سلطت مجلة «إيكونوميست» البريطانية الضوء على خطر المجاعة الذي يلوح في أفق إقليم تيجراي الإثيوبي بعد شهرين من الحملة العسكرية التي شنتها الحكومة الفيدرالية في إثيوبيا لإخضاع الإقليم؛ إذ يبدو أن الحكومة الإثيوبية تمنع وصول المواد الغذائية إلى المنطقة. وقد اندلعت المواجهات العسكرية بين جبهة تيجراي والجيش الإثيوبي خلال العام الماضي بعد تزايد الخلافات مع الحكومة المركزية في أديس أبابا بقيادة آبي أحمد وتأجيل الانتخابات في البلاد. وإقليم تيجراي غنيٌّ بالزراعة وهو أحد الوجهات السياحية المهمة في البلاد، ويضم مراكز تاريخية ودينية، وفي مقدمتها مدينة أكسوم مهد الكنيسة القبطية الإثيوبية.

دولي

منذ 4 شهور
«فورين بوليسي»: صراع آبي أحمد وقادة تيجراي.. هل تتجه إثيوبيا نحو حرب أهلية؟

استهلت المجلة البريطانية تقريرها بالإشارة إلى صورة لسبحات نيجا، أحد مؤسسي «جبهة تحرير شعب تيجراي»، التي التُقِطت له هذا الشهر مُكبلًا في أصفاده، ومرتديًا بدلة رياضية رثَّة، وجوربًا في إحدى قدميه دون الأخرى، وهي الصورة التي ترى المجلة أنه لا يوجد أفضل منها لترمز إلى تهاوي نفوذ «جبهة تحرير شعب تيجراي»، ذلك الحزب الذي لطالما كان الآمر الناهي في إثيوبيا لما يقرب من ثلاثة عقود. وكان الجيش الإثيوبي قد أسَرَ نيجا الذي شارف عمره الـ86 عامًا، وكان أحد أقوى الرجال الإثيوبيين لمدة طويلة، ويخوض حزبه، الذي أطيح به من السلطة على إثر احتجاجات حاشدة في عام 2018، حربًا ضد الحكومة التي يترأسها آبي أحمد على مدار الشهرين الماضيين، لكن تجري الرياح بما لا تشتهي السفن.

تيجراي تحت الحصار

وأوضح التقرير أن الجيش الإثيوبي قتل عددًا من الشخصيات البارزة الأخرى في «جبهة تحرير شعب تيجراي»، وكان من بينهم سيوم مسفين، صاحب أطول مدة خدمة بوصفه وزيرًا للخارجية الإثيوبية. ويبدو أن عمليات القتل والاعتقال قد تركت «جبهة تحرير تيجراي» في حالة يُرثى لها؛ إذ تلاحق السلطات قادتها في مخابئهم لأكثر من شهر، بما في ذلك الرئيس المخلوع لإقليم تيجراي، ديبريتسيون جبريمايكل. وبالرغم من أن الجبهة لم تزل تسيطر على مساحات كبيرة من مناطق تيجراي الريفية، فإنها لا تملك بزمام أي بلدات أو مدن، ويعتقد حلفاء آبي، الذين أعلنوا النصر بالفعل، أنها مسألة وقت فقط قبل أن تتمكن القوات الإثيوبية من قتل بقية ما يُسمى بـ«المجلس العسكري»، أو إلقاء القبض عليهم.

ولكن سكان إقليم تيجراي لا يملكون رفاهية الوقت؛ فعلى مدى أسابيع ظلت الغالبية العظمى من سكان الإقليم البالغ عددهم نحو 6 ملايين نسمة تفتقر إلى ما يكفي من الغذاء، أو الماء، أو الدواء. ووفقًا للإدارة المؤقتة لتيجراي، التي عيَّنها آبي في الشهر الماضي، نزح أكثر من مليوني مدني من منازلهم. وقد حذرت لجنة حقوق الإنسان التي عينتها الدولة من «أزمة إنسانية»، وبحسب شبكة نظم الإنذار المبكر بالمجاعة، التي تديرها الحكومة الأمريكية، ربما تكون أجزاء من وسط تيجراي وشرقها قاب قوسين أو أدنى من المجاعة، وقد أبدى دبلوماسي غربي قلقه من أن «نشهد وفاة مليون شخص هناك في غضون شهرين».

Embed from Getty Images

وأشارت المجلة إلى استحالة الوقوف على مدى سوء الأزمة، ذلك أن خطوط الهاتف معطلة، فضلًا عن منع الحكومة الصحافيين من الذهاب إلى معظم مناطق تيجراي، وتقييدها حركة عمال الإغاثة. لكن الروايات تتقاطر حول ما تعانيه تيجراي؛ ففي بعض الأماكن، وخاصة في الشمال، أُضرِمت النار في المحاصيل، وهجر المزارعون حقولهم قبل الحصاد في حالات أخرى.

ولفت التقرير إلى أنه حتى في الأماكن التي لم يزل الطعام فيها متاحًا، لا يجد كثيرون سبيلًا للحصول عليه؛ فقد أُغلقت البنوك في جميع أنحاء تيجراي (باستثناء مدينة ميكيلي، عاصمة الإقليم)، وكذلك الأسواق والمحلات التجارية، ونفد الوقود في كثير من الأماكن، واستشرى التضخم. وحسبما يوضح كيبوروم، أحد سكان تيجراي الفارين إلى العاصمة الإثيوبية أديس أبابا الشهر الماضي، قائلًا: «حتى وإن كنتَ تملك المال، فلن تستطيع سحبه من البنوك الموصودة، وإن كانت لديك الحبوب، فلن تجد طاحونة، وإن وجدت واحدة، فلا توجد أيدي عاملة لتشغيلها».

المستشفيات لم تسلم

وأضافت المجلة أن المستشفيات أيضًا لم تسلم مما يجري، حيث تنفَد الإمدادات الطبية. وفي معظم المستشفيات، كتلك الواقعة في الحميرة، وهي بلدة قريبة من السودان وإريتريا، لم يتقاضَ الموظفون أجورهم منذ أكتوبر (تشرين الأول) الماضي، مشيرةً إلى أن انقطاع الكهرباء يعني فساد الأدوية، وهذا إن تبقى منها شيء بالأساس. وعندما وصلت منظمة «أطباء بلا حدود»، وهي مؤسسة خيرية دولية، إلى المستشفى في منطقة العدوة في وقت سابق من هذا الشهر، وجد موظفوها أن المستشفى تعرضت لنهب شبه كامل، وتساءلت ماري كارمن فينيوليس، رئيسة وحدة الطوارئ في منظمة «أطباء بلا حدود»، قائلةً: «كيف سنُجرِي عمليات نقل الدم التي تنقذ الأرواح إذا لم يكن لدينا ثلاجة»؟

وألمح التقرير إلى أن الحكومة الفيدرالية ترفض هذه الروايات، إذ قال متحدث باسم وكالة إدارة الكوارث الفيدرالية في 19 يناير (كانون الثاني): «لا توجد مجاعة في إثيوبيا». وتدَّعي الحكومة أنها وزَّعت المساعدات على ما يقرب من مليوني شخص في شمال إثيوبيا (على الرغم من أن عدد هؤلاء الموجودين بالفعل في تيجراي غير محدد أو واضح).

تقول موفريات كامل، وزيرة السلام في الحكومة الإثيوبية،: إن وزارتها تصل إلى المواطنين حتى في المناطق الوسطى من تيجراي، وهي المناطق التي تقع إلى حد كبير تحت سيطرة جبهة تحرير تيجراي، وهو ما تعدَّه المجلة غير قابل للتصديق مستشهدةً بما يقوله أحد كبار المسؤولين في مجال الإغاثة الإنسانية بشأن أن المدنيين في هذه الأماكن «محاصرون تمامًا».

Embed from Getty Images

كما تهاجم قوات جبهة تحرير تيجراي بانتظام القوافل العسكرية للحكومة الإثيوبية، الأمر الذي يستحيل معه إيصال الحكومة للإمدادات للمنطقة على نحو آمن، كما لا تفي الحكومة باتفاق وقَّعته مع الأمم المتحدة الشهر الماضي للسماح لمنظمات الإغاثة بالسفر دون عوائق في جميع أنحاء المنطقة. وهو ما أرجعته المجلة إلى أن المسؤولين ربما لا يريدون لعمال الإغاثة فضح جرائم الحرب، أو الكشف عن وجود الآلاف من القوات من إريتريا المجاورة (الذين يساعدون الحكومة). وقد أطلقت القوات الإثيوبية النار على أربعة من موظفي الأمم المتحدة، واحتجَزتهم الشهر الماضي بسبب دخولهم إلى مناطق وصفها مسؤول حكومي بأنها «لم يكن من المفترض الذهاب إليها».

كذلك تتعرض الشاحنات التي تحمل إمدادات الطوارئ للتوقيف، وعلى الرغم من بعض التحسينات في المدة الأخيرة، يتَّسِم نظام الحصول على التصاريح للسماح لعمال الإغاثة بالدخول إلى تيجراي بالبطء والتعقيد، وحتى عندما تمنح الحكومة المركزية هذه التصاريح، تُوقِف السلطات المحلية في المناطق المجاورة الشاحنات، متعللةً بضرورة أن تَمنَح هي الأخرى تصاريح للدخول إلى مناطقها. وبمجرد وصول الشاحنات إلى تيجراي، يوقفها قادة الجيش المحليون، متذرعين بالدواعي الأمنية أو ربما لأنهم يعتقدون أن الطعام سينتهي به المطاف في أيدي المتمردين.

سياسات قاتلة

ونوَّه التقرير إلى أن حكومة إثيوبيا قد تكون عاجزة عن إدراك أن المجاعة ستكون نتيجة حتمية لتصرفاتها، مرجحًا أن السلطات تتعمَّد منع الطعام عن الإقليم في محاولة منها لتجويع المتمردين. ويقول دبلوماسي من الأمم المتحدة: إن «عدم وصول المساعدات الإنسانية جزء لا يتجزأ من الحملة العسكرية التي تشنُّها الحكومة الإثيوبية». وحتى قبل بدء الحرب كان هناك جهد لحصار تيجراي سعيًا لإضعاف قادتها، وفي أكتوبر أوقفت الحكومة الفيدرالية مُخصَّصات الرعاية الاجتماعية للمزارعين الفقراء.

دولي

منذ 3 شهور
يلعب دور «المتفرج» حتى الآن.. هل يتأثر السودان بالنزاع الإثيوبي في إقليم تيغراي؟

وبحسب ما تختم المجلة تقريرها، فقد أجرمت الحكومات الإثيوبية المتعاقبة بإعطاء الأولوية للسياسة على حساب الشعب لعقود من الزمن؛ إذ جرى التستر على مجاعة عام 1973 لتجنب إحراج حكومة الإمبراطور هيلا سيلاسي. ولم يكد يمر عقد من الزمان على تلك الواقعة حتى أقدمت ديكتاتورية عسكرية ماركسية على حرق المحاصيل، وقيَّدت وصول المساعدات إلى إقليم تيجراي في محاولة منها لهزيمة «جبهة تحرير تيجراي»، التي كانت آنذاك مجموعة مبعثرة من رجال حرب العصابات. ولم تحدث المجاعة الكاملة بعد في تيجراي، لكن هناك خطرًا حقيقيًا بأن التاريخ سيُعيد نفسه.

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد