قبل أيام قليلة من إعلان أحمد شفيق عن ترشحه الذي لم يدم طويلًا لانتخابات الرئاسة المصرية، عُقد اجتماع في القاهرة لتحديد من يتعين عليه أن يرأس حملة جدية للإطاحة بالرئيس الحالي عبد الفتاح السيسي.

ونقل الصحافي البريطاني ديفيد هيرست، في عموده المخصص في موقع «ميدل إيست آي» البريطاني، عن مصادر خاصة أن عددًا من كبار جنرالات الجيش السابقين وشخصيات من المجتمع المدني قد حضروا الاجتماع، بمن فيهم سامي عنان، رئيس الأركان السابق. وحضر أيضًا مجدي حتاتة، الذي كان ممن شغلوا منصب رئيس الأركان قبل عنان، وأسامة عسكر، قائد الجيش الميداني الثالث السابق. وفيما يلي ترجمة كاملة لتقرير هيرست:

دارت مناقشات في الاجتماع في البداية حول دعم مرشح مدني، لكن لم يتم الاتفاق على دعم أي من المرشحين. واتفقوا بعد ذلك على دعم شفيق. وظل عنان صامتًا. عندما تبددت الآمال في ترشح شفيق (تم تهديده وابنته باتهامات فساد) حولت المجموعة التي حضرت الاجتماع دعمها إلى عنان.

قصة «الفريق» و«المشير» لم تبدأ الآن.. ما لا تعرفه عن الصراع بين عنان والسيسي

جمع عنان بسرعة مجموعة واسعة من المؤيدين. ومن بينهم العشيرة السياسية والتجارية من الدائرة التي تحيط بالرئيس السابق حسني مبارك وابنه جمال وشخصيات من المعارضة المصرية.

توترت أعصاب السيسي بعد سلسلة من المحادثات المسربة، والتي ربط بين تسريبها وبين معارضيه داخل المخابرات العامة المصرية، الجهاز المنافس للمخابرات العسكرية والجهاز الوحيد الذي يحظى بقوة للتنصت على الهواتف المحمولة الخاصة بدائرة الرئيس المقربة. وافترض معسكر السيسي بشكل صحيح أن المعارضين داخل دائرة المخابرات العامة، الذين كانوا يبذلون قصارى جهدهم لتقويض السيسي، سيدعمون عنان.

أسلحة عنان

بدأ عنان حملته يوم الأحد الماضي بكامل أسلحته. أطلق صاروخًا على رئاسة السيسي. لم تقتصر الرسائل على ما ذكره فقط، ولكن من الذين تجمعوا من حوله أيضًا. وكان أحد كبار مستشاريه الرئيسين هشام جنينة، الذي زعم في عام 2016 أن الفساد الحكومي كلف الدولة 76 مليار دولار – أي ما يعادل تقريبًا المبلغ الذي تلقاه السيسي من ثلاث دول خليجية منذ انقلابه في عام 2013 – وكان المتحدث باسمه هو حازم حسني، أستاذ العلوم السياسية، الذي تتشكل خبراته في «التمكين السياسي والاقتصادي».

الفريق سامي عنان رئيس أركان الجيش المصري السابق-مصدر الصورة: وكالة الأنباء الفرنسية

ولكن ما قاله عنان كان تحديًا بما فيه الكفاية. قال: «إن أكبر إخفاقات لمصر كانت في ملفي المياه والأرض»، الأولى كانت إشارة إلى النزاع المتزايد مع إثيوبيا والسودان حول سد النهضة الإثيوبي الكبير بالقرب من أسوسا، الذي يهدد بانخفاض مستويات المياه في النيل، والثاني كان إشارة إلى القرار المثير للجدل بمنح السعودية جزيرتي تيران وصنافير الواقعتين على البحر الأحمر.

دعا عنان إلى الانفتاح السياسي، الذي يمكن تفسيره بالإفراج عن عشرات الآلاف من السجناء السياسيين الذين ألقى بهم السيسي في سجونه. وكرر عنان ما ذكره شفيق بشأن الدور الحيوي للجيش المصري، ولكنه ذكر أنه يجب أن يتراجع عن الموقف الذي يشغله الآن في كل من السياسة والاقتصاد.

بعد إقصاء عنان.. كيف ضغط النظام المصري لعدم انسحاب خالد علي؟

وقد طلب من حسني، المتحدث باسم عنان، مرارًا أن ينكر الادعاءات بأن عنان قد ترشح بدعم من جماعة الإخوان المسلمين المحظورة. وأجاب بقوله: «لا يزعجنا إطلاقًا أن يدلي أي مصري بصوته الانتخابي لأي مرشح أيا كان. الأصوات التي توضع في الصندوق، ليس مكتوبًا عليها إخوان».

وكرر حسني الادعاء بأن هناك «الكثير من الظلم قد وقع على الأشخاص الذين وضعوا في السجون». دخل عنان المعركة بعينين مفتوحتين. وتوقع حسني أنها ستكون معركة «كسر عظام»، دون أن يتصور المرء أنه سيتوقع أن يتم سحق حملة عنان بهذه الصورة.

وقال السيسي إنه «لن يسمح للفاسدين بالاقتراب من الرئاسة». وقد اعتقلت قيادة الجيش عنان يوم الثلاثاء بتهم تتعلق بـ«التحريض». وزعم متحدث باسم الجيش أن عنان زور وثائق رسمية ذكرت أن خدمته العسكرية قد انتهت، وأنه سيحاكم أمام محكمة عسكرية لـ«انتهاك قوانين الخدمة العسكرية». وقال محمود رفعت، المحامي والمتحدث باسم حملة عنان الرئاسية، لـ«ميدل إيست آي» إنه يعتقد أن حياة عنان مهددة.

انقسام الجيش

استمرت حملة عنان لثلاثة أيام. ولكن بالرغم من كل ما يحدث من الآن فصاعدًا، والرهان على أن السيسي سوف يطبق القوة بقدر ما يحتاج لسحق المعارضة والفوز بولاية رئاسية ثانية، فإن أدوار شفيق وعنان في هذه الدراما سيكون لها تأثير ممتد.

جلب كل من عنان وشفيق الانقسام إلى الجيش المصري من الكواليس إلى مركز الصدارة، ومن الظلام إلى الأضواء. الجيش المصري، الدولة داخل الدولة، الأخطبوط الذي تمتد أذرعه في كل مجال من مجالات اقتصاد البلاد وحياتها السياسية، يشهد انقسامًا علنيًا. ذهب ميزان القوى الذي دعم انقلابه في عام 2013 وترشيح السيسي بعد عام.

قبيل اعتقال عنان بساعات.. مدير حملته لـ«ساسة بوست»: الجيش منحاز للسيسي وعنان ليس مدانًا أمام النيابة العسكرية

ولا يوجد الآن سوى السيسي، الذي يتمتع بقوة الاستخبارات العسكرية المطلقة، وقائمة متزايدة من ضحاياه، والتي تضم الآن جنرالات عسكريين سابقين. المعارضة الأصلية، من الإسلاميين والعلمانيين، التي كانت في ميدان التحرير، لم تكن بذات القوة مقارنة بقوة هؤلاء الجنرالات الذين تم منعهم من الترشح.

يجب على السيسي أن يقرأ تاريخ العائلات الخمس – عشائر المافيا التي أدارت مدينة نيويورك – أن يفهم أن ما فعله للتو للفصائل المتنافسة في الجيش ليس وصفة لحياة طويلة وسلمية، حتى بعد التقاعد.

أصول متواضعة

لفهم هذا، دعونا نعُد بضع سنوات عندما كان السيسي ضابطًا عسكريًا غير معروف، حريصًا على إقناع رؤسائه. بعد الانقلاب في عام 2013 أجرى السيسي مقابلة طويلة مع الصحافي المصري ياسر رزق، بحضور مدير مكتبه عباس كامل. تم تسجيل المقابلة، وتسربت مقتطفات منها منذ ذلك الحين.

خلال المقابلة، حكى السيسي كيف تم تقديمه للدون، أقوى رجل في الجيش، القائد العام للقوات المسلحة المصرية ورئيس المجلس الأعلى للقوات المسلحة، محمد حسين طنطاوي.

يظهر الرسم السابق مرشحي الرئاسة المحتملين، ومن بينهم الرئيس الحالي عبد الفتاح السيسي الذي تقدم بأوراق ترشيحه أمس، والفريق سامي عنان والفريق أحمد شفيق الذي أعلن انسحابه، والمحامي خالد علي الذي أعلن انسحابه من السباق الرئاسي منذ ساعات، ومحمد أنور السادات الذي أعلن هو الآخر انسحابه قبل أيام.

وقال السيسي للصحافي: «عندما قدمني عباس (إليه) قال هذا هو ابني وهو قطعة مني … تلك الليلة كنا في اجتماع المجلس الأعلى في قصر الاتحادية (القصر الرئاسي). المشير طنطاوي رجل متحفظ للغاية… وحين وجدته يقول لي: تعال اركب معي في السيارة، أنا أحتاجك، لم يكن هذا أمرًا مسبوقًا. فقلت له: نعم، يا سيدي، وعندما مضينا في طريقنا، سألته: أين نحن ذاهبون يا سيدي؟ قال لي: نحن ذاهبون إلى الاستراحة. ولم يكن هذا أيضًا أمرًا مسبوقًا».

تكشف المقابلة عن دور كامل في توجيه السيسي وتصحيح إجاباته وتوجيه الصحافي حول كيفية إجراء المقابلة. سئل السيسي من هو مثله الأعلى. «ما هي الشخصية التي أثرت عليك كقدوة عسكرية كبيرة، سواء في العالم أم داخل مصر؟» وتردد السيسي في الإجابة، لكن عباس أجاب عنه بقوله: «هتلر».

من داخل الدولة.. 6 أوراق يعتمد عليها عنان كي يصل إلى القصر الجمهوري

هل كان السيسي يحمل في نفسه رهبة لطنطاوي؟ وفقًا لمصطفى بكري، مذيع تليفزيوني، المقرب من طنطاوي وكتب عدة كتب عن الجيش، وكتابًا عن السيسي، كان السيسي اختيار طنطاوي. ويدعي بكري أن طنطاوي اختار السيسي باعتباره ابنًا له. غير أن بكري غير نسخته من الأحداث عدة مرات لتتناسب مع المزاج السائد.

في ذلك الوقت، وصف مساعدو الرئيس محمد مرسي آنذاك مشهدًا في القصر الرئاسي عندما تم إقالة طنطاوي، وزير الدفاع آنذاك، بعد هجوم على القوات المصرية في سيناء. كان السيسي في غرفة أخرى، وعندما جاء دوره ليتم تعيينه وزيرًا للدفاع اهتزت يده.

عودة طنطاوي؟

تضع الحكاية مرسي في موقف الملك، وطنطاوي في موقف الضحية المهانة، على الرغم من أننا نعرف الآن كيف كانت هذه الرواية خاطئة. وعلى أية حال، أيد طنطاوي رئاسة السيسي في عام 2014، إلى الحد الذي منع فيه عنان من الترشح. ونعلم أيضًا أن طنطاوي والسيسي قد تراجعت علاقتهما بعد عامين.

في نوفمبر (تشرين الثاني) 2016، وفي مشهد فاجأ الجميع، ظهر طنطاوي في ميدان التحرير، مهد الثورة المصرية في عام 2011، وأدار مؤتمرًا صحافيًا مرتجلًا مع مجموعة من المؤيدين. وقال: «إن سجناء الإخوان المسلمين لن يعدموا».

الرئيس السابق محمد مرسي والمشير حسين طنطاوي والفريق سامي عنان – قصر الاتحادية – مصدر الصورة: وكالة الأنباء الفرنسية

استبعد طنطاوي آنذاك فرص عنان في الترشح، واقترح في الوقت نفسه أنه، أي طنطاوي، عراب الجيش والأب الروحي للأمة، سيكون حاضرًا لينقذ الشعب. وقال طنطاوي للصحافيين: إن «سامي عنان موجود في منزله.. كبر خلاص»، ثم أضاف: «متخافوش ربنا كريم ومش هيسيبكم». وهتف مؤيدو طنطاوي: «الشرطة والجيش والشعب إيد واحدة، تحيا مصر ويسقط الخونة».

لم يرض هذا الأداء القصر الرئاسي، وأمر السيسي شبكة مذيعي التلفزيون التي تخضع لإدارة عباس كامل بشن هجوم. كان ذلك قبل عامين. وكان السيسي قد أجرى ثلاثة تعديلات داخل الجيش، بينما كان لا يزال وزيرًا الدفاع. تمت إقالة ناصر العاصي من رئاسة الجيش الثاني، وعسكر من رئاسة الجيش الثالث.

«نيويورك تايمز»: هكذا أصبح الثلاثاء يوم الإعدام في مصر

ولا يزال وزير الدفاع الحالي صدقي صبحي في منصبه، ويضمن له الدستور البقاء، وهو البند الذي وضع لضمان بقاء السيسي فيه عندما كان يشغل منصب وزير الدفاع. سيتعين على السيسي تغيير الدستور مرة أخرى للتخلص من صبحي.

وقيل إن طنطاوي، بحسب المصادر التي تحدثت إلى «ميدل إيست آي»، قد أيد هذه المرة عنان، وهو الرجل الذي منعه من الترشح من قبل.

الأسئلة الحاسمة التي يجب طرحها الآن هي: هل قام السيسي بتطهير الجيش بما يكفي من الجنرالات ليتمكن من الاعتماد على ولائه غير المشروط؟ يبدو أن بيان الجيش الذي أدانوا فيه عنان يعطي هذا الانطباع. ماذا تبقى من قاعدة سلطة طنطاوي السابقة؟ أم أنه لم يزل وحشًا كامنًا في الخلفية، وحشًا جريحًا، ولكنه يمثل خطرًا دائمًا؟

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد