نشرت صحيفة «واشنطن بوست» الأمريكية تحليلًا أعدَّته مؤسسة الباروميتر الأفريقي، وهو الأول في سلسلة تتناول الديمقراطية الأفريقية قبل انعقاد القمة العالمية من أجل الديمقراطية، التي دعا إليها الرئيس الأمريكي، جو بايدن، في أغسطس (آب) الماضي.

تستهل الصحيفة الأمريكية تحليلها الذي كتبه جوزيف أسونكا، الرئيس التنفيذي لمؤسسة الباروميتر الأفريقي، وإيمانويل جيماه بوادي، رئيس مجلس المؤسسة البحثية، بالإشارة إلى أن إدارة بايدن سوف تجمع قادة الحكومة والقطاع الخاص والمجتمع في مؤتمر قمة عالمية من أجل الديمقراطية، وذلك في ديسمبر (كانون الأول) المقبل. وسيكون مؤتمر القمة هذا بمثابة منتدى تناقش فيه المؤسسات والبلدان التطلعات الديمقراطية، ومواجهة التهديدات التي تواجهها الديمقراطيات في جميع أنحاء العالم، ووضْع «برنامج إيجابي للإصلاح الديمقراطي».

العالم والاقتصاد

منذ 4 سنوات
إفريقيا ليست كما تتصور.. دول سمراء نجحت في الانتقال الاقتصادي

وستشارك مؤسسة الباروميتر الأفريقي في مؤتمر القمة، وستطرح وجهات نظر الأفارقة العاديين على الطاولة. وتُشكِّل جودة الديمقراطية والحكم الرشيد في مختلف أنحاء القارة الموضوعات الأساسية التي تعالجها مؤسسة الباروميتر الأفريقي، وعلى هذا فإن لدى المؤسسة كثيرًا يمكنها قوله، وخاصة بعد أن أكملت للتو 48084 مقابلة وجهًا لوجه في 34 دولة في دورتها الاستقصائية الثامنة (2019-2021). واستعدادًا لمؤتمر القمة، تبدأ المؤسسة سلسلةً تختص بالقمة الأفريقية للديمقراطية لاستعراض بعض من أهم النتائج الجديدة التي توصَّلت إليها المؤسسة البحثية.

البداية مع الأساسيات

ويبدأ تحليل المؤسسة الأول بالحديث عن الأساسيات التي يطرحها السؤال الآتي: هل الأفارقة ما زالوا يريدون الديمقراطية؟ وهل يعتقدون أنهم يحصلون عليها؟

ويوضح الكاتبان أن المؤسسة البحثية ستتابع سلسلة تحليلاتها عن القارة في الأسابيع المقبلة وستتناول قضايا الفساد والالتزام الديمقراطي، والحدود الزمنية للولاية في المناصب، ونفوذ الصين، وتأثير جائحة فيروس كورونا المستجد، والموضوعات ذات الصلة. كذلك ستفحص المؤسسة عددًا من دراسات الحالة، مع تسليط الضوء على البلدان التي تتقدم أو تتخلف ديمقراطيًّا.

التطلعات الديمقراطية القوية للأفارقة

يلفت الكاتبان إلى أن مراقبي الديمقراطية شعروا بالانزعاج على مدى العقد الماضي إزاء الاتجاهات المتراجعة في وضْع الديمقراطية في أفريقيا. وقد استغلت بعض الحكومات جائحة كوفيد-19 للحد من الحريات أو تقييد الحملات الانتخابية العادلة، أو تأجيل الانتخابات. وينتاب الناشطين شعورٌ عميق بالقلق من إمكانية دوام التراجع المؤقت المفترض في إصلاحات الحكم الرشيد التي تحققت بشق الأنفس.

Embed from Getty Images

ولكن في ما يخص الغالبية، فإن المواطنين الأفارقة ملتزمون بالديمقراطية والمؤسسات الديمقراطية، وآية ذلك أنه وفي 30 دولة من مختلف البلدان التي شملتها استطلاعات مؤسسة الباروميتر الأفريقي المستمرة منذ الدورة الخامسة (2011-2013)، تظل أغلب المؤشرات قوية وثابتة إلى حد كبير.

يقول سبعة من كل 10 أفارقة (69%) إن: «الديمقراطية أفضل من أي نوع آخر من أشكال الحكم». وفي حين أن هذه النسبة انخفضت قليلًا من 73% قبل عقد من الزمان، يبدو أن مؤشرات أكثر تحديدًا تؤكد الالتزام الشعبي بالديمقراطية. وترفض أغلبية كبيرة وثابتة باستمرار البدائل الاستبدادية، ومنها الحكم العسكري (75%)، وحكم الحزب الواحد (77%)، والحكم الفردي الشمولي (82%).

كذلك فإن دعم المؤسسات الديمقراطية الأساسية، مثل المنافسة متعددة الأحزاب (63%)، والإشراف البرلماني على الرئيس (67%) وحدود مدة الرئاسة (77%)، قوي ومتَّسق أيضًا، كما يتضح في الشكل الآتي:

دعم الأعراف والمؤسسات الديمقراطية | 30 دولة | 2011-2021

ونوَّه الكاتبان إلى أن الالتزام بإجراء انتخابات متعددة الأحزاب بوصفها أفضل نظام لاختيار القادة، وعلى الرغم من أنه لا يزال قويًّا بنسبة 75%، انخفض بنسبة ثماني نقاط مئوية على مدى العقد الماضي. وقد يعكس هذا الانخفاض خيبة أمل حقيقية إزاء العمليات الانتخابية التي كثيرًا ما تشوبها أعمال العنف، وتؤدي إلى نتائج متنازع عليها.

ويدرك عدد متزايد من الناس أيضًا أن الانتخابات، لا سيما الانتخابات ذات النوعية الرديئة، ليست كافية لضمان الديمقراطية والحكم الرشيد، وأن الديمقراطية السليمة يجب أن تتضمن سمات أخرى مثل مساءلة الحكومات واستجابتها، ومشاركة المواطنين.

وهذا ما يمكن استنتاجه من زيادة الطلب الشعبي على المساءلة وسيادة القانون. ويتفق الآن أكثر من ثلاثة أرباع الأفارقة (77%) على أن رئيسهم «يجب أن يمتثل دائمًا للقوانين والمحاكمة» حتى لو كان ذلك الرئيس «يعتقد أنهم مخطئون»، بزيادة 10 نقاط خلال العقد الماضي. ويقول ما يقرب من الثلثين (62%) إنه من الأهمية بمكان أن تكون الحكومة مسؤولة أمام الناس عن «إنجاز الأعمال»، ارتفاعًا من 52% في 2011/ 2013. وبالنظر إلى نطاق الاحتياجات التي يريد الناس أن تلبيها حكوماتهم، فإن هذه النتيجة، أكثر من غيرها، تشير إلى تعميق مهم للالتزام الديمقراطي الشعبي.

الواقع: فجوة «خيبة أمل ديمقراطية»

وحول السؤال المطروح: إلى أي مدى يتوافق الواقع السياسي مع تطلعات الأفارقة؟ يجيب التحليل بأن نتائج مؤسسة الباروميتر الأفريقي تشير إلى أن الواقع السياسي لا يرقى إلى مستوى توقعات الأفارقة.

 

وفي مختلف أنحاء القارة، شهدت السنوات الأخيرة عددًا من الحالات التي تعكس صعودًا في العملية الديمقراطية، مثل إعادة مالاوي لانتخاباتِها الرئاسية المعيبة في عام 2019، وانتقال السلطة تحت إشراف الحزب الحاكم مؤخرًا في زامبيا، وإطاحة الحكام المستبدين الذين خدموا لمدة طويلة في غامبيا والسودان وزيمبابوي، إلى جانب بعض التراجعات عن الديمقراطية مثل الانقلابات في مالي وغينيا، ومحاولات الانقلابات في الجابون والنيجر. ولكن في المتوسط، وكما رأينا في الماضي، لا نزال نجد أن الأفارقة يريدون حكمًا ديمقراطيًّا خاضعًا للمساءلة أكثر من الذي يجدونه بين أيديهم.

وحول سؤال المستطلعين عن مدى ديمقراطية بلدهم ومدى رضاهم عن «الطريقة التي تعمل بها الديمقراطية»، أوضح التحليل أنه عبر 30 بلدًا تتبعتها المؤسسة خلال العقد الماضي، أفادت أغلبية ضئيلة تصل نسبتها إلى 52% أن بلدهم «ديمقراطية كاملة» أو «ديمقراطية تعاني من مشكلات طفيفة». وهو ما يعادل تقريبًا نسبة الـ54% المسجلة في 2011/ 2013. لكن في ما يتعلق بالرضا عن الطريقة التي تعمل بها الديمقراطية فهي نسبة أقل، وانخفضت كثيرًا، من 50% قبل عقد مضى إلى 43% الآن، كما يوضح الشكل الآتي:

وعلى الرغم من ثبات تقييمات جودة الانتخابات، فإن غالبية الأفارقة يقولون إن الفساد يزداد سوءًا؛ إذ يعتقد 32% فقط أن حكومتهم تعمل على نحو عادل أو جيد للغاية في مكافحة الفساد، انخفاضًا من 36% قبل عقد من الزمان. وبينما رأينا أن التأييد لسيادة القانون والمساءلة الرئاسية أمام الهيئات التشريعية والمحاكم آخذ في الارتفاع، انخفضت ثقة الجمهور بامتثال الرؤساء فعليًّا للقوانين والمحاكمة والخضوع للرقابة البرلمانية من 60% و62% إلى 56% و57% على الترتيب.

ويجمل الكاتب خُلاصة تحليله في الختام فيقول: عندما نوازن بين مؤشرات العرض والطلب الديمقراطيين، نرى أن الحكومات الأفريقية لا تُلبي تطلعات مواطنيها إلى العيش في مجتمعات ديمقراطية فعَّالة وخاضعة للمساءلة.

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد