بعد عشرات الآلاف من ساعات المراقبة، استطاع العالم تجميع مكتبةٍ مُفَصَّلة لسلوك الأفيال الأفريقية.

قضت جويس بول، الخبيرة المتمرسة في دراسة سلوك الأفيال، وزوجها بيتر جرانلي، عشرات الآلاف من الساعات في الميدان لمراقبة الأفيال البرية، وجمعوا قاعدةَ بياناتٍ واسعة ومتاحة للجمهور تُسمى: «خريطة سلوكية للأفيال.. دليلك لفهم سلوك الفيل الأفريقي»؛ تستعرضها ناتالي أنجير في تقرير نشرته صحيفة «نيويورك تايمز».

كانت جويس بول تعيش في مالاوي، وعمرها ست سنوات، عندما توجهت أسرتها شمالًا لرؤية الأفيال الأفريقية البرية فيما يُعرف الآن بحديقة أمبوسيلي الوطنية في كينيا. عندما صادفوا فيلًا ذكرًا مهيب الطلعة، أوقف والد الدكتورة جويس – الذي كان مصورًا شغوفًا – السيارة، وبدأ في التقاط الصور.

سألت جويس بعصبية: «ماذا سيحدث إذا اندفع الفيل باتجاهنا؟». فأجاب والدها وهو يحدق من خلال كاميرته: «سوف يسحق سيارتنا كما لو كانت حبة بازلاء». لم تمر لحظة، حتى اندفع الفيل باتجاههم فعلًا.

علوم

منذ شهر
غريزة البقاء والفيزياء.. الحيوانات تفهم قوانين الطبيعة وتُطبقها يوميًا!

صرخت جويس وغطست تحت المقعد. وسرعان ما أدار والدها مقود السيارة بعيدًا عن المكان. لكن المحرك توقف، واندفع الفيل تجاههم مرةً أخرى قبل أن يقرر في النهاية أن هؤلاء السائحين المحبوسين داخل العلبة الحديدية لا يستحقون العناء. منذ ذلك اليوم، وحتى سنوات طويلة بعد ذلك، ظلت الدكتورة جويس «حذرةً جدًا من الأفيال».

مرت مياه كثيرة تحت الجسور، وأصبحت الدكتورة جويس، البالغة من العمر 65 عامًا الآن، مرجعًا رائدًا في سلوك فيل السافانا الأفريقي، وهو أكبر حيوان بري على وجه البسيطة، وواحد من أكثر الحيوانات تعقيدًا من الناحيتين المعرفية والسلوكية.

استطاعت هي وزملاؤها استخلاص أفكارٍ رئيسة حول الأفيال؛ نشاطها الجنسي، وحياتها الأسرية، وأنماط بحثها عن الطعام، وحياتها الاجتماعية، وإستراتيجيات التواصل معها، حتى إنهم توصلوا إلى اكتشافٍ مذهل مفاده أن الفيلة تستطيع البقاء على اتصال مع أقرانهم البعيدين عن طريق توليد إشارات عميقة ومنخفضة التردد لا نكاد نسمعها نحن البشر.

حصاد عشرات الآلاف من ساعات المراقبة

على مدى حياتها المهنية، أمضت الدكتورة جويس عشرات الآلاف من الساعات في الميدان، لمراقبة وتتبع وتحليل سلوك الأفيال البرية. تُوِّج هذا الجهد بمشروع شامل وصفه زملاؤها من علماء الأحياء الحيوانية بأنه «إنجاز مذهل» و«كنز هائل»، جمعت فيه الدكتورة جويس وزوجها بيتر جرانلي ثمار عملهما الميداني، وطرحاه في قاعدة بيانات واسعة متاحة للجمهور تحت اسم: «خريطة سلوكية للأفيال.. دليلك لفهم سلوك الفيل الأفريقي».

Embed from Getty Images

أصدرت مجموعة «أصوات الأفيال» غير الربحية هذه الخريطة السلوكية في أواخر شهر مايو (أيار)، وهي تضم خلاصة وافية ومفصلة لأساسيات سلوكيات الأفيال التي يحتمل أن يواجهها أي مراقب، بدءًا من حركات الأذن والخرطوم وحتى الذيل والقضيب. صحيح أن العلماء ألَّفوا مخططات متفاوتة الدقة لأنواع أخرى من الحيوانات، بيد أن ما يجعل هذا المخطط الجديد استثنائيًّا – وجذابًا حتى لغير الخبراء – هو أنه يحتوي على أكثر من 3000 مقطع فيديو وصوتي يوضح الأوصاف المكتوبة.

تقول سينثيا موس، الرائدة في هذا المجال: «إنه إنجاز علمي مذهل، وإضافة رائعة لمعرفتنا. يستعرض جميع وضعيات الجسد والإيماءات والأصوات والإشارات ويشرحها. لا أعرف عملًا آخر مثل ذلك».

أزمة الأفيال مستمرة

يلفت التقرير إلى أن هذه الموسوعة السلوكية تأتي في خضم أزمةٍ مستمرة ترزح تحت نيرها الأفيال البرية في أفريقيا. ففي أواخر مارس (آذار)، قَسَّم الاتحاد الدولي للحفاظ على الطبيعة الأفيال الأفريقية رسميًّا إلى نوعين متمايزين: أفيال السافانا الموصوفة في هذا الدليل السلوكي، وفيل الغابات الأصغر حجمًا والأندر تواجدًا، وكلاهما مدرج الآن على قائمة الحيوانات المهددة بالانقراض. في عام 1913، كان يوجد ما يقدر بنحو عشرة ملايين فيل في جميع أنحاء القارة الأفريقية. أما اليوم، فلم يبقَ سوى 400000 فيل أو نحو ذلك.

يوضح التقرير أن أنياب الأفيال الرائعة، التي تتسبب في ذبحها، لها فائدة أكبر للفيلة من كونها مجرد قطع عاج منحوتة على لوحة شطرنج. لكن التهديد الأكثر خطورة هو فقدان الموائل، والتنافس مع الناس على الأرض والمياه. ويجادل علماء الأحياء المختصون بدراسة الفيلة بأنه كلما زاد فهمنا لعقلية الأفيال، زادت احتمالات بقاء الأفيال على قيد الحياة.

ينتقل التقرير إلى مايكل باردو، وهو باحث ما بعد الدكتوراه في جامعة ولاية كولورادو، كتب أطروحته للدكتوراه عن نقار الخشب، لكنه تحول إلى دراسة الاتصال الصوتي للأفيال الأفريقية منذ ثلاث سنوات.

يقول باردو: «قد يتعذر فهم سلوك الفيل، ويصعب أحيانًا معرفة سبب نطقه. لقد أمضت جويس كثيرًا من الوقت في دراسة سياق الاتصالات المختلفة، ومقاطع الفيديو تنير لي الطريق لتحديد ما يتعين عليَّ أن أبحث عنه في هذا المجال».

Embed from Getty Images

يستشهد الدكتور باردو بصوتٍ عالٍ يطلق عليه «دعنا نذهب»، وهو نداء عميق تطلقه أنثى الفيل للإعلان عن رغبتها في المضي قدمًا. ويضيف: «كنت أعلم أن هذه الاتصالات موجودة، لكن عندما خرجت إلى الميدان لأول مرة، لم يكن من السهل التعرف إليها كما بدت على الورق».

منهجية مفيدة لدراسة تطور أنظمة الاتصالات المعقدة

يقدم هذا المخطط السلوكي 13 مقطعًا لدمدمة الأفيال لمساعدة الأبحاث التي ستجرى مستقبلًا. تقول دانييلا هيدويج، الباحثة المشاركة في مشروع الاستماع إلى الأفيال بجامعة «كورنيل»، والتي تدرس أفيال الغابات: إن «الأفيال الأفريقية يمكن أن توفر لنا منهجية مفيدة جدًا لدراسة تطور أنظمة الاتصالات المعقدة، بما في ذلك لغتنا».

يعتمد المخطط السلوكي على دراسات لثلاثة أنواع من الأفيال: اثنان في كينيا، من حديقة أمبوسيلي الوطنية ومحمية ماساي مارا، والثالث من حديقة جورونجوسا الوطنية في موزمبيق، بمجموع يصل إلى 6000 فيل.

يلفت التقرير إلى أن هذه الدراسة لمجموعات مختلفة من الأفيال توضح عددًا من الخصوصيات الثقافية. على سبيل المثال، في جورونجوسا، تشتهر الأفيال الإناث من جميع الأعمار بالنفور من الناس، ويرجع ذلك إلى إرث الحرب الأهلية التي استمرت في موزمبيق 25 عامًا، عندما تعرضت الأفيال لمذابح جماعية. وعلى الرغم من أن عديدًا من أفيال جورونجوسا اليوم ولدت بعد الحرب، يقول الدكتور بول: «لقد تعلمن ثقافة العدوان من أمهاتهن وجداتهن وجدات أمهاتهن».

أينما تعِشْ الأفيال، يبدُ أنها تصوغ قاموسًا موسعًا من المفردات الاجتماعية من خلال خلط ومطابقة الإيماءات والأصوات المألوفة. ويبقى السياق هو المفتاح. فغالبًا ما يلوي الفيل خرطومه على شكل بريسكوب (منظار الأفق)، على سبيل المثال، لكن المقصود من هذه الوضعية يختلف بحسب الظروف. فإذا صدر هذا السلوك من دغفل (صغير الفيل)؛ فقد يشير إلى رغبته في الرضاعة. أما إذا صدر من فيلٍ شاب، فقد ينبئ عن رغبته في اللعب.

تلوي الأفيال أيضًا خرطومها على شكل بريسكوب عندما تجد شيئًا يثير اهتمامها، أو تستشعر خطرًا غيرَ عادي، وتخلُص الأدلة إلى أنها توجه بعضها بعضًا إلى مصدر المشكلة عن طريق الإشارة بطرف الخرطوم. وحين يفرد الفيل أذنيه، يمكن أن يكون ذلك بمثابة تحذير أو ترحيب ودود، اعتمادًا على عدد المرات التي ترفرف فيها الأذنان، وسواءً أكانت مطوية أم مرفوعة في الوقت نفسه، وتبعًا لزاوية ذقن الفيل.

من خلال كل ذلك، تحب الأفيال البرية البقاء على اتصال؛ حرفيًّا بأجسادها، وعن طريق حاسة الشم، من خلال الروائح التي تقطر من الغدد الصدغية، والتي يمكن للأفيال الأخرى اكتشافها من خلال التجاويف الأنفية الموجودة على طول الخرطوم، والتي تتمتع بحساسية تفوق الكلاب البوليسية، أو عبر أصوات متنوعة، أحدها يشبه قرقرة عميقة جدًا، وهو الصوت الأكثر شيوعًا وتنوُّعًا لدى الأفيال.

Embed from Getty Images

يقول الدكتور باردو: «بعض هذه الأصوات هادئ، وبعضها مرتفع، والبعض الآخر يرتفع وينخفض في طبقة الصوت». ولديه أدلة أولية على أن الأفيال تستخدم هذه القرقرة لتنادي بعضها بعضًا بالاسم. ويضيف: «تشير الاستنتاجات التي توصلنا حتى الآن إلى أن الأفيال تخاطب أفراد أسرتها بنداءات فريدة. وعندما تخاطب أفيال مختلفة الفرد نفسه، فإنهم يستخدمون نداءات متماثلة».

الأفيال ليست غبية.. بل لطيفة وذوَّاقة

حُقَّ لأرسطو أن يصف الفيل «بالحيوان الذي يفوق كل الحيوانات الأخرى في الذكاء والعقل»؛ إذ ثبت من خلال اختبار التعرف إلى المرآة الشهير أن الأفيال تتمتع بإحساس بالوعي الذاتي، وتستطيع الأفيال الإناث – اللواتي يشكلن جوهر مجتمع الأفيال – تتبع مئات الأفراد من خلال شبكات متعددة المستويات، بدءًا من الأسرة مرورًا بالعشيرة وصولًا بمجتمع الأفيال الأوسع.

علوم

منذ شهر
فيل يصادق كلبًا وثعبان يصاحب فأرًا! كيف تنشأ صداقة الحيوانات؟

والفيَلة ليست غبية، لكنها لطيفة. كما يؤكد الدكتور موس قائلًا: «تظهر الأفيال بعض الخصائص التي نود لو أننا نتمتع بها. إنهم يهتمون جدًا بأفراد أسرهم، ويتسامحون مع غير الأقارب».

كما أن الأفيال حيوانات ذواقة، تقضي حوالي 16 ساعةً كل يوم في سحب الأغصان، والتنقيب بين الشجيرات، وتجريد أغصانها برقة من الأوراق. لكن في الوقت نفسه، يمكن أن تقود هذه الشهية الشرهة الأفيال إلى مداهمة البساتين والحدائق المحلية وتدمير مصدر رزق المزارعين بين عشيةٍ وضحاها.

يعترف علماء الأحياء ونشطاء المحافظة على الأفيال بأن التعايش مع هذه الكائنات الضخمة ليس بالأمر اليسير، لكنهم يقولون إن احتمالية انقراضها فكرة لا تُطاق. ويقول الدكتور موس عن ذلك: «ستكتسي الأرض بالحزن العميق، إذا لم تكن هناك أفيال تخطو فوقها».

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد