تسلط صحيفة «واشنطن بوست» الأمريكية في هذا المقال الضوء على التحديات التي تواجه تنفيذ اتفاق تقاسم السلطة في السودان، الذي تم التوصل إليه بين المجلس العسكري الانتقالي الحاكم والمعارضة ممثلةً في قوى إعلان الحرية والتغيير، بعد الإعلان عن إحباط «محاولة انقلابية» تهدف إلى عرقلة الاتفاق.

قالت الصحيفة في تقرير للباحث الأمريكي في الشؤون الأفريقية، ريتشموند دانسو، إن إعلان الحكومة العسكرية الانتقالية بالسودان يوم الخميس إحباطها محاولة انقلابية يعد أحدث انتكاسات اتفاق تقاسم السلطة الذي يهدف لتنظيم فترة انتقالية مدتها ثلاث سنوات يفترض أن تتوج بانتخابات ديمقراطية.

جاء الاتفاق بعد أشهر من الاحتجاجات المتواصلة التي أجبرت عمر حسن البشير، الرئيس الذي حكم السودان لفترة طويلة، على التنحي في أبريل (نيسان) الماضي. وبعد رحيل البشير، كافحت الحركة الاحتجاجية من أجل التفاوض مع الحكومة العسكرية الانتقالية التي يقودها كبار مساعدي النظام السابق.

وتوقفت المفاوضات بشكل مفاجئ يوم 3 يونيو (حزيران)، عندما هاجمت القوات السودانية المتظاهرين المؤيدين للديمقراطية في الخرطوم، وقتلت ما لا يقل عن 100 شخص وأصابت 300 آخرين.

غير أن الضغط الدولي ساعد على استئناف المفاوضات التي فاجأت عديدًا من المراقبين بعد التوصل إلى اتفاق أشاد به الجانبان في البداية. ويقضي الاتفاق بتأسيس حكومة لاقتسام السلطة بين المجلس العسكري وقوى إعلان الحرية والتغيير الداعمة للديمقراطية.

وينص الاتفاق على تشكيل مجلس سيادي وحكومة كفاءات مستقلة للمساعدة في إدارة البلاد. ومن المتوقع إنشاء لجنة تحقيق مستقلة للتحقيق في أحداث العنف ضد المدنيين خلال الانتفاضة، وتحديدًا مجزرة 3 يونيو (حزيران) التي أودت بحياة أكثر من 100 محتج وتسببت في تعثر المفاوضات الأولية.

ولم يدخل الاتفاق بعد حيز التنفيذ رسميًا. وتقول الصحيفة إنه رغم الحماسة الأولية بالتوصل إلى الاتفاق، تحول الانتباه لاحقًا إلى العديد من الثغرات المحتملة والأسئلة المعلقة بلا إجابات بشأنه. وتتساءل الصحيفة: ما الذي يمكننا أن نتوقعه من الاتفاق خلال الفترة الانتقالية وماذا بعد انتهاء صلاحيته؟

كيف سيجري تقاسم السلطة في السودان؟

وافق المجلس العسكري وقوى الحرية والتغيير على تشكيل مجلس سيادي مشترك يحكم السودان حتى منتصف عام 2020، وبموجب الاتفاق سيحكم المجلس العسكري خلال الواحد وعشرين شهرًا الأولى، وبعد انقضاء تلك المدة سيحكم المجلس المدني الأشهر الـ18 اللاحقة.

Embed from Getty Images

ويتوقع أن يشغل الفريق أول عبد الفتاح البرهان، رئيس المجلس العسكري الانتقالي، منصب الرئيس. وفي نظر الصحيفة، ثمة أسباب ترجح أن يحاول المجلس العسكري تجاوز الساسة المدنيين خلال الفترة الانتقالية الطويلة. إذ أشارت الصحيفة إلى أن الائتلاف المدني تشكل من أشخاص ومنظمات تظاهروا لأسباب شاملة؛ بدءًا من الاقتصاد إلى المظالم المحلية.

ولا تملك المجموعة أساسًا أيديولوجيًا مشتركًا. وقد استغل المجلس العسكري هذا الأمر خلال المفاوضات، وترى الصحيفة أنه من المرجح أن يحاول استغلاله مرة أخرى.

وافق المجلس التنفيذي على أن يتكون الفريق الانتقالي من 11 عضوًا، خمسة من كل جانب، وأخير متفق عليه من كلا الطرفين. ولم يتضح بعد ما إذا كان العضو الحادي عشر سيكون مدنيًا أم عسكريًا، وإن كان الوسطاء أشاروا إليه بوصفه مدنيًّا. ومن المرجح أن يعمل العضو الحادي عشر وسيطًا للسلطة في صنع القرارات وسن التشريعات، لا سيما في ظل غياب هيئة تشريعية تفعل ذلك.

وهو أمر يجعل هوية العضو الأخير بالغ الأهمية، ولكن لا يُعرف حتى الآن سوى القليل عن عملية التعيين، بحسب الصحيفة.

تسلسل الاتفاق

أشارت الصحيفة إلى أن قادة الاحتجاجات وافقوا على مرحلة انتقالية طويلة الأمد، لأنهم قلقون من إجراء انتخابات مبكرة قد لا تمكنهم من التنافس بفعالية. علاوة على أن فكرة حكم المسؤولين العسكريين للسودان خلال الـ12 شهرًا الأولى -بدون سلطة تشريعية للأشهر الثلاثة اللاحقة- تمنحهم فرصة كبيرة.

فخلال هذه الفترة، يمكنهم استحداث قوانين لحماية أنفسهم، ووضع سوابق لتتبناها الحكومة المدنية لاحقًا. وتقول الصحيفة إنه بينما من المتوقع انتخاب المشرعين في أقرب وقت ممكن، بحلول سبتمبر (أيلول) 2019، لا تزال هناك الكثير من التفاصيل المُبهمة.

فما من معلومات حول كيفية انتخاب الهيئة التشريعية، ومن يمكنه خوض هذه الانتخابات، والجدول الزمني لها أو تفاصيل الدستور الجديد. وترى الصحيفة أن المجلس العسكري يمكنه استغلال ذلك الغموض إما بإرجاء تأسيس المجلس التشريعي أو باعتماد قواعد لصالح مرشحيه.

ما الذي يمكن للمدنيين فعله؟

ترى الصحيفة أن الاتفاق منح التحالف المدني بعض الانتصارات. فهم يختارون أعضاء حكومة التكنوقراط لتشكيلها بشكل مستقل عن العسكريين. ومع استمرار العملية الانتقالية، ربما تصبح المصالح والرؤى المختلفة لقوى الحرية والتغيير أوضح، بحسب الصحيفة.

Embed from Getty Images

وقد تشكلت «الحرية والتغيير» من مجموعات مدنية وأحزاب سياسية معارضة، لكن «واشنطن بوست» تقول إن هذه القوى ليست موحدة على كثير من الأمور الأبعد من مطلب الحكومة المدنية، الأمر الذي قد يضعف قدرتهم في الوقت الذي تتحول فيه المعركة السياسية إلى التركيز على تفاصيل النظام الجديد.

ولمنع العسكريين من السيطرة على العملية الانتقالية، تتوقع الصحيفة أن يضطر المتظاهرون لمواصلة التظاهر للحفاظ على الضغط الشعبي.

وهذا ما يمثل تحديًا كبيرًا في غياب دوافع واضحة توحد الجماعات المؤيدة للديمقراطية معًا بخلاف الدعوة إلى حكومة مدنية. وسيكون من الطبيعي أن يتضاءل الحشد إذا مضى السودان قدمًا نحو شكل من أشكال السياسة العادية.

ومع ذلك، قد يضعف تفكيك الحشد موقفهم التفاوضي. وحتى الآن، تحدى المتظاهرون التوقعات المتعلقة بتفكيكهم، لكن يمكنهم العودة إلى الشوارع من أجل الضغط على مطالبهم، وخاصة إذا أخفقت الحكومة الانتقالية في تنفيذ مبادئ الاتفاق.

السلام والعدالة الانتقالية

شمل الاتفاق التزامًا بالتحقيق في كافة الأعمال الوحشية المرتكبة بعد الإطاحة بالبشير، ولكن يبقى تشكيل الهيئة المستقلة المنوطة بالتحقيق في هذه الجرائم غير معروف. وترجح صحيفة «واشنطن بوست» أن يتدخل العسكريون -الهدف الرئيسي لهذه التحقيقات- في تشكيل هذه الهيئة باعتبار أنهم يشغلون منصب الرئيس الأولي للحكومة.

علاوة على أن دور الفريق محمد حمدان دقلو (حميدتي)، الرجل الثاني في القيادة العسكرية الانتقالية وقائد المجموعة شبه العسكرية المتهمة بمعظم الأعمال الوحشية، يمثل مصدر قلق خاص. لذا تقول الصحيفة إنه في حال قررت الحكومة الانتقالية تطبيق العدالة فإن كيفية تحقيق ذلك ما زالت غير واضحة.

ومع أن الاتفاق جلب بعض الاستقرار إلى السودان، تظل هناك العديد من الثغرات التي من المحتمل أن تعيق نجاح العملية الانتقالية. وترى الصحيفة أن اختيار العضو الـ11 في المجلس السيادي، وإجراء الانتخابات التشريعية خلال الأشهر الثلاثة المقبلة، إلى جانب تأسيس سلطة قضائية مستقلة وتنفيذ العدالة الانتقالية، من المؤشرات الرئيسية التي ستحدد مدى نجاح الاتفاق.

«فورين بوليسي»: كيف أصبحت دارفور صانعة ملوك السودان؟​

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد