه يجب على الحكومات الأفريقية القيام بالعمل الصعب المتمثل في توفير فرص عمل لشبابها، ولكن يمكن للدول المانحة والمنظمات غير الحكومية مساعدتهم من خلال التفكير فيما يتجاوز نموذج التنمية الحالي.

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد