رفض الأردن منذ يومين تمديد إيجار أراضي «جزيرة السلام» لصالح إسرائيل، التي كان لها حق التصرف فيها طيلة 25 عامًا بموجب معاهدة السلام الموقعة بين الجانبين في عام 1994. وفي هذا الصدد أعد كل من ستيف هندريكس، الصحافي والمحلل في جريدة «واشنطن بوست»، وتايلور لاك، مراسل الشرق الأوسط لصحيفة كريسشيان ساينس مونيتور، وروث إجلاش، مراسلة واشنطن بوست في القدس هذا التقرير.

في بداية التقرير الذي نشرته صحيفة «واشنطن بوست» الأمريكية ذكر الكتَّاب أنه على: «الحدود الأردنية-  الإسرائليةكان شاي حدار، وهو مزارع إسرائيلي يعمل في جزيرة السلام، دائمًا ما يستطيع الدخول بسهولة إلى أرض نهرايم (بالعبرية)، وهو قطاع من التلال الممتدة بين نهر الأردن ونهر اليرموك، الذي يقع داخل حدود الأردن، ولكن الإسرائيليين يستخدمونه منذ عقود حسب العرف وبموجب المعاهدة. وقد سَبَحَ حدار في هذا النهر عندما كان طفلًا، وفي السنوات الأخيرة كان معه مفتاحه الخاص لبوابة الحدود التي تسمح للمزارعين والسياح بالدخول إلى ما أصبح يُعرف في كلا البلدين باسم «جزيرة السلام».

«قفل جديد على البوابة»

واستدرك المحللون: «لكن في يوم الاثنين، كان هناك قُفْل جديد على البوابة، وقد وضعه الجيش الأردني في يوم سابق. وبعد منح إسرائيل حق الدخول إلى الأرض جزءًا من معاهدة السلام في عام 1994، رفض الأردن تجديد هذه الاتفاقية. وتُعد هذه الخطوة، المسموح بها بموجب شروط المعاهدة، أحدث دليل على الخلاف المستمر بين البلدين، وعلى نهاية تقليد طويل من الانفتاح المحلي عبر الحدود.

وقال حدار، وهو يهز القفل الضخم وينظر إلى السياج عند المنحدرات والشلالات، التي يومًا ما كانت تمثل 80% من قطاع السياحة في الكيبوتس (مزرعة يهودية) التي كان يعمل فيها، «لقد كنا جيرانًا صالحين بعضنا تجاه بعض». وأضاف: «وما نحن إلا أشخاص بسطاء يدفعون الثمن دائمًا».

«حكم إعدام» على المزارعين

وأوضح المحللون أن «الأردن أعلن قبل عام نيته إنهاء استئجار إسرائيل لأرض نهارايم، الواقعة أسفل بحر الجليل، وكذلك أرض تسوفر، وهو قطاع آخر من الأراضي الحدودية جنوب البحر الميت. وقد نفى رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو المخاوف بشأن هذه الخطوة، قائلًا إن العلاقات بين البلدين ما تزال قوية. لكن لم يتحقق تقدم كبير منذ ذلك الحين؛ إذ دخلت إسرائيل في انتخابات غير حاسمة، وعام من الجمود السياسي. 

وقال مسؤول إقليمي في تسوفر لوسائل الإعلام المحلية إن فقدان الأراضي المزروعة سيكون بمثابة «حكم إعدام» على 35 مزارعًا من المزارعين الذين يعيشون في المنطقة. وقد اشتكى السكان في نهرايم من عدم قدرتهم على التواصل مع الحكومة الإسرائيلية للحديث حول مصير هذه الأراضي. وقال حدار إنه علم من حرس الحدود الأردني أن الاتفاق سينتهي رسميًّا. ورفض مكتب نتنياهو الاستجابة لطلب التعليق على ذلك».

واستطرد الكتَّاب: «وصف المحللون في عمان تصرف الأردن بأنه خطوة ذات دافع شعبي، في وقت يتصاعد فيه التوتر مع إسرائيل حول قضايا اقتصادية وأيديولوجية. وقد توقف التعاون في مشروعات المياه الرئيسية، ومن ذلك مشروع القناة التي كانت تهدف إلى إعادة إمداد البحر الميت بالمياه؛ حيث إن المياه فيه تنحسر. 

من جانبها، فرضت إسرائيل قيودًا على استيراد البضائع الأردنية إلى الضفة الغربية، وهي سوق كبيرة مجاورة. واستدعى الأردن مؤخرًا سفيره في إسرائيل؛ بسبب احتجاز شابين أردنيين للاشتباه في أنهما يعملان مع جماعات مسلحة في أثناء زيارتهما إلى الضفة الغربية».

«سلام بارد» بين الأردن وإسرائيل

وأشار الكتَّاب بقولهم: «على الرغم من عدم وجود قيمة استراتيجية تذكر، أصبحت المناطق الزراعية في الباقورة – وهي بلدة أردنية حدودية تقع شرق نهر الأردن- والغُمْر كما هي معروفة باللغة العربية – وهي منطقة حدودية أردنية تقع ضمن محافظة العقبة جنوب البحر الميت- رمزًا للأمل الذي لم يتحقق والإحباط المتزايد لدى إسرائيل، خاصةً المعاهدة التي استمرت 25 عامًا، والتي يقول العديد من الأردنيين والإسرائيليين إنها لم تجلب أكثر من «سلام بارد» بين البلدين. 

Embed from Getty Images

وقال جواد العناني، المدير السابق للمحكمة الملكية وكبير المفاوضين في معاهدة السلام بين الأردن وإسرائيل عام 1994: «إن عدم السماح لإسرائيل بالاستمرار في استخدام قطعتي الأرض أو تقديم أي خدمات لصالح نتنياهو لم يكن منطقيًّا فحسب، بل أصبح مطلبًا علنيًّا عاجلًا».

وأضاف المحللون: «في يوم الأحد، وعلى صدر الصفحات الأولى للصحف الأربع اليومية التي تصدر في الأردن، جرى الترويج لفكرة «استعادة السيادة الأردنية»، وأعلن الملك عبد الله الثاني القرار النهائي في خطاب متلفز ألقاه بمناسبة افتتاح أعمال الدورة العادية لمجلس الأمة قائلًا: «كما أعلن اليوم انتهاء العمل بالملحقين الخاصين بمنطقتي الغُمْر والباقورة في اتفاقية السلام وفرض سيادتنا الكاملة على كل شبر منها»، وهذا ما أثار غضبًا شديدًا. 

الملك عبدالله ليس الملك حسين ونتنياهو ليس رابين

وبعيدًا عن السياسة، يصر البعض على أن هذه الخطوة شخصية أيضًا. ويُقال إن العلاقة بين الملك عبد الله ونتنياهو ليست على ما يرام؛ إذ ينظر عبد الله إليه نظرة ريبة، ملقيًا عليه بلائمة نسف عملية السلام برمتها، وتلك العملية هي إرث والده الملك الراحل حسين.

وصرح أحد المسؤولين السابقين بأنه: «لا توجد كيمياء بينهما»، بينما شَبَّه أحد المقربين من قصر عبد الله العلاقة بينهما، والتي تعود إلى التسعينيات من القرن الماضي، بأنها «الأصدقاء الأعداء» لكن دون صداقة!

على الجانب الآخر، ذكر المحللون أن: «إسرائيل التزمت الصمت تجاه قرار الأردن. وأصدرت وزارة الخارجية يوم الأحد بيانًا قصيرًا أعربت فيه عن أسفها إزاء هذه الخطوة، لكنها قالت إن عمان وافقت على السماح للمزارعين بجمع ما تبقى من القمح والمحاصيل الأخرى. وقال الأردن إنه «سيحترم حقوق الملكية الخاصة»، لكن الإسرائيليين سيحتاجون إلى الحصول على تأشيرات لدخول المنطقة. 

ويقول الباحثون إن قرار منع الوصول إلى قطعتي الأرض حدث بسبب العلاقة الشخصية بين الملك حسين ورئيس الوزراء إسحاق رابين آنذاك، والذي تفاوض على معاهدة عام 1994. ولا يوجد مثل هذه المجاملة بين قادة البلاد الآن، كما يقول المحللون. وبحسب ما ورد لم يلتقِ نتنياهو بعبد الله وجهًا لوجه منذ يونيو (حزيران) 2018».

رمز للصداقة ومكان للسلام

وصرح عوديد عيران، السفير الإسرائيلي السابق لدى الأردن، وباحث أول بمعهد دراسات الأمن القومي، قائلًا: «هذه بالتأكيد واحدة من أقل النقاط التي يمكنني تذكرها في العلاقات الإسرائيلية الأردنية». وأضاف: «المشكلة الرئيسية هي عدم وجود حوار بين رأس السلطة على الجانب الأردني، ورأس السلطة على الجانب الإسرائيلي».

Embed from Getty Images

وأوضح الكتَّاب أن: «المعاهدة نصت على أن قطعتي الأرض كلتيهما مكان للسلام. وبالنسبة للإسرائيليين، كان يُنظر إلى قطعتي الأرض في البداية رمزًا للصداقة القائمة حديثًا بين دول معادية سابقة. وشهدت المنطقة في الجنوب تجمعات للكشافة الإسرائيلية في انتظار لقاء نظرائهم الأردنيين.

النهاية.. وداع عاطفي

لكن في عام 1997، أصبحت نهرايم موقعًا لهجوم قاتل، عندما فتح جندي أردني النار على مجموعة من طالبات المدارس الإسرائيليات. وقُتل سبع منهن، مما دفع الملك حسين إلى القيام برحلة غير مسبوقة إلى إسرائيل لزيارة منزل كل ضحية. وقضى الجندي 20 عامًا في السجن، لكن أُطلق سراحه بعد أن قدَّم المشرِّعون الأردنيون التماسًا بالنيابة عنه.

وفي السنوات التي تلت ذلك، أصبحت المنطقة مشهورة بالنسبة للسائحين؛ حيث يمكن الاستمتاع بجولات المشي وزيارة الشلالات، والتنزه على ضفاف النهر. وكان حدار، الذي أدار البرنامج حتى نهايته المفاجئة، على اتصال يومي بالحراس الأردنيين الذين كانوا يديرون عملية الدخول إلى قطعتي الأرض. وقال إنه سيخبرهم بعدد الحافلات والشاحنات والجرارات اللازمة للدخول، ونادرًا ما تحدث أي تعقيدات».

واختتم الكتَّاب مقالهم بتصويرهم لمشهد المزارع الإسرائيلي، قائلين: «عندما أصبح من الواضح أن الدخول إلى الأرض لم يَعُد ممكنًا، ودَّع شاي حدار الحراس الأردنيين وداعًا مثيرًا للعواطف؛ إذ إنه شبَّ بالقرب منهم، وكان يعانقهم ويُقبِّلهم. وكان حدار يقول «إن شاء الله باللغة العربية، وأضاف: «قلنا إن شاء الله، وستنفعنا فيما هو قادم».

«الوهم المتبدد».. 5 عمليات حطم فيها العرب أسطورة «الموساد الذي لا يقهر»

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد