أقرت عديد من الحكومات خطة التعايش مع فيروس كورونا المُستجد، وأعلنت استئناف ممارسة الحياة الطبيعية ولو جزئيًّا، وفي ظل تلك الإجراءات نشرت صحيفة «نيويورك تايمز» مقالًا للكاتبة بيري كلاس، الحاصلة على درجة الدكتوراه في الطب، تناولت فيه ضرورة تقييم الآباء لحجم المخاطر المصاحبة لهذا الوضع الجديد، وأهمية النظر في ما يقوله الخبراء في هذا الشأن، واتخاذ القرارات التي تناسبهم، كما هو الحال دائمًا، بناءً على مستوى ارتياحهم لهذه الآراء.

أسئلة صعبة وإجابات أصعب

تستهل الكاتبة مقالها قائلة: نظرًا إلى أن بعض أجزاء البلاد بدأت «تنفتح»، وتغامر الأسر بمغادرة منازلها، يتعين على الآباء اتخاذ قرارات صعبة بشأن ما يمكن للأطفال فعله. ونظرًا إلى أنه لا توجد إرشادات رسمية، سألتُ أطباء الأطفال الأذكياء وذوي الخبرة من جميع أنحاء البلاد عن الأسئلة التي يتلقونها من الآباء في هذا الصدد، وكيف يجيبون عنها. وهنا يجب أن ننبه ونلفت انتباهكم إلى أنه: لا توجد إجابات سهلة.

قالت رئيس الأكاديمية الأمريكية لطب الأطفال، وطبيبة الأطفال المتخصصة في الرعاية الخاصة في مدينة فايتيفيل، بولاية جورجيا، الدكتورة سالي جوزا: «أتلقى أسئلة كل يوم في مكتبي عن: ماذا نفعل، لا يمكننا البقاء في المنزل إلى الأبد، نحتاج إلى بعض الأنشطة». وتضيف: «أحاول أن أشرح للآباء والأمهات، أن هذا الفيروس لم يختفِ، وما يزال موجودًا، ولذلك يجب أن نكون أذكياء في طريقة تعاملنا مع الآخرين».

وتتابع: على الرغم من «حداثة» الفيروس، فإن هذه المعضلات ليست جديدة تمامًا، وهذا ما يفعله الآباء: تقييم المخاطر، والنظر في ما يقوله الخبراء، وبناء تصور عن أين يكمن مستوى ارتياحك، ثم اتخاذ القرارات التي تؤثر في صحة وأمان من تقرُّ عينك بهم.

إن اتخاذ هذه القرارات سيتطلب اختيار عائلات أخرى تشعر أن بمقدورك الوثوق بها. وفي هذا الصدد، قال مدير معمل السياسات في مستشفى فيلادلفيا للأطفال، الدكتور ديفيد روبين: «يجب انتقاء العائلات التي تتحلى بمستوى مماثل من الاهتمام بتفادي المخاطر».

Embed from Getty Images

وقالت أستاذة طب الأطفال المشارك في كلية إيموري للطب، والمديرة الطبية للرعاية الأولية في مستشفى هيوز سبالدينج في أتلانتا، الدكتورة تيري ماكفادن: «يتساءل الناس بتحفظ شديد كيف يتصرفون كمن يتحسس حرارة الماء بأصابع قدميه ويحاولون إعادة الانخراط في الحياة خارج منازلهم». وتعقب على ذلك قائلة: «أتفهم ذلك خاصة بالنسبة للمراهقين؛ لأنهم يشعرون بأنهم لا يقهرون، ولا يشعرون بأنهم عرضة لأي خطر على الإطلاق، ولذلك يتلهفون للخروج والتفاعل مع أقرانهم».

ومع ذلك، قالت د. تيري في رسالة عبر البريد الإلكتروني: «أحذر العائلات بتوخي الحذر الشديد بشأن تعريض أطفالهم أو أنفسهم للإصابة بمرض كورونا المُستجد؛ إذ ما زالت معدلات الإصابة عالية. وينطبق هذا خاصة على المجموعات عالية الخطورة التي تأثرت بالفيروس بصور متفاوتة، وهو حال كثير من مرضاي: الأمريكيون من أصل أفريقي، ومن أصل إسباني، وعائلات تعاني من ظروف موجودة مسبقًا، أو مقدمي رعاية لكبار السن».

تواصل الآباء مع الآخرين ينقذ الأبناء

تقول الكاتبة: إذا كنت تفكر في تحديد موعد للعب، آخذًا في الاعتبار كل هذه المخاطر، فستحتاج إلى تواصل جيد مع الآباء الآخرين. قال أستاذ طب الأطفال المشارك في كلية الطب والصحة العامة بجامعة ويسكونسن، دكتور ديبيش نافساريا: «البداية ستكون على النحو التالي: مرحبًا، أطفالنا يسألون عن الاجتماع سويًّا، وكما تعلمون، هذه نقطة حوار معقدة في الوقت الحالي». ويمكن لأحد الوالدين المتابعة قائلًا: «أردت أن أبدأ بمحادثة مفتوحة، للتعرف إلى مكانكم، وإخباركم بمكاني، ومعرفة ما إذا كان من الممكن إرسال رسالة متسقة (مع هذا المضمون) إلى أطفالنا».

وبعد ذلك يمكنك بسط التفاصيل: هل اللقاء سيكون في داخل المنزل، أم في الخارج، ومدة التواصل، والكمامات، والطعام، والشراب، وإشراف الوالدين للتأكد من مراعاة القواعد. ويضيف دكتور نافساريا: «إنني أقل قلقًا بشأن التزام أحد الوالدين أو إحدى المنشآت التجارية بتطبيق جميع القواعد على النحو الصحيح، لأننا لا نعرف ما المقصود بالضبط بـ«النحو الصحيح»، لكنني أكثر قلقًا حيال أن تكون تلك القواعد مدروسة عن قصد».

وقال: إن الأمر ليس مختلفًا جدًّا عن المحادثات التي ينصح بها أطباء الأطفال الآباء لإجراء محادثات مع الآباء الآخرين حول ما إذا كانت هناك أسلحة نارية غير مؤمَّنة في المنزل، أو ما إذا كان حمام السباحة مُسَورًا ومغلقًا بالكامل؛ إنها في الأساس محادثة حول ما إذا كنت تشعر أن طفلك بأمان في منزل شخص آخر، وفي رعاية شخص آخر؟

Embed from Getty Images

تضيف الكاتبة: لا تضع الأمر في إطار أن الوالد الأكثر تقيدًا (بالقواعد) هو الشخص السيئ، وحاول إجراء محادثة صادقة تحترم الاختلافات في الرأي. وتذكر أن الآباء الآخرين قد يكون لديهم أسباب لا تعرفها تستدعي التحلي بمزيد من الحذر من الإصابة بعدوى محتملة. وهذا ما يعنيه تقديم رسالة متسقة للطفل: أن الأمر يتعلق بالحفاظ على أمان الجميع، ويعني ذلك أحيانًا الانتظار (حتى وصول الرد) لفترة أطول قليلًا. وحال كان هناك موعد للعب في ظل قيود محددة، تأكد من أن الطفل يفهم ما هذه القيود، وحاول تدريبه على الأنشطة المحتملة.

فلنعامل بعضنا بعضًا بحذر ولكن بلطف

تنبه الكاتبة إلى أن العائلات يجب ألا تشعر بالضغط لتغيير قواعدها، حتى لو كانوا يعيشون في مناطق تطبِّق عملية الفتح (الكامل للأنشطة الطبيعية). وإذا كان هناك شخص بالغ ضعيف (عرضة للخطر) – أو طفل – في المنزل، فقد يرغبون في أن يكونوا أكثر صرامة، وليس أقل صرامة، في وقت يخفف الآخرون من قيودهم. فليس كل الأطفال – أو المراهقين – يسعون بالضرورة نحو الاتصال الاجتماعي الشخصي. نحن بحاجة إلى أن نعطي بعضنا مزيدًا من الوقت، ونعامل بعضنا بعضًا بلطف.

وفي هذا الصدد، قالت دكتورة سالي جوزا: خذوا الأمر خطوة بخطوة. ابدأوا بجهات الاتصال المختارة بعناية، ولا تقفزوا مباشرة إلى التجمعات الكبيرة. وتضيف: «أمضيتم كل هذا الوقت في محاولة الانعزال والحفاظ على التباعد الجسدي. وبالتأكيد لا ترغبون في الانطلاق فجأة ونسف كل شيء». وقالت إن الآباء الذين تحدثت إليهم كانوا واعين للغاية، ويخططون لإجراء مقابلات اجتماعية مع الجيران في الهواء الطلق حيث يجتمعون للشواء.

ونصحت دكتورة سالي الآباء أن يشجعوا الأطفال على قضاء وقتهم معهم في الخارج، وعلى ارتداء الكمامات، وغسل أيديهم بانتظام. وقالت إن حمامات السباحة ربما تكون آمنة نسبيًّا، وفقًا لما يعتقده الأطباء حاليًا بشأن انتقال الفيروس، ولكن الإشراف مهم، وذلك للحفاظ على سلامة المياه ولمحاولة منع الأطفال من التقارب الشديد أثناء السباحة.

وطرحت الدكتورة سالي هذا التساؤل: ماذا يحدث لو اختلفت العائلة والأصدقاء؟ وأجابت: «أقول، إذا لم يرتدوا كمامات، فسأحاول ألا أكون في مكان مغلق». وتابعت «ارتدِ كمامة لنفسك، وقل للآخر: أحترم رأيك، ولكننا نشعر بأننا نريد أن نحافظ على قدر من المسافة بيننا».

Embed from Getty Images

فرص واعدة لحياة آمنة

ولتقليل المخاطر، فإن النصيحة رقم واحد لكل شخص هي أنه إذا كان سيجري تواصلًا اجتماعيًّا، فليجعله في الهواء الطلق قدر الإمكان. وليجعل الفترات الزمنية محدودة؛ ربما جلسة قصيرة بالخارج بعد الظهر، بدلًا من حفلات المساء أو المبيت مع الأصدقاء. شجع على غسل اليدين، وأعطِ للأطفال مطهرًا لليدين، وأوضح لهم مسبقًا ضرورة ارتداء الكمامات. وإذا كانوا سيتناولون وجبة معًا، وهو ما يعني رفع الكمامات، فيجب أن يجلس الأطفال بعيدين بعضهم من بعض بما يكفي.

ولكن إذا قررت أنك على استعداد للتخفيف من عزلِك، فلا تتوقع المستحيل.

وفي هذا الصدد، حذر الدكتور نافساريا الآباء من «ألا يتوقعوا أن ينظف الأطفال أياديهم بنسبة 100%، ويستخدموا الكمامة بطريقة صحيحة، لأن الأطفال ببساطة أطفال». وقال الدكتور روبين: «إنها لحظة جيدة لتعليم الأطفال المسؤولية الفردية».

ويشمل هذا مطالبة الأطفال الأكبر سنًّا بأن يكونوا صادقين إذا خففوا التزامهم بالقواعد، وهو ما قد يعني، كما قال، أن الآباء سيرغبون في ممارسة بعض التباعد الجسدي في المنزل من ناحية المراهقين الذين يعرضون أنفسهم للمخاطر.

ويضيف: وبالنسبة للمراهقين، من المهم مراجعة مواقف أسرتك بشأن تعاطي الكحول والمواد المخدرة الأخرى، وكيف يمكن أن تؤثر في الحكم، وعليك التحدث بصراحة عن الجنس في سياق التباعد الجسدي.

وقالت الدكتورة سالي: تحدث مع أطفالك حول سبب أهمية كل هذه الأمور. «امنحهم العلم حتى يتمكنوا من فهم سبب أهمية حمايتهم، وحماية أصدقائهم، وحماية آبائهم وأجدادهم، وآباء أصدقائهم وأجدادهم».

وقال الدكتور نافساريا: «لا يعني وقوع أي هفوة في نشاط الحماية الذاتية أن الأسوأ سيحدث بالضرورة». وتابع «نحن بحاجة إلى التدريس وإعادة التوجيه والإرشاد بلطف وتعاطف، بما في ذلك أطفالنا، لأن الجميع يبذلون قصارى جهدهم».

Embed from Getty Images

كما يساور أطباء الأطفال القلق من أنه مع سعي الأطفال للتمتع بالترفيه الصيفي، من دون الإشراف عليهم في مخيمات أو برامج رسمية، قد يكون هناك خطر أكبر لوقوع إصابات، بما في ذلك الحوادث المتعلقة بالدراجات، وحوادث اللعب على الترامبولين، ثم على وجه الخصوص حوادث الغرق. والحقيقة، أنه لا توجد أنشطة خالية تمامًا من المخاطر، ولكن اتخاذ الاحتياطات (كارتداء خوذات الدراجات، والبوابات المغلقة حول حمامات السباحة، والإشراف المناسب على البالغين) والتحاور مع أطفالك يمكن أن يجعل الجميع أكثر أمانًا.

يردف الكاتبان: وهكذا فإننا جميعًا، آباء وأطباء أطفال، نحاول الحفاظ على سلامة الأطفال قدر الإمكان، مع السماح لهم باتخاذ بعض الخطوات للانطلاق نحو العالم.

وختم المقال بقول الدكتورة سالي: «سيكون الصيف مختلفًا». وتابعت «نحتاج فقط أن نكون طيبين معًا. سيكون لدى الناس أفكار مختلفة، وعلينا أن نحاول مراعاة ما يعتقده الآخرون، مع العلم أننا يجب أن نفعل ما هو مناسب لعائلاتنا».

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد