كتب مدير مكتب صحيفة «واشنطن بوست» في القاهرة، سودارسان راجافان، تقريرًا حول سفينة محملة بالنفط تقف في البحر الأحمر منذ خمس سنوات رهينة للحرب الأهلية في اليمن، محذرًا من الدمار الذي قد ينتج من انفجارها أو تسريب النفط منها، بما يقضي على النظم البيئية ويدمر معاش الملايين في المنطقة. ويأتي هذا التحذير الذي أطلقه الخبراء بعد كارثة ميناء بيروت التي أودت بحياة الكثيرين وألحقت خسائر فادحة باقتصاد بلد يعاني بالفعل من أزمة اقتصادية.

يقول الكاتب في تقريره: إن السفينة الكبيرة مليئة بالمواد المتفجرة، وهي متوقفة في المياه منذ سنوات، وعلى الرغم من أن الخبراء دقُّوا جرس الإنذار مرارًا وتكرارًا، محذرين من كارثة كبيرة لكن يمكن منعها، لم تجد التحذيرات آذانًا مصغية.

ويبدو هذا وكأنه مقدمة لانفجار ميناء بيروت القاتل الأسبوع الماضي، الذي وصفه التقرير بأنه أسوأ كارثة شهدتها لبنان منذ عقود. والاستثناء أن هذا السيناريو تجري فصوله قبالة الساحل الغربي لليمن، مما يهدد بحدوث أسوأ تسرب نفطي على الإطلاق في العالم وأضرار بيئية تستعصي على الوصف.

انفجار بيروت يثير مخاوف من تكرار الكارثة

ويوضح الكاتب أن الدمار والوفيات في بيروت أثار مخاوف بشأن كارثة مماثلة قد تحدث في اليمن، وما يترتب عليها من عواقب وخيمة محتملة على أفقر دولة في العالم العربي، تتخبط في شرك حرب أهلية وأزمة إنسانية حادة.

ويذكر التقرير أنه منذ عام 2015م، عندما احتدم الصراع في اليمن، تقف ناقلة النفط «إف إس أو سيفر» FSO Safer في البحر الأحمر، حيث تتآكل بفعل الصدأ وعلى متنها ما يقرب من 1.1 مليون برميل من النفط.

وتقول الأمم المتحدة إن حالة السفينة تتدهور يومًا بعد يوم، مما يزيد من فرص حدوث تسرب للنفط إذا ما حدث صدع في أي من خزاناتها. ووفقًا لتقارير الأمم المتحدة، تتسرب مياه البحر بالفعل إلى السفينة.

أربعة أضعاف تسريب كارثة أكسون فالديز

ويحذر الكاتب من أنه إذا ما وقعت الكارثة، يمكن أن تطلق الناقلة اليمنية أربعة أضعاف كمية النفط الخام الذي تسرب في كارثة إكسون فالديز عام 1989. وهذا من شأنه أن يضر بالحياة البحرية، ويعطل ممرات الشحن الحيوية في البحر الأحمر، ويقوض الاقتصادات الإقليمية.

وناقلة النفط «سيفر» هي أيضًا قنبلة محتملة. ومثل المخزونات الكبيرة من نترات الأمونيوم المتفجرة التي جلبتها سفينة روسية إلى بيروت ثم خزنت في وقت لاحق في مستودع في الميناء، يمكن أن يمثل النفط المخزن في الناقلة لسنوات، بدون تهوية، تهديدًا كبيرًا بالانفجار، وفقًا لما يذكره الخبراء.

ناقلة نفط يمنية مهجورة تجدد المخاوف من حدوث انفجار كارثي آخر

صورة لناقلة النفط أف إس أو سيفر عبر من خلال أحد الأقمار الصناعية FSO Safer

وقال إيان رالبي، الرئيس التنفيذي لشركة آي آر كونيسيلوم، وهي شركة استشارات في مجال الأمن البحري، كتبت الكثير من التقارير عن الناقلة «سيفر»: «التحذيرات بشأن نترات الأمونيوم في بيروت ظلت أمرًا غامضًا بالنسبة للناس. لم يكونوا على دراية بما سيبدو عليه هذا النوع من الانفجار، أو كيف سيكون، ولم يدركوا العواقب الهائلة للتقاعس عن العمل والرضا عن الذات». ويضيف: «هذا مشابه جدًّا لما يحدث مع الناقلة سيفر».

وحذَّر وزير الإعلام اليمني معمر الإرياني يوم الخميس من «كارثة إنسانية واقتصادية وبيئية» في حال غرق «سيفر» أو انفجارها. وقال الإرياني لوكالة الأنباء اليمنية الحكومية سبأ: إن «الانفجار الضخم في ميناء بيروت وما تلاه من خسائر بشرية جسيمة وأضرار كارثية للاقتصاد والبيئة في لبنان يذكرنا بالقنبلة الموقوتة المتمثلة في سيفر».

تقييم الأمم المتحدة لحالة الناقلة

على مدار سنوات، كانت الأمم المتحدة تحاول إجراء تقييم فني لحالة الناقلة وإجراء إصلاحات خفيفة، وهي خطوة أولى لتفريغ النفط وسحب السفينة إلى مكان آمن للتفتيش والتفكيك في نهاية المطاف. لكن السفينة، التي تقف على بعد حوالي 37 ميلًا شمالي غرب مدينة الحديدة الساحلية اليمنية، راسية في المياه بالقرب من المناطق التي يسيطر عليها المتمردون الحوثيون.

وما تزال الأمم المتحدة حتى اليوم تنتظر الإذن من المتمردين لزيارة السفينة. وفي الشهر الماضي أخبر مارك لوكوك، أكبر مسؤول معني بالشؤون الإنسانية في الأمم المتحدة، مجلس الأمن بأن الحوثيين وافقوا أخيرًا على السماح لبعثة تابعة للأمم المتحدة بتفتيش السفينة. لكن لوكوك أشار أيضًا إلى أن المتمردين منحوا الإذن في أغسطس (آب) 2019 بتفتيش السفينة ثم ألغوا المهمة في الليلة التي سبقت موعد تنفيذها.

الحوثيون يحاولون الاستفادة من النفط

ووفقًا لما يقوله رالبي ونشطاء حقوق الإنسان، يسعى الحوثيون لبيع النفط الموجود على متن السفينة «سيفر»، والذي تقدر قيمته بما يصل إلى 40 مليون دولار، على الرغم من أن رالبي ومحللين آخرين يقولون إن قيمة الشحنة أقل بكثير الآن، بسبب وباء فيروس كورونا والفائض العالمي من النفط الخام وبقاء الشحنة خمس سنوات في خزانات متآكلة.

وبدلًا من ذلك، يأمل المتمردون في استخدام النفط أداة مساومة ضد الحكومة اليمنية المعترف بها دوليًّا والمانح الرئيسي لهم، وهو تحالف تقوده السعودية تدعمه الولايات المتحدة ويقاتل الحوثيين منذ أكثر من خمس سنوات.

ويلفت نشطاء إلى أن هذا هو الموضع الذي تنتهي فيه أي أوجه تشابه بين بيروت واليمن. وقال جيري سيمبسون، المدير المشارك للأزمات والنزاع في منظمة «هيومن رايتس ووتش»: «في حالة الحوثيين، فإنهم يضعون حياة 30 مليون شخص وسبل عيشهم ورفاهيتهم موضع المخاطرة لأسباب استراتيجية وعسكرية وسياسية. في حالة سلطات بيروت، يبدو الأمر وكأنه إهمال محض».

وأضاف أن «الحوثيين ليس لديهم أي اهتمام على الإطلاق بالتخلي عن المزايا الاستراتيجية في حربهم ضد السعوديين. والناقلة هي أداة تفاوض للوصول إلى نتائجهم الاستراتيجية».

ونفى أمين الشرفي، المتحدث باسم وزارة النفط التي يسيطر عليها الحوثيون في العاصمة اليمنية صنعاء، هذه المزاعم وألقى باللوم على الأمم المتحدة والتحالف في تأخير إجراء تقييم للناقلة. وقال الشرفي: «لا يوجد أي ممانعة من جانبنا لصيانة أي ضرر بالناقلة ومعالجته».

الكارثة البيئية تقترب

بنيت «سيفر» ناقلة نفط عملاقة في منتصف السبعينيات في اليابان، وهي مملوكة رسميًّا للحكومة اليمنية، ولم تجر لها أي صيانة منذ عام 2015م، عندما طرد الحوثيون الشيعة المتحالفون مع إيران الحكومةَ من العاصمة. وفي مايو (أيار)، حصل تسرب لمياه البحر إلى غرفة المحرك، وهو ما قال عنه لوكوك إنه «جعلنا أقرب من أي وقت مضى إلى كارثة بيئية».

وفي الشهر الماضي، أعربت كل من الحكومة البريطانية وكبار مسؤولي الأمم المتحدة عن مخاوفهم لمجلس الأمن التابع للأمم المتحدة.

وقال إنجر أندرسن المدير التنفيذي لبرنامج الأمم المتحدة للبيئة: «إذا خرج الوضع عن السيطرة، فسيؤثر تأثيرًا مباشرًا في ملايين الأشخاص في بلد يعاني بالفعل من أكبر حالة طوارئ إنسانية في العالم. وسوف يدمر أنظمة بيئية بأكملها لعقود من الزمان وسيتجاوز الحدود».

ومن المؤكد أنه سيؤثر في حياة 28 مليون يمني على الأقل، يعانون بالفعل من الجوع والمرض وانتشار فيروس كورونا، بحسب التقرير. وأضاف رالبي أن الكثيرين يعتمدون على موارد البحر الأحمر لكسب معاشهم، ومن شأن التسرب النفطي الهائل أن يدمر «فرص صيد الأسماك والتنمية الساحلية على مدار أجيال».

ما زال بالإمكان منع الكارثة لو تحركنا بسرعة

توصلت دراسة أجريت بتكليف من الأمم المتحدة إلى أن تسرب النفط يمكن أن يضر بمصايد الأسماك على طول ساحل البحر الأحمر في اليمن، ويؤدي إلى زيادة حادة في أسعار الوقود والغذاء، ويسبب خسائر في المحاصيل، ويلوث الآلاف من آبار المياه. كما سيدمر النظم البيئية في البحر الأحمر، وهو مجال تنوع بيولوجي مهم. وسيقتل مئات الأنواع من الثدييات البحرية والسلاحف البحرية والطيور البحرية، بالإضافة إلى تدمير الشعاب المرجانية البكر.

وقال أندرسن: «في هذه الصورة القاتمة، هناك نقطة مضيئة واحدة وهي أن هذه الكارثة يمكن تفاديها تمامًا، إذا ما تصرفنا بسرعة».

عربي

منذ شهرين
تجربة حفتر تتكرر في اليمن.. ماذا لو سيطر الحوثيون على النفط؟

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد