قال تافي ماكا في مقاله على موقع «ميدل إيست آي» إن الكفاح الطويل والمضطرب من أجل التحرر الاقتصادي والسياسي للفلسطينيين والأفارقة لم ينته بعد. وإليكم ترجمة المقال كاملًا:

في 11 نوفمبر (تشرين الثاني) من عام 2004، يوم وفاة الزعيم الفلسطيني ياسر عرفات، ذرفت دموعي وأنا أشعر بالصدمة والضيق. في ذلك اليوم المشؤوم، بثت محطات التلفزيون مرارًا وتكرارًا لقطات قديمة محبطة لعرفات، وهو يستقل طائرة هليكوبتر في مجمع رام الله المتهدم، الذي حوله الجيش الإسرائيلي مدفوعًا بالعدوان الصهيوني المتطرف إلى أنقاض.

كان من الصعب عليّ تحمّل وفاة عرفات – الذي بُثت صوره وهو يغادر الضفة الغربية المحتلة متوجهًا إلى الأردن، وسط عشرات الفلسطينيين المدمرين الذين يودعونه – المفاجئة في باريس. تساءلت: لماذا يجب أن يموت في أرض أجنبية؟

سياسة

منذ 3 أسابيع
مارك شناير.. مستشار ملك البحرين وحاخام التطبيع بين العرب وإسرائيل

ذكرني موت عرفات بسامورا ماشيل، الرئيس المؤسس لموزمبيق. مات ماشيل في حادث طائرة غامض في عام 1986. مثل عرفات، جسد ماشيل الكفاح الطويل في حياتنا المضطربة. وقد أثار موته تعاطفًا كبيرًا في أفريقيا لأنه مثل عرفات لم يكن مجرد رئيس لموزمبيق، لقد كان زعيمنا أيضًا.

كان شعبه شعبنا، ونضالهم نضالنا حتى النهاية. في الواقع يرمز كل من ماشيل وعرفات للكفاح الطويل المؤلم من أجل التحرر من السيطرة الاستعمارية الجديدة. ولكن في حين أن ماشيل عاش طويلًا بما يكفي ليتنفس الهواء في موزمبيق مستقلة، فقد لقي عرفات حتفه في ظروف حزينة قبل أن تتحقق الدولة الفلسطينية، وقد أزعجني ذلك.

نشأ النضال الفلسطيني في زيمبابوي، وقد عُد كفاحًا أفريقيًا من أجل الاستقلال. كلما زار زيمبابوي كان يتم الاحتفال بعرفات كزعيم أفريقي. وقد تردد صدى ذلك التضامن مع الشعب الفلسطيني في جميع أنحاء أفريقيا، ووجد مصداقية كبيرة بين الناس العاديين والقادة على حد سواء.

في عام 2004 قال رئيس جنوب أفريقيا آنذاك ثابو مبيكي، متحدثًا عن حق الفلسطينيين في إقامة دولة: «لدينا مسؤولية كأفارقة أن نتأكد من أن لا ننسى هذه القضية، ولا نتعامل معها كقضية ثانوية وأننا بالفعل ننخرط في برنامج عملي من شأنه أن يساعد في التقدم في هذا الشأن».

سرقة الأرض وقمع المدنيين

يبدو هذا البيان أكثر صدقًا اليوم مما كان عليه قبل 16 عامًا، حيث اكتسبت محاولات إسرائيل لتطبيع عمليات سرقة الأراضي، والقتل، والقمع الجائر، والتمييز العنصري في الأراضي الفلسطينية زخمًا، ليس فقط في الإمارات والبحرين، ولكن أيضًا في بعض الدول الأفريقية. لسوء الحظ أصبح بعض القادة الأفارقة متواطئين عن عمد في السعي إلى القضاء على الحقوق الفلسطينية من جانب إسرائيل، التي تمجد نفسها بلا خجل على أنها أمة سلام.

Embed from Getty Images

على الرغم من شنها ثلاث حروب مدمرة على غزة منذ عام 2008، واستمرارها في بناء مستوطنات جديدة على الأراضي المحتلة في انتهاك لاتفاقية جنيف الرابعة، تعمل إسرائيل بشكل متزايد على تعزيز العلاقات مع الدول الأفريقية. تقيم إسرائيل حاليًا علاقات دبلوماسية كاملة مع 39 من أصل 47 دولة أفريقية جنوب الصحراء ولديها سفارات في تسع من أصل 54 دولة أفريقية.

في عام 2016 أصبح بنيامين نتنياهو أول رئيس وزراء إسرائيلي يزور أفريقيا منذ عقود. في السنوات الخمس الماضية قام بزيارة أوغندا، وكينيا، ورواندا، وإثيوبيا، وتشاد. تزامنت هذه الزيارات إلى حد كبير مع محاولات من جانب غانا، وكينيا، وإثيوبيا، لمساعدة إسرائيل على استعادة وضع المراقب في الاتحاد الأفريقي.

علاوة على ذلك في يونيو (حزيران) 2017 أصبح نتنياهو أول زعيم غير أفريقي يخاطب المجموعة الاقتصادية لدول غرب أفريقيا. وفي وقت لاحق من ذلك العام ألغت توجو القمة الإسرائيلية الأفريقية المقرر عقدها في أكتوبر (تشرين الأول) 2017.

في أماكن أخرى تتطلع غينيا الاستوائية وأنجولا إلى مساعدة اقتصادية من إسرائيل، ووعدت كينيا بدعم إسرائيل في الأمم المتحدة. الأمر الأكثر خطورة هو أن أوغندا وملاوي تتطلعان إلى فتح بعثات دبلوماسية في القدس. ومع ذلك يدعم الاتحاد الأفريقي حق الفلسطينيين في إقامة دولة على أساس حدود عام 1967، وعاصمتها القدس.

النهج الأناني

هذه المناورة الأنانية المخيبة للآمال لم يكن من الممكن تصورها في عامي 1986 أو 2004. ومع ذلك، اليوم، لا يظهر عدد من القادة الأفارقة أي خجل أثناء العمل ضد حقوق الفلسطينيين في استعادة أراضيهم المسروقة، والانخراط في الأنشطة الاقتصادية والتمتع بحياة كريمة.

بدلًا عن ذلك تعمل بعض الدول الأفريقية من أجل تطبيع العلاقات مع القوة الاستعمارية الوحيدة في الشرق الأوسط. سعت أوغندا إلى الحصول على مساعدة إسرائيلية أكبر في الزراعة والتعليم والابتكار. وتشتري جنوب السودان، المنكوبة بالحرب الأهلية وتخضع لحظر الأسلحة من جانب الأمم المتحدة، أسلحة من الشركات الإسرائيلية.

Embed from Getty Images

لا شك أن إسرائيل تستخدم نفوذها الاقتصادي وقدراتها العسكرية ومعرفتها التكنولوجية لمحاولة بناء علاقات أقوى مع الدول الأفريقية وزيادة الدعم في الأمم المتحدة وتقويض مطالبات الفلسطينيين بالدولة بشكل تدريجي.

لذا فمن حيث أقف فإن تطبيع العلاقات مع إسرائيل – إلى حد الموافقة على الضغط لصالح إسرائيل في الأمم المتحدة والتخطيط لإنشاء سفارات في القدس – هو خيانة مخزية وصادمة للتطلعات الأفريقية والفلسطينية. كيف يمكن لزعيم أفريقي أن يساعد في تبييض الفصل العنصري والاستيلاء على الأراضي وعمليات الاستهداف المروعة التي نفذتها إسرائيل على أجساد الفلسطينيين وأرواحهم في السنوات الـ72 الماضية؟

ومع ذلك تجدر الإشارة إلى أنه بينما يرغب العديد من القادة الأفارقة في إقامة ارتباطات غريبة لا يمكن الدفاع عنها مع إسرائيل، فإن إنسانيتنا وروابطنا التي لا تمحى بالقضية الفلسطينية لا تزال مستمرة.

انتهاكات حقوق الإنسان

لا يمكن لملاوي وأوغندا أن تدعما بحماس دولة تحرم عمدًا سكان غزة من الوصول المنتظم، وغير المقيد إلى المياه النظيفة، والكهرباء، والخدمات الصحية الحيوية. وكيف يمكن لإثيوبيا وكينيا أن تعيشا في سلام مع أمة قتلت ما لا يقل عن 214 فلسطينيًا، وجرحت أكثر من 18 ألف خلال احتجاجات مسيرات العودة الكبرى السلمية في عام 2018؟

كيف يمكننا أن نشكو من قيام قوات الشرطة بارتكاب فظائع وجرائم قتل مروعة في المجتمعات الأفريقية، في حين ندعم دولة تمارسسة الوحشية بانتظام ضد إخواننا وأخواتنا الفلسطينيين؟

ومع ذلك لم تتماهَ كل الدول الأفريقية مع المصالح الإسرائيلية، أو أصبحت سلبية تجاه العدوان الإسرائيلي على الأراضي الفلسطينية. بعد هجوم مميت على متظاهرين سلميين في غزة في مايو (أيار) 2018، سحبت جنوب أفريقيا سفيرها لدى إسرائيل، وخفضت رتبة سفارتها إلى مكتب اتصال.

ولكن لم تحذُ دول أفريقية أخرى لها بعثات دبلوماسية في إسرائيل حذوها. بغض النظر عن أهدافهم التجارية الملحة للحصول على الدولار الأمريكي، فإن أوغندا، وملاوي، وإثيوبيا، وغانا، وكينيا – على سبيل المثال لا الحصر – لا يمكنها ببساطة تجاهل الانتهاكات الإسرائيلية الجسيمة لحقوق الإنسان والتخلي عن النضال الفلسطيني.

تخليد ذكرى الأبطال

لم ينته الكفاح الطويل من أجل التحرر الاقتصادي والسياسي للفلسطينيين والأفارقة بعد. إن عدم المساواة في نضالاتنا التاريخية والمعاصرة المشتركة – ضد الاستعمار الغربي الجديد، والعنصرية النظامية، والقمع الاقتصادي، والفقر، والوحشية – تظل قوية كما كانت دائمًا.

عربي

منذ أسبوعين
«ميدل إيست آي»: دويتوهات غنائية وحفلات أوركسترا.. هكذا تتفاخر الإمارات بالتطبيع

بقدر ما يجب أن نساعد أنفسنا، يجب على الأفارقة من جميع الأشكال مساعدة الفلسطينيين بكل طريقة يمكن تخيلها، لأنه لم تحصل أي دولة أفريقية على استقلالها دون مساعدة وتضحيات خارجية هائلة. يجب على الدول الأفريقية ألا تقيم علاقات أوثق مع إسرائيل، وتعرض الوضع المستقبلي للقدس للخطر. بدلًا عن ذلك يجب على أفريقيا أن تلعب دورها في المساعدة على تحقيق الدولة الفلسطينية.

إننا مدينون بهذا القدر لأبطالنا الأفارقة والفلسطينيين الذين سقطوا.

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد