كتب المصور والصحافي السوري المتخصص في الصراعات المسلحة هارون الأسود مقالًا نشره موقع «ميدل إيست آي» تحدث خلاله عن التأثير المحتمل لمقتل زعيم «تنظيم الدولة الإسلامية (داعش)» أبي بكر البغدادي على هيكلية التنظيم واحتمالية عودة بعض عناصره الهاربين إلى صفوف تنظيم «القاعدة».

في مستهل المقال، يشير الأسود إلى أن مقتل البغدادي وتعيين خليفة جديد له مجهول فعليًا قد يؤدي إلى سعي بعض المقاتلين الهاربين من التنظيم للعودة إلى صفوف الجماعات الموالية لتنظيم القاعدة.

وقُتل البغدادي الشهر الماضي خلال غارة للقوات الأمريكية الخاصة على مجمع يقع بالقرب من قرية بريشا في محافظة إدلب شمال غربي سوريا، حيث يبدو أنه كان مختبئًا في حماية تنظيم القاعدة.

ووفقًا لتقارير، فإن المبنى الذي قضى به البغدادي أشهره الأخيرة كان مملوكًا لأحد مهربي البشر ممن هم على صلات بجماعة «حراس الدين»، والتي تدين بالولاء لتنظيم «القاعدة».

وورد أن العديد من مقاتلي حراس الدين قُتلوا بعد إطلاق النار من طائرات هليكوبتر أمريكية على الأرض، رغم أن قائد العمليات في الغارة أخبر المراسلين الأسبوع الماضي أنه لا يُعتقد أنهم كانوا يعلمون أن البغدادي قريب منهم.

يقول الأسود إنه «رغم الكراهية والاختلافات الأيديولوجية، فقد ذُكِر سابقًا أن تنظيم (داعش) احتفظ ببعض الاتصالات مع حراس الدين، وفقًا لإيصالات حصلت عليها صحيفة «نيويورك تايمز» من الأراضي التي كانت تحت سيطرة (داعش) في عام 2018 والتي أشارت إلى أن مسؤولي (داعش) دفعوا 670 ألف دولار إلى عناصر في حراس الدين».

يوضح الأسود أن أحد هذه الإيصالات كشفت عن أن جماعة حراس الدين متورطة في تجهيز قواعد للمقاتلين الفارين من شرق دير الزور مما أثار تكهنات بأن الجماعة كانت مخترقة من قبل تنظيم (داعش)، لكن لا تزال هناك شكوك حول صحة هذه الإيصالات وأهميتها، وفقًا لسام هيلر، الخبير في شؤون الجماعات الإسلامية المسلحة بمجموعة الأزمات الدولية.

«نيويورك تايمز»: كيف تأكدت «الكوماندوز» الأمريكية من مقتل البغدادي رغم تفجر جسده؟

اختلافات عقائدية بين «داعش» وحراس الدين.. «ليست مهمة»

يضيف الأسود أن سام هيلر استشهد بتحليلات نشرها مع أيمن التميمي الباحث السوري ونقلته عنه صحيفة «نيويورك تايمز»، سلط الضوء على إشعار أرسلته جماعة حراس الدين إلى جميع عناصرها في فبراير (شباط) عام 2019 تحذرهم من الارتباط والتواصل مع عناصر تنظيم (داعش).

Embed from Getty Images

وأوضح التميمي أن معظم الوثائق التي حصلت عليها الصحيفة تبدو مزورة. وصرح هيلر لـ«ميدل إيست آي» بأن «هناك اختلافات عقائدية بين (داعش) وحراس الدين، لكنها ليست ذات أهمية كبيرة»، موضحًا أن تلك المجموعات لا تُعتبر كيانات متماسكة بمعنى أنها مؤلفة من أشخاص، لذا فربما يكون المقاتلون أقارب أو أصدقاء بينهم صلات بغض النظر عن الأفكار التي تتبناها المنظمة التي ينتمون إليها.

يضيف أيضًا أن محافظة إدلب تحتوي على نسبة كبيرة من النازحين السوريين، فضلًا عن المقاتلين الأجانب من الخارج الذين لا تربطهم صلات قوية بالسكان المحليين، لذلك هناك الكثير من الناس يرتبطون اسميًا بالمنظمات الإسلامية.

يشير الأسود إلى أن أيًا من حراس الدين أو هيئة تحرير الشام، التي تسيطر على غالبية إدلب وتضم عناصر كانوا موالين سابقًا للقاعدة، لم تصدر أي بيان رسمي أو تعليق بعد وفاة البغدادي.

كيف طُردت «داعش» من إدلب؟

تنافس تنظيم (داعش) والجماعات المرتبطة بالقاعدة على ولاءات المقاتلين المتشددين في سوريا منذ أن تخلت القاعدة رسميًا عن البغدادي وتنظيمه في أوائل العام 2014 بعد خلافات وقتال بين تنظيم (داعش) المتوسع بقوة وجبهة النصرة.

في ذلك الوقت، كانت جبهة النصرة هي الفرع الرسمي لتنظيم القاعدة في سوريا، لكنها كانت تقاتل إلى جانب الجيش السوري الحر ومجموعات المتمردين الأخرى ضد قوات الحكومة السورية تحت لواء جيش الفتح (تحالف جيش الفتح)، وبالتالي اكتسبت شعبية كبيرة.

بعد قتال عنيف، انسحب الجيش السوري وأحرار الشام، وهي جماعة إسلامية متمردة أخرى انضمت لاحقًا إلى جيش الفتح، من مدينة الرقة في شرق سوريا لصالح داعش، والذي انسحب في المقابل من قرى إدلب.

ومع ذلك، حاولت جماعة مسلحة تعرف باسم جند الأقصى فتح طريق لعناصر (داعش) المحاصرين في الرهجان، شرق مدينة حماة، إلى شرق إدلب ثم اندلعت اشتباكات دامية بين مقاتلي جند الأقصى وأحرار الشام.

في سلسلة من عمليات إعادة التنظيم لاحقًا، تخلت جبهة النصرة عن صلاتها الرسمية بتنظيم القاعدة وأعادت تسمية نفسها باسم جبهة فتح الشام، التي أصبحت بعد ذلك القوة الرئيسية في صفوف هيئة تحرير الشام، وهو تحالف أوسع للمقاتلين يسيطر حاليًا على معظم إدلب.

لكن جهود النصرة في ظل قيادة زعيمها السوري أبو محمد الجولاني للابتعاد عن تنظيم القاعدة، لم يقبلها جميع المقاتلين في صفوف التنظيم، ولا سيما العديد من مقاتليها الأجانب، وانشق البعض  من هؤلاء لتشكيل جماعة حراس الدين في عام 2017.

استمرت هيئة تحرير الشام في ملاحقة جماعة جند الأقصى، بسبب مخاوف من أن الأخيرة تأوي خلايا يشتبه في أنها تتبع لتنظيم (داعش)، مما أدى إلى اعتقال بعض قادتها وانهيار معقلها في بلدة سرمين في إدلب.

حراس الدين وأدوار الوساطة بين المقاتلين

حتى الآن، تجنبت جماعة حراس الدين الدخول في أي خلافات مدمرة مماثلة مع هيئة تحرير الشام، ويرجع ذلك جزئيًا إلى أن بعض قادتها هم شرعيون سابقون في هيئة تحرير الشام وبسبب العلاقات الأخوية المستمرة بين مقاتلي الجماعتين.

لكن حراس الدين لعبت أيضًا دور الوسيط بين هيئة تحرير الشام والجماعات المتشددة وعملت جنبًا إلى جنب مع العناصر السابقين بجماعة جند الأقصى الذين أعادوا تنظيم صفوفهم تحت مسمى جديد وهو أنصار التوحيد.

Embed from Getty Images

ويقود مقاتلو حراس الدين وأنصار التوحيد حاليًا غرفة عمليات مسؤولة عن صد الهجمات التي تشنها قوات الحكومة السورية وحلفائها على الخطوط الأمامية جنوب حلب وشمال محافظة اللاذقية.

لكن يُنظر إلى أن حراس الدين تفتقر إلى القادة أصحاب الكاريزما المحترمين لمضاهاة قادة هيئة تحرير الشام، والذين يكونوا قادرين على كسب ولاء المقاتلين القادمين من خارج إدلب، سواء أكانوا أجانب أم سوريين.

وأحد هذه الشخصيات هو الداعية السعودي عبدالله المحيسني والذي عمل سابقًا قاضيًا شرعيًا بتحالف جيش الفتح وانفصل أيضًا عن هيئة تحرير الشام أواخر العام 2017.

وفي رسالة صوتية نُشِرت لأنصاره، رحب المحيسني بمقتل البغدادي وقال إنه كان يتمنى لو أن السُنة هم من قتلوا زعيم تنظيم (داعش) واصفًا ليلة وفاة البغدادي بأنها عظيمة في تاريخ المسلمين حيث إن البغدادي قاد المسلمين السنة للضلال مستغلًا مشاعرهم تجاه أمجاد الإسلام.

وقال «إن فكرة الخوارج ستستمر، وسيأتي بعد البغدادي بغداديون كثُر بأسماء وألوان مختلفة يكفرون المسلمين ويستبيحون دماءهم ويفرقون صفهم، وسينخدع بهم شباب الإسلام».

«ذي أتلانتك»: ما لم تفهمه أمريكا أبدًا عن «داعش»

عودة مقاتلي «داعش» للقاعدة

ومع ذلك، فإن تعيين تنظيم (داعش) لزعيم غير معروف، يدعى أبو إبراهيم الهاشمي القرشي حسبما ذكرت وكالة أعماق التابعة للتنظيم، خلفًا للبغدادي قد أدى إلى تكهنات بأن بعض الموالين لتنظيم (داعش) الذين وصلوا إلى إدلب قد يفضلون تحويل ولائهم إلى جماعة حراس الدين.

مثل هذه الخطوة ستعني فعليًا العودة إلى وصاية القاعدة وستتطلب على الأرجح موافقة زعيم التنظيم أيمن الظواهري، الذي لم يصدر أي تعليق علني على مقتل البغدادي.

يقول سمير نشار القيادي البارز بالمعارضة السورية والمقيم في تركيا لموقع ميدل إيست آي «إننا قد نشهد في هذه المرحلة عودة بعض الأفراد من تنظيم (داعش) إلى القاعدة».

ويضيف أن الجماعات الإسلامية المتطرفة لا تعرف الوحدة أو الاندماج فتاريخها ملئ بالانشقاقات التي تزيد من خطر التطرف والانخراط في مجموعات جديدة.

ويردف أن الجماعات الإسلامية المتشددة ستستمر في الازدهار بإدلب وفي أماكن أخرى في الشرق الأوسط طالما أنها تواصل المطالبة بالدفاع عن المسلمين السنة المتأثرين بالصراعات في المنطقة.

يوضح نشار أيضًا أن الجماعات الجهادية تدعي أنها تدافع عن المسلمين السنة المضطهدين، لكن الأنظمة الاستبدادية تجني فوائد كبيرة من هذا من خلال الحصول على دعم المجتمع الدولي، ومن ناحية أخرى تستخدم بعض الدول هؤلاء الجهاديين لتحقيق مصالحها السياسية الخاصة.

الجيب الأخير.. هل يتكرر سيناريو الباغوز؟

يعتقد نشار أنه بعيدًا عن أي عمليات إعادة تنظيم قصيرة المدى نتيجة وفاة البغدادي، أن كلًا من المتشددين المرتبطين بتنظيم (داعش) والذين يعيدون تنظيم صفوفهم في إدلب، والمقاتلين المرتبطين بتنظيم القاعدة سيواجهون في نهاية المطاف الخيار نفسه الذي لجأ إليه المقاتلون في بلدة الباغوز على ضفاف نهر الفرات شرق سوريا في وقت سابق من العام الجاري.

إدلب هي الآن الجيب الأخير الخارج عن سيطرة الحكومة في سوريا، وبالإضافة إلى استمرار الغارات الجوية والهجمات البرية التي تشنها القوات السورية والروسية، فقد وجدت جماعتا حراس الدين وأنصار التوحيد نفسيهما أيضًا في مرمى نيران التحالف الدولي الذي تقوده الولايات المتحدة لمحاربة تنظيم داعش.

ففي أغسطس (آب) الماضي، قُتِل أكثر من 40 من مسلحًا تابعين لجماعة حراس الدين وجماعات أخرى بينها أنصار التوحيد وذلك في غارة جوية للتحالف على إدلب، وفي يونيو (حزيران) من العام نفسه قُتِل ثمانية من مقاتلي حراس الدين بينهم ستة قادة في هجوم صاروخي للتحالف.

وفي سبتمبر (أيلول) أيضًا، عرضت وزارة الخارجية الأمريكية مكافأة قدرها 15 مليون دولار لمن يدلي بأي معلومات تؤدي إلى مكان ثلاثة من كبار قادة حراس الدين هم: فاروق السوري، وأبو عبد الكريم المصري، وسامي العريدي.

يرى نشار أن مصير المقاتلين الأجانب في إدلب لن يكون مختلفًا عن مصير المقاتلين في الباغوز، وهو إما القتال حتى النهاية، أو الاعتقال، عدا قلة يمكنها التسلل إلى البلدان المحيطة.

«فورين أفيرز»: أزمة كبيرة تنتظر العراق.. ما هي؟

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد