«خسارة قائد فيلق القدس المبجل ومساعديه أعاق زخم التقدُّم الإيراني في المنطقة»

كتب مارتين شولوف ودان صباغ تقريرًا في صحيفة «الجارديان» البريطانية حول تداعيات اغتيال الجنرال قاسم سليماني قائد فيلق القدس بالحرس الثوري الإيراني الذي كان مسؤولًا عن العمليات العسكرية التي تشنها الجمهورية الإسلامية في الخارج. ويخلص الكاتبان إلى أن مقتل سليماني سبب صدمة كبيرة للمسؤولين في طهران وبغداد، لكن إيران سعت جاهدة لإحلال نصر الله قائد ميليشيا «حزب الله» اللبنانية محل الجنرال القتيل في إدارة شبكة الوكلاء الإيرانية في المنطقة مع اختلاف بسيط، وهو: أن الوكلاء هم من سيذهبون إليه، ولن يذهب نصر الله إليهم. 

دولي

منذ 8 شهور
كيف تخطط روسيا لتصبح الرابح الأكبر في العراق بعد اغتيال سليماني؟

يبدأ الكاتبان تقريرهما بوصف وقع نبأ اغتيال سليماني على المسؤولين العراقيين: في الساعات الأولى من اليوم الثالث من يناير (كانون الثاني) هاتف رئيس الوزراء العراقي عادل عبد المهدي مستشاريه بحماسة. وقال: «لقد حدث شيء كبير»، ودعاهم إلى اجتماع في مكتبه قائلًا: «عليكم أن تأتوا الآن».

مثل رئيسهم كان المستشارون قد سمعوا هزيم الانفجارات التي دوّت في طريق المطار بعد الساعة الواحدة صباحًا، وكانت هواتفهم ترن بلا توقف. كانت كل مكالمة تُقَرِّب الأمر الذي لا يمكن تصوره أكثر إلى أرض الواقع الصادم: قاسم سليماني القائد المبجل لفيلق القدس الإيراني وأقوى رجل في العراق قد قُتل، وكذلك جميع مساعديه المقربين. طوال 17 عامًا من هيمنة الجنون على عالم ما بعد صدام حسين في منطقة الشرق الأوسط لم يكن هناك الكثير الذي يرقى لقوة هذه اللحظة.  

كشفت المقابلات التي أجريت مع سبعة أشخاص كانوا على اطلاع بما حدث في الضربة الجوية الأمريكية القاتلة، بمن فيهم من المسؤولين في إيران وبغداد، عن مشهد من الفوضى والخلل الوظيفي عند الكشف عن هويات القتلى، بحسب التقرير.

اضطراب وارتباك في بغداد وطهران

قال أحد كبار المسؤولين الرسميين، الذي كان مطلعا على المحادثات المذعورة التي اجتاحت دهاليز السلطة في ذلك الصباح: «كانت هناك 11 جثة سحبت من تحت الحطام. نحن نتحدث عن الحرم الداخلي لفيلق القدس بأكمله. لم يكن هذا مجرد الحاج قاسم (سليماني) وأبي مهدي (المهندس). كان هذا هو كل من يهمهم في العراق وما يتجاوزه».

Embed from Getty Images

كان مصدر آخر وهو وكالة استخبارات غربية أكثر حذرًا؛ مما يشير إلى أن القتلى ربما كانوا أقل أهمية في العلاقة الإيرانية مما كان يعتقد العراقيون. «غير أن (الاغتيالات) قد يكون لها تداعيات كبيرة على العلاقة بين (فيلق القدس) والجماعات المتحالفة مع إيران في العراق على المدى القريب»، حسبما قال أحد المسؤولين.

في فترة الحداد التي استمرت 40 يومًا تكريما للجنرال الإيراني، والتي انتهت يوم الخميس الماضي، لم تكد تداعيات الاغتيال في العراق تخمد. وإذا كان هناك أي شيء قد تغير منذ ذلك الحين فقد أصبح تأثير الأغتيال أكثر قوة هناك، وكذلك في إيران دولة سيلماني، وفي أماكن أخرى في منطقة كان يهيمن عليها الراحل أكثر من أي شخصية أخرى.

فيلق القدس يعاني من عبء غياب سليماني

من مخابئ الضاحية الجنوبية لبيروت إلى ساحات المعارك في شمال سوريا والشوارع القابلة للاشتعال في العراق، أدت خسارة سليماني وحاشيته إلى ضياع الكثير من الزخم الإيراني في المنطقة، كما عرَّض فيلق القدس الغامض، الذي اعتادت إيران استخدامه لمد نفوذها على مدار أكثر من عقدين، لحالة من الضعف النادر. 

كما سلط الاغتيال الضوء على العلاقة المعقدة بين القيادة الإيرانية والحكومة العراقية، التي سعى كبار أعضائها منذ ذلك الحين إلى إحياء مشاريع سليمان الإقليمية الجوهرية حتى تلك التي تقع على مسافة بعيدة، مثل العاصمة اللبنانية ودمشق. وبدأ التفكير في ذلك بمجرد دفن الموتى، بحسب التقرير.

علاوة على محاسبة النفس لإيجاد أفضل الطرق من أجل إعادة تجميع صفوفهم، كانت هناك اتهامات حول كيفية تمكن (الولايات المتحدة) من قتل سليماني ومرافقيه في المقام الأول.

لماذا جرى تجاهل الترتيبات الأمنية في تلك الليلة؟

ينقل التقرير عن أحد المستشارين قوله بحزن: «كان لدى الحكومة العراقية أربعة أساطيل من السيارات تتعامل مع مثل هذه الزيارات». ورفض هذا المستشار، مثل الآخرين الذين جرى التحدث إليهم، الكشف عن هويته. وأضاف: «كلفتنا (هذه الأساطيل) ثروة. كانت لديهم ممارسات روتينية جرى التمرن عليها جيدا، وكانت تبدو مثل ذلك المشهد في فيلم Body of Lies فيما يتعلق بالطائرة بدون طيار. لكن لسبب ما لم يفعلوا هذا في تلك الليلة».

وكان سليماني قد وصل إلى مطار بغداد في الساعات الأولى بعد رحلة قصيرة من دمشق التي كانت نقطة عبور بعد قضاء أسبوع في بيروت إلى جانب زعيم «حزب الله» حسن نصر الله. وكان لبنان والميليشيا القوية – الكتلة السياسية التي تدير البلد المتشظي لفترة طويلة – محور جهود سليماني، والتي كانت تشكل تهديدًا لوجود إسرائيل ذاته.

وكان سليماني ونصر الله أقوى شخصين في شبكة الوكلاء الموالية لإيران، والتي يمثل «حزب الله» درة تاجها. كان الرجلان صديقين على معظم المستويات، ومنافسين على مستويات أخرى، وكان نصر الله هو من توجهت إليه إيران بعد وفاة الجنرال.

Embed from Getty Images

نصر الله يتحرك لملء الفراغ 

يلفت التقرير إلى إرسال محمد الهاشمي، كبير مساعدي عبد المهدي، إلى بيروت لمحاولة إقناع نصر الله بملء الفراغ. كذلك قام أعضاء من الجماعات الشيعية العراقية أيضًا بالرحلة ووافقوا على مدى أسبوع في منتصف شهر يناير (كانون الثاني) على وقف الاقتتال الداخلي الذي أدى إلى تفتت الجماعات في العراق، والأهم من ذلك أنه أضعف قوات الحشد الشعبي: الجماعة القوية المكونة من الميليشيات التي نشأت بعد صعود «تنظيم الدولة الإسلامية (داعش)» في العراق، والتي تحولت منذ ذلك الحين إلى كيان هائل تدعمه الدولة العراقية.

يقول مصدران بارزان في بيروت: «إن نصر الله وافق على المساعدة في سد الفجوة التي خلفتها وفاة سليماني والمهندس، ولكن كانت هناك حدود لما يمكن أن يفعله؛ إذ غلب على حياته البقاء في الظل أكثر من الجنرال الإيراني على مدار الأربعة عشرة عامًا الماضية. ومن غير المرجح أن تجعله ضربة طائرة بدون طيار – شقّت سكون الليل – يشعر بأمان أكثر. والسفر إلى العراق أو سوريا لحشد القوات لن تكون فكرة جيدة. بدلًا عن ذلك ستحتاج شبكات الوكلاء الإيرانية إلى السفر إلى لبنان، حيث سيقوم نصر الله بعمله من هناك.

في ليلة الأحد، في خطاب بمناسبة نهاية فترة الحداد الشيعية الرسمية، بدا نصر الله وكأنه يتبنى نظرة إقليمية أوسع، ويتحدث بإسهاب عن قوات الحشد الشعبي.

وقال: «إنه يتوجب الحفاظ على قوات الحشد الشعبي؛ لأن أمريكا تريد القضاء عليها، معتبرة أنها من بين ضمانات القوة في العراق. أقول للشعب العراقي العزيز والمخلص والمغبون: إن المسؤولية الأولى عن الرد على اغتيال أبو مهدي المهندس وقاسم سليماني تقع على عاتقهم».

إقامة تمثال لسليماني في لبنان 

قبل خطاب نصر الله، كُشِفَ النقاب عن تمثال لسليماني في بلدة مارون الراس اللبنانية، على بعد مسافة قصيرة من الحدود مع إسرائيل. وسرعان ما شجب القادة اللبنانيون المنافسون ظهور التمثال، وهم الأشخاص الذين لطالما نظروا إلى الرجلين على أنهما يعملان لصالح إيران على حساب بلدهم، بحسب التقرير.

وقال أشرف ريفي، وزير العدل السابق: «إن إقامة نصب لسليماني في الجنوب لا علاقة له بالمواجهة مع إسرائيل. ولكن بالأحرى بتأكيد الوصاية الإيرانية على لبنان. إن فيلق القدس (الإيراني) لم يقاتل من أجل القدس، بل دمر سوريا، والعراق، وحول لبنان إلى دولة فاشلة».

في الوقت نفسه، في سوريا، ينظر إلى التقدم الأخير للقوات التي تقاتل نيابة عن النظام في الشمال الغربي على أنه رد فعل جزئي على الاغتيال. وقال لبيب النحاس، وهو مسؤول في المعارضة المناهضة للأسد: «إن إيران حثت وكلاءها على التحرك في الأسابيع الأخيرة، وهو عامل أثبت أنه حاسم في ساحة المعركة».

حسن نصر الله يلقي خطابا بعد مقتل سليماني – يناير 2020

إيران مهووسة بتأكيد هيمنتها

وقال: «إن إيران بعد وفاة سليماني مهووسة أكثر بتأكيد هيمنتها الإقليمية بشكل عام، وخاصة في سوريا، وقررت الاعتماد فقط على نفسها وعلى تأثيرها المباشر بدلًا عن أي شراكات هشة. إن «حزب الله» اللبناني وميليشيا النجباء العراقية، إلى جانب مجموعات صغيرة أخرى من المقاتلين الشيعة الأجانب والسوريين، هم الذين يمثلون طليعة الهجوم على جبهات حلب». 

ويتابع التقرير: أدى الدور الإيراني المباشر في شمال سوريا إلى تهدئة المخاوف في إيران من أن قيادة وسيطرة فيلق القدس تراجعت إلى حد لا يمكن إصلاحه، وأن سليماني اصطحب قائمة الأسرار والاتصالات معه إلى القبر.

ويختتم الكاتبان مقالهما بالكشف عما يعتبرانه مفاجأة طيبة للمسؤولين الايرانيين: في الأسبوع الذي تلا دفنه، اتصل أحد أفراد أسرته بمكتب المرشد الأعلى الإيراني بالأخبار. وأوضح أحد المسؤولين أنه «أراد تسليم أعداد كبيرة من الصناديق والحقائب مع ملاحظاته الشخصية ومذكراته. لقد دون كل شيء، وفي بعض الحالات، ترك أشرطة صوتية. كان كل شيء هناك على أية حال. سيستغرق الأمر وقتًا طويلًا لتجميع هذه الشذرات مع بعضها البعض».

دولي

منذ 9 شهور
تعرف إلى رجل إيران الخطير الذي فشلت أمريكا في اغتياله مع سليماني

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد