أثار ترامب الفوضى السياسية والاقتصادية والاجتماعية داخل الولايات المتحدة وخارجها منذ وصوله إلى المكتب البيضاوي، وغيَّر شكل السياسة الخارجية تحديدًا.

إذ إن غالبية قرارته كانت كارثية، مثل انسحاب أمريكا من اتفاق باريس للمناخ والاتفاق النووي الإيراني. وكشف ترامب بذلك عن غرابته وانعدام مبادئه وعدوانيته وأُحاديته من وجهة نظر جون فيفر، مُدير موقع «فورين بوليسي إن فوكاس» التابع لمعهد الدراسات السياسية بواشنطن.

ترامب يتنفس الصعداء أخيرًا.. ما يجب أن تعرفه عن نتائج تحقيقات مولر

وأورد فيفر في تقرير، أعده ونقله موقع «لوب لوج» الأمريكي، أن ترامب فتح المجال أمام فُرصٍ مُثيرةٍ للاهتمام، عن غير قصدٍ أحيانًا، ويجب على التقدُّميين انتهازها. إذ تتعرض نخبة السياسة الخارجية لتحدياتٍ غير مسبوقة.

ورجَّح فيفر أن تُحاول مُؤسسة السياسة الخارجية الأمريكية، التي وصفها الرئيس أوباما بالفقاعة، في إشارةٍ إلى الإجماع على السياسة الخارجية دون تفكيرٍ داخل واشنطن، المتابعة في الوضع الراهن قُبيل انتخابات عام 2020.

ولكنه يرى أن الولايات المتحدة ربما تسلُك طريقًا مُختلفًا في الحقبة التي ستعقُب ترامب. وإليكم الشكل المُحتمل لذلك الطريق، بحسب التقرير.

بعد ترامب قد تكون النهاية لحربٍ لا نهاية لها

أشار تقرير فيفر إلى  أن إدارة ترامب لم تَحِد عن ولع الجيش الأمريكي الخطير بالشرق الأوسط، إذ أنهت ما بدأته إدارة أوباما، وهو قصف «تنظيم الدولة الإسلامية (داعش)» عن بكرة أبيه داخل سوريا والعراق. وصعَّدت عمليات القصف بالطائرات بدون طيار في اليمن والصومال وباكستان.

وأنشأت إدارته علاقاتٍ وثيقةٍ مع محمد بن سلمان، ولي العهد السعودي «الاستبدادي» الذي زعزع استقرار المنطقة، بحسب الموقع، ودعمت قدر المستطاع الجنون اليميني الذي تُمثِّله حكومة نتنياهو في إسرائيل.

ورغم ذلك، يعتقد فيفر أن الحرب الأبدية التي بدأها جورج بوش الابن ضد الإرهاب قد تكون على وشك الانتهاء، مرجعًا ذلك إلى أن إدارة ترامب مُتحمِّسةٌ لسحب الجنود من أفغانستان، وهي أطول حربٍ في تاريخ الولايات المتحدة.

وأواخر العام الماضي، أصدر ترامب تعليماته للبنتاجون بسحب نصف الجنود الأمريكيين، البالغ عددهم 14 ألف جندي، من البلاد، لكن البنتاجون أقنعه بإبطاء العملية في النهاية. وينطبق الأمر ذاته على سوريا، حيث أعلن ترامب سحب الجنود بتهوُّرٍ قبل أن يُقنعه مُستشاروه العسكريين بالتراجع عن الخطة.

لكن فيفر يرى أن الرسالة الضمنية هنا هي أن أيام الحروب قد ولَّت إلى غير رجعة. إذ فقد الشعب الأمريكي شهيته لوجود الجنود على الأرض في الشرق الأوسط منذ فترة. ويتراجع مد الغزوات الأمريكية الآن، بغض النظر عن سرعة سحب القوات.

ورُبما تُوفِّر عملية السلام في أفغانستان الغطاء اللازم لإنهاء الوجود العسكري الأمريكي هناك، رغم عيوبها. وفي سوريا، تتقبَّل الولايات المتحدة تدريجيًا استمرار نظام بشار الأسد القمعي المرن. ويمُرُّ العراق بعثرةٍ تلو الأخرى، لكنه نجا رغم مُغادرة عددٍ كبيرٍ من الجنود الأمريكيين في البلاد، وبدأ في ترميم علاقته مع إيران.

وفي الوقت ذاته، أكَّد الكونجرس سُلطته أخيرًا بعد أن مرَّر مجلس الشيوخ مشروع قانونٍ ينُصُّ على سحب القوات الأمريكية من الحرب في اليمن الأسبوع الماضي. وهذه هي المرة الأولى، بحسب التقرير، التي يُعلِن فيها مجلسي الشيوخ والنواب أن الولايات المتحدة يجب أن تنسحب من صراعٍ خارجي، وذلك منذ تمرير قانون سُلطات الحرب عام 1973.

وهناك فرصةٌ جيدةٌ أخيرًا لأن يُلغي الكونجرس مشروع القانون الذي بدأ كل شيء: قانون الإذن باستخدام القوة العسكرية لعام 2001.

وكانت باربرا لي، النائبة الديمقراطية عن ولاية كاليفورنيا، هي النائبة الوحيدة التي امتلكت الشجاعة الكافية للاعتراض على القرار داخل الكونجرس إبان تمريره. وما زالت باربرا نائبة في الكونجرس وتقود الآن معركة لإلغاء القانون.

وبفضل جهودها، ستكون الفرصة سانحةً أمام الكونجرس لمناقشة النطاق الكامل للتدخلات العسكرية الأمريكية للمرة الأولى منذ ١0 سنوات. ووقَّع ستةٌ من أعضاء الكونجرس، من بينهم إليزابيث وارن وبيرني ساندرز المُرشحين للرئاسة، على تعهُّدٍ بـ«إنهاء الحروب التي لا نهاية لها». ويجب أن يُمثِّل ذلك التعهُّد اختبارًا أساسيًا لجدية كافة المُرشَّحين الديمقراطيين للرئاسة.

ولا يرى فيفر أن ترامب شخصيةٌ مُسالمة، لكن يقول إن تشكيكه في الحروب التي قادها أسلافه فتحت مجال الجدل حول العسكرة الأمريكية، وخاصةً في الشرق الأوسط والمناطق المُحيطة. ونصح الكاتب التقدُّميين باغتنام الفرصة وضمان ألا ينضم صقور الليبرالية إلى صفوف مُحبي العسكرية التقليديين، حتى يتمكَّنوا من تغيير مسار هذا التيار السائد عام 2020.

الصين وروسيا والإنفاق العسكري

يعتقد فيفر أن المشكلة تكمُن في أن البنتاجون لا يُركِّز على الشرق الأوسط حاليًا، إذ تجاوز البنتاجون حروب الألفية الثالثة واقعيًا، وانصب تركيزه مُؤخرًا على الصين وروسيا، إلى حدٍ ما، وهما «القوتان الرجعيتان» اللتان تُمثِّلان أكبر تهديدٍ للولايات المتحدة وفقًا لإستراتيجية الأمن القومي التي وضعتها إدارة ترامب. ويتجهَّز البنتاجون الآن أيضًا من أجل التصدي لمجموعةٍ من التهديدات الجديدة مثل حروب الإنترنت وحرب الفضاء.

ويبحث البنتاجون حاليًا عن زيادةٍ ضخمةٍ في ميزانيته ليخوض صراعاتٍ أخرى، بحسب التقرير، رغم الزخم المُنتشر لإنهاء الحروب التي لا نهاية لها. إذ يرغب ترامب في زيادة الإنفاق العسكري ليصل إلى 750 مليار دولار، لكن الديمقراطيين على استعدادٍ للقبول بتسويةٍ مُتواضعةٍ ترفع الإنفاق العسكري إلى 733 مليار دولار فقط. وهو رقمٌ كبيرٌ في جميع الأحوال.

وبحسب تقرير فيفر، سيخصص الشطر الأعظم من تلك النفقات لمنع الصين من أن تُصبح الدولة رقم واحد عالميًا، وهي القوة العظمى الوحيدة التي تمتلك جيشًا يُقارب حجم الجيش الأمريكي. إذ يبدو أن إدارة ترامب تضغط كليًا على بكين.

وتُمارس البحرية الأمريكية تدريبات «حرية الملاحة» في بحر الصين الجنوبي، وهي تدريباتٌ مُصمَّمةٌ خصيصًا لتبعث برسالةٍ تَحُثُّ الصين على «التراجع». وفي الوقت ذاته، شَنَّ ترامب حربًا تجاريةً ضد بكين بزيادة التعريفة الجمركية، ووصل به الأمر إلى الضغط على الحلفاء لاستثناء الصين من آخر تحديثات الاتصالات. ويشهد التعاون بين واشنطن وبكين في قضايا البيئة والطاقة تراجعًا كبيرًا، بعد أن ازدهر في سنوات أوباما.

لكن خطوات ترامب تمنح التقدميين بعض الفرص هنا أيضًا، من وجهة نظر فيفر. إذ أظهر ترامب رغبةً بسيطةً في إنهاء أخطر حربٍ باردةٍ في آسيا بين كوريا الشمالية والجنوبية من خلال اجتماعاته وجهًا لوجهٍ مع كيم جونغ أون، زعيم كوريا الشمالية. لذا ينصح فيفر التقدميين بانتهاز فرصة محادثات السلام الجارية وتحويل القضية إلى قضيةٍ إقليمية، رغم أن مُبادرات ترامب يُمكن تفسيرها بأنها تكتيكٌ لإحداث صدعٍ في العلاقات بين بيونغ يانغ وبكين.

ويرى فيفر أن التقارب مع كوريا الشمالية قد يكون المفتاح لحل مُشكلة الأمن في شرق آسيا، مثل الصراعات الإقليمية الجارية حول مُختلف الجزر والمُواجهة الكبرى بين حلفاء الولايات المتحدة والصين.

واستثمرت اليابان مُؤخرًا في مبادرة الحزام والطريق الصينية، في حين تبذل كوريا الجنوبية جهودًا حثيثةً لتسهيل عملية تهدئة التوتُّرات على مستوى المنطقة. لكن الديمقراطيين لا يعلمون شيئًا عن تلك المسائل أو يُهاجمونها بنشاط (لأنهم يكرهون كل ما يفعله ترامب، من وجهة نظر فيفر). وأكَّد فيفر كذلك ضرورة أن يدفع التقدُّميون عملية السلام في شبه الجزيرة الكورية من أجل نزع فتيل الصراع الجديد الذي قد ينفجر بين واشنطن وبكين في أي لحظة.

وتسببت الشكوك حول تورُّط الرئيس في تدخُّل موسكو بانتخابات عام 2016 في ازدياد تعقيد الطريق أمام جهود ترامب لفتح صفحةٍ جديدةٍ من العلاقات الأمريكية-الروسية، بحسب التقرير. لذا ينصح فيفر التقدُّميين بالتركيز هنا أيضًا على نقطة التلاقي بين مصالح واشنطن وموسكو، مثل الحد من انتشار الأسلحة النووية أو التعامل مع إيران.

ويرى الكاتب أن السياسة الخارجية الأمريكية يجب أن تعتمد من جديدٍ على الدبلوماسية الجيدة قديمة الطراز، حين اعتادت الولايات المتحدة التفاوض بحسن نيةٍ مع خصومها، مثل: كوبا، وإيران، بالإضافة إلى روسيا والصين.

ووصف الكاتب الميزانية العسكرية بأنها «مسألةً مُستعصية»؛ لأن الأمريكيين يُفضِّلون عادةً تخفيض ميزانية البنتاجون، لكن العملية السياسية لا تزال تُفضِّل التركيبة العسكرية الصناعية بشدة. وكذلك هو الحال مع ترامب، رغم أنه كشف عن مخرجٍ من هذه المُعضلة. إذ إن إعلان حالة الطوارئ الوطنية ينُصُّ على سحب تمويل البنتاجون فورًا لدفع تكلفة جداره العازل.

وحالة طوارئ ترامب مُزيَّفةٌ وجداره وهمي، من وجهة نظر فيفر، لكن قال: «إن تلك الخطوة تُذكِّرنا بأن ميزانية البنتاجون ليست مُقدَّسة. وتعيش الولايات المتحدة رهينة عدَّة حالات طوارئ: التغيُّر المناخي وانهيار البنية التحتية وأوبئة العقاقير وتدهور التعليم الحكومي».

وجادل الواقعيون لسنواتٍ قائلين: «إن أموال البنتاجون لا يُمكن تحويلها لأغراضٍ أخرى. لكن هذا قد لا يكون صحيحًا من وجهة نظر فيفر الذي ينصح الإدارة المُقبلة أن تحشد البلاد حول حالات الطوارئ الحقيقية التي تُواجهها أمريكا».

العمل الجماعي

بحسب تقرير فيفر فقد نجح خطاب «أمريكا أولًا» الذي يتبنَّاها ترامب وتصرُّفاتها في جذب قطاعٍ بعينه من الأمريكيين. لكن غالبية الأمريكيين يُقدرون أهمية الأمم المتحدة والتعاون مع الحلفاء والانخراط في العمل مُتعدِّد الأطراف.

ويرى فيفر أن سجل السياسة الخارجية لترامب يجب أن يُحفِّز ذكريات الماضي التي نحتفظها بها عن أمثلة السياسة الخارجية الأمريكية التعاونية، بدءًا من تشكيل الأمم المتحدة ووصولًا إلى الاتفاقية النووية مع إيران. ولم يكشف ترامب عن طريقٍ ناجحٍ هنا، بل أثبت أن القرارات أُحادية الجانب تُؤدِّي إلى «طريقٍ مسدودٍ» دائمًا من وجهة نظر فيفر الذي يرى أن العالم اختار أن يُصبح مكانًا «أكثر خطورةً» خلال العامين الماضيين.

والأدهى من ذلك، بحسب الكاتب، أن تصرُّفات ترامب الأُحادية زادت تصميم الأطراف الدولية الأخرى في الحفاظ على ما تُحاول الولايات المُتحدة تمزيقه، وسارع الأوروبيون للحفاظ على الاتفاق النووي الإيراني. وتتحرك الصين وغيرها من الدول من أجل التصدي للتغيُّر المناخي. ووقَّعت كافة الدول الأخرى على اتفاقية «الشراكة عبر المحيط الهادئ».

في حين يُواصل مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة أعماله في أعقاب انسحاب الولايات المتحدة الصيف الماضي. وأصدر المجلس أول بيانٍ توبيخيٍ للمملكة العربية السعودية مطلع الشهر الجاري، في مبادرةٍ قادتها آيسلندا التي حلَّت محل الولايات المتحدة في المجلس.

ويزداد قلق دُعاة التعاون الدولي من الليبراليين بشأن ضياع «القيادة» الأمريكية. لكن فيفر ليس قلقًا بهذا الشأن؛ لأن القيادة الأمريكية كان لها تأثيرٌ سلبيٌ على العالم بقدر تأثيرها الإيجابي. والأهم من ذلك هو أن ضياع تلك القيادة يفتح المجال أمام إمكانية إعادة التوازن العالمي من جديد، لأن الولايات المتحدة لم تَعُد صانعة القوانين العالمية. وتتقدَّم الآن دولٌ أخرى لفرض نفوذها العالمي مثل: الصين والاتحاد الأوروبي طبعًا، فضلًا عن روسيا وتركيا والهند.

ويعتقد فيفر أن ترامب عزَّز، دون قصد، الحُجَّة التي تُطالب الولايات المُتحدة بتأدية دورٍ أكثر تواضعًا في العلاقات الدولية. ولذي ينصح الكاتب التقدُّميين باستغلال هذا التواضع العالمي الجديد ودفع الولايات المتحدة للانخراط في حوارٍ عالميٍ حول الحوكمة، والخروج بإجاباتٍ عن السؤال التالي: ما هي أفضل طريقةٍ لحشد الطاقات الدولية من أجل التصدي للمشكلات الكُبرى مثل التغيُّر المناخي والأوبئة وغياب المساواة الاقتصادية؟ ويرى فيفر أن هذا الحوار يجب أن يبدأ بإعادة ضبط العلاقات مع الصين.

الاقتصاد العالمي

لكن فيفر يرى أن هناك مُشكلةً واحدةً في الحديث عن الحوكمة العالمية، وهي أن غالبية الأطراف الرائدة حاليًا ليست ليبرالية: الصين، وروسيا، والهند، وتركيا، والبرازيل، وبعض أطراف الاتحاد الأوروبي. ويُرجِّح أن تُعيد تلك البلدان صياغة قوانين الطريق الدولي، في حال أُتيحت أمامها الفرصة، لتمنع الكيانات العالمية من التصدِّي لانتهاكات حقوق الإنسان داخل حدودها السيادية.

وأظهرت الإدارات الحالية داخل موسكو وبكين وأنقرة ونيودلهي وبرازيليا وبودابست وواشنطن تفضيلها لقيادة البلاد بنظام القبضة الحديدية، وهم يُعادون المُهاجرين عادةً و/أو لا يتسامحون مع الأقليات العرقية والدينية.

ومن وجهة نظر الكاتب فقد أتت هذه الموجة غير الليبرالية الجديدة نتيجةٌ لعدم الرضا عن نتائج العولمة الاقتصادية، إذ أدَّت إلى تخليق ثرواتٍ ضخمةٍ بفضل ازدياد حجم التجارة، وتسارع حركة الأموال والخدمات المالية العابرة للحدود، وظهور خطوط تجميعٍ عالميةٍ للمنتجات.

لكن غالبية تلك الثروات ظلَّت مُتركِّزةً في حفنةٍ قليلةٍ من الأيادي. لدرجة أن ثروة النصف الأفقر من البشر انخفضت بنسبة 11% العام الماضي، في حين ازدادت ممتلكات المليارديرات بنسبة 12%. ويمتلك أغنى 26 شخصًا في العالم الآن ثرواتٍ تُعادِل ثروات أفقر 3.8 مليار شخص على وجه الأرض. ولا يتعلَّق الأمر بنشاط الطبقة الغنية فقط، بل أدَّى فراغ الطبقة المتوسطة إلى توسيع هذه الفجوة أيضًا: إذ اختفت وظائف الطبقة المتوسطة ذات الأجور الجيدة في الدول الصناعية.

وتنبع حالة عدم المساواة المُستعصية، والغضب بشأنها، من السياسات الاقتصادية التي يعتنقها الليبراليون والمُحافظون على حد السواء، بحسب التقرير.

إذ تنتهج الأحزاب الوسطية الكبرى شكلًا من أشكال الإصلاح الاقتصادي الليبرالي الجديد، وهو إصلاحٌ ينُصُّ على تقليص دور الحكومة والقوانين والرقابة، وزيادة الأسواق الحرة. ولذا يرى فيفر أنه من الطبيعي بالنسبة للأحزاب السياسية التقليدية أن يرفضها الساخطون؛ مما سيدفعهم إلى اعتناق الشعبوية اليمينية بدلًا عن دعم البدائل التقدُّمية التي يُمكن أن تُعوِّض الاقتصاديات الليبرالية الجديدة من وجهة نظره.

ورغم ذلك، يُمثِّل فشل شعبوية ترامب فرصةً مُذهلةً للتقدُّميين بحسب فيفر. إذ لم يُساعد ترامب الشطر الأعظم من المواطنين، لكنه مد يد العون للأغنياء من خلال تخفيضات الضرائب التي أجراها وفتح الباب أمام مجموعةٍ جديدةٍ من جماعات الضغط السياسي لتجتاح مستنقع واشنطن.

وأرسل التقدُّميون ردًا شديد اللهجة على الشعبوية الترامبية، بحسب التقرير، في صورة «الصفقة الخضراء الجديدة» التي تضمَّنت: خطُّة بنيةٍ تحتيةٍ واسعة النطاق لخلق فرص عملٍ وإصلاح البنية التحتية الأمريكية وتقليل انبعاثات الكربون داخل البلاد.

ويعتمد مسار الاقتصاد الأمريكي الليبرالي على مجموعةٍ من أسوأ الصناعات: النفط والفحم والصناعات العسكرية. ورأى ترامب أن الحل الأمثل لتلك المشكلة هو مُضاعفة إنتاج هذه القطاعات تحديدًا. لذا ينصح فيفر التقدُّميين بتقديم بديلٍ واضحٍ وإيجابيٍ وصديقٍ للبيئة.

 

عامل الخوف

رأى فيفر في تقريره أن الفضل في وصول ترامب إلى البيت الأبيض يعود إلى موجة الخوف السائدة، لأنه صوَّر للناخبين أن المُهاجرين على وشك اجتياح البلاد. وقرَّبته عنصريته العرضية إلى قلوب العنصريين البيض واليمينيين المُتشدِّدين.

وفي أعقاب تنصيبه رئيسًا، نقل تلك المخاوف والكراهية إلى المسرح الدولي بفضل وصفه لدول أفريقيا بـ«أوكار القذارة» وتطبَّيقه حظرًا على سفر المسلمين وتركيزه الهوسي على جداره العازل.

لكن الكاتب توقع أن تكون الفترة الحالية التي يعيشها الأمريكيون مع ترامب هي آخر لحظات امتياز الذكور البيض داخل الولايات المتحدة، والتي ستتحوَّل قريبًا إلى دولةٍ ذات أغلبيةٍ من غير البيض (بحلول عام 2045 تقريبًا) وحيث تُحرِزُ النساء مكاسبًا اقتصاديةً وسياسيةً ضخمة (إذ تحصَّلن على نسبة 24% من مقاعد الكونجرس للمرة الأولى في عام 2018).

ونصح فيفر التقدُّميين أن يُواجهوا تلك التصرُّفات الرجعية العنصرية (عرقيًا وجنسيًا) بتحليلاتٍ هادئةٍ مبنيةٍ على الحقائق، مع ضرورة إدراك حقيقة المشاعر التي تجذب الشعب لصناديق الاقتراع، ودون التردُّد في استغلال عامل الخوف. إذ إنه يرى أهمية التركيز على مَواطن مخاوف الأمريكيين الحقيقية.

ونصح التقدُّميين بتسليط الضوء أيضًا على الخوف من فكرة أن يُؤدِّي حدثٌ مناخيٌ عنيفٌ إلى محو مساحةٍ شاسعةٍ من الولايات المتحدة، فضلًا عن مخاوف المواطنين الشرعية من فقدان وظائفهم وعدم القدرة على تسديد ديونهم. وكذلك الخوف المنطقي من العنف المُسلَّح.

ويرى فيفر أن التقدُّميين يجب أن ينضموا إلى الأطراف السياسية الأخرى داخل الولايات المتحدة لاستغلال المخاوف المنتشرة من احتمالية فوز ترامب – أو شخصٌ يُشبهه – بالانتخابات الرئاسية المُقبلة عام 2020.

وأورد الكاتب أن الليبراليون لطالما أيَّدوا التدخلات العسكرية الأمريكية والمستويات الضخمة من الإنفاق العسكري والاستثناءات الأمريكي على المسرح الدولي والسياسات الاقتصادية التي مزَّقت المجتمعات وسياسات الامتياز الأبيض التي شوَّهت سمعة البلاد الديمقراطية. وهو يرى أن هذا المسار الليبرالي تحديدًا يُؤدِّي إلى طريقٍ مسدود، وكذلك هو الحال مع بديل ترامب المزعوم.

وفي ختام تقريره، يعتقد فيفر أن أمريكا جاهزةٌ للتجديد. ويرى الفرصة سانحةٌ الآن أمام التقدُّميين ليستغلوا ما فعله ترامب (وما لم يفعله)، فضلًا عن حالة الامتعاض العامة حيال إخفاقات السياسات الليبرالية المُعتادة، من أجل إعادة تشكيل أمريكا ومكانتها في العالم.

الفريق يكتمل.. هل يقرر ترامب «القفز على مشكلاته» بإعلان الحرب على إيران؟

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد